بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

17 اغسطس 2017 - 36 : 23   Facebook   Youtube  RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير التنفيذي
عبد الجواد ابوكب
البنك العربي الافريقي الدولي

الزمان والمكان عند فلاسفة المسيحية والإسلام

17 فبراير 2017



د. عصمت نصار
بقلم : د. عصمت نصار

3) سلطة المقدس  بين التوفيق والتلفيق

إذا ما انتقلنا إلى العصر المدرسي سوف نجد القديس "أوغسطين" (354 – 430 م) يمضي مع أفلاطون والنصوص المقدسة معا إلى أن الموجود الأول هو الإله ، الخالق لكل الموجودات ((إن الله خلق الزمان مع العالم ولم يخلق العالم في الزمان)) فالزمان لا يمكن إدراكه على الرغم من التسليم بوجوده وذلك لأن الماضي لا يمكن استيعابه أو الاحتفاظ به والمستقبل لم يأتي بعد أما الآن أو الحاضر هو الذي يمكن إدراكه من الزمان للحظات معدودة ، فالماضي والمستقبل لا يمكن للذهن فصلهما عن الحاضر وذلك لأن تصوره أو إدراكه لهما ينطلق من فهمه للآن وما يحيط به ، ويخالف أوغسطين أرسطو في رفض ارتباط الحركة بالزمن بل نجده يؤكد مع "أفلوطين" ( 204 – 270 م) أن الذهن وحده هو الذي يدرك سكون أو حركة الزمن (تذكر – انتباه – توقع) ويعني ذلك أن وجود الزمان عند أوغسطين مرهون بوعي الذات الإنسانية به -وقد تأثر برغسون بهذا التفسير- فيما بعد. أما الزمان الميتافيزيقي الذي يرمز له بالأزلية والأبدية والموجود بذاته فقد أنكره أوغسطين تماما وذلك لأن ليست ثمة هناك أبدي أو أزلي إلا الله فلم يكن قبله أو معه زمان أو مكان.  ولم تسلم كتابات فلاسفة المسلمين المشائين من معضلة التوفيق بين القول الأرسطي بقدم العالم واستقلالية الإله عن الخلق والآيات التي تثبت أن الله هو الأول والآخر وأنه الخالق لكل الموجودات في ستة أيام عن عدم وهو زمن يعلمه هو وحده وذلك لأن الكون المخلوق لا يمكن حصره في الكرة الأرضية والأجرام المحيطة بها فكان لزاما على المفسرين والمتكلمين وفلاسفة الإسلام المشائين وضع تصورا جامعا بين أدلة وجود الله بصفاته النصية وفي الوقت نفسه الحفاظ على فلسفة أرسطو لكل ما جاء فيها حيال الزمان والمكان والحركة والمادة ووجود العالم.

وقد حاول المفسرون الإجابة على الأسئلة المطروحة: متى أوجد الله العالم؟ وماذا كان يفعل قبل ذلك؟ وهل الماء والدخان اللذان خلق الله منهما العالم قبليان أم بعديان؟ وهل الأيام الستة هي أيام زمنية أم في زمن ميتافيزيقي مطلق غير محسوب بالمواقيت المتعارف عليها؟ ولماذا الأيام الستة بالتحديد التي وردت في الأساطير والتوراة والقرآن؟ وهل كان خلق العالم حسي أم في عقله وعلمه "كن" فكان ، وهل وُجد تدريجيا أم طفرة واحدة؟.

جاءت كتابات معظم المتكلمين منتصرة للنص القرآني أي أن الله هو الأول ولم يسبقه زمن بل هو خالق الزمن وخالق الكون بكل ما فيه ، من عدم وليس من مادة أولى ، وذلك بإرادته الإلهية وفعله المتمثل في لفظة "كن". وخلاصة نظرية معظم المعتزلة والأشاعرة في البرهنة على الخلق من عدم هي أن الزمان والمكان والحركة والأجسام تتشكل من مجموعة ذرات أو أعراض تتبدل وتتغير ، وكل ما يطرأ عليه التغير هو بالضرورة حادث ، وكل حادث بالضرورة له محدث أو خالق والخالق هو الله ، وأنكروا كذلك القول بالطفرة والمصادفة ، فكل شيء كائن أو سوف يكون في المستقبل ما هو إلا فعل من أفعال الله ، وكذا اقتران الزمان  بالمكان بالحركة فكل ذلك مرهون بالمشيئة الإلهية ومن ثم ليست هناك آلية قديمة ميكانيكية ، الأمر الذي قادهم إلى إنكار نظرية تطور الكائنات والأجسام والقول بأن الله قد أوجد العالم عن طريق إخراجه من الممكن إلى الواجب أو من القوة إلى الفعل كما أشرنا ، وقد نحى نحوهما الكندي والغزالي و"فخر الدين الرازي" (1149 – 1209 م).

أما "الفارابي" (872 – 950 م) فكان مشائيا في حديثه عن حركة الأفلاك الدائرية والزمان والمكان الميتافيزيقي واقتران الزمان الفيزيقي بالحركة والمادة والمكان ، أما عن قضية خلق الله للعالم فنجده حاول التوفيق بين آراء أرسطو وما جاء في (المنقول) ، وذلك عن طريق نظريته في الممكن والواجب فالله وحده هو واجب الوجود بذاته ودونه ممكن الوجود وواجب بغيره ، والله هو الذي أخرجه من وضع الممكن إلى الواجب ، ومن ثم ليس هناك فرقا زمنيا بين وجود العالم ووجود الله إلا بدرجة الوجود تلك التي تفرد بها الله ، ولا أسبقية زمنية بين ممكن الوجود وواجب الوجود (مثل حركة اليد التي تمسك بالتفاحة) ، فكل الأفعال من صنع الله ، والله لا يخضع للزمن فهو الأول ولا يسبقه زمان أو مكان أو حركة ، وعليه لا يمكن تصور أن هناك فارق زمني حسي أثناء عملية الخلق. وإلى مثل ذلك ذهب "إخوان الصفا" (القرن العاشر الميلادي) فهم يفصلون بين الزمن الإلهي أي الذي حدث خلال خلق الله للأشياء (الزمان – المكان – الحركة) وزمان أخر فيزيقي له بداية ونهاية وأجزاء. ولم يختلف "ابن سينا" (980 – 1037 م) عن الفارابي وإخوان الصفا في حديثهم عن الزمان والمكان إذ نظر للزمان والمكان على أنهما قديمان ولكنهما معلولان لواجب الوجود الذي تقدم في الوجود عليهما دون وقت. ولم يهمل ابن سينا الزمان الذاتي أي الباطني الشعوري وذلك في حديثه عن الحدس الصوفي حيث الزمان والمكان الروحيين ، أضف إلى ذلك حديثه عن عالم الأرواح والمعاد فكل ذلك من أمور الميتافيزيقا العلوية لا زمان فيها ولا حركة. ولم يضف "ابن رشد" (1126 – 1198 م) على ما تقدم بشأن قدم الزمان والمكان والهيولا والحركة ، وبين أن الله قد خلق الموجودات في علمه فكان وجودها في درجة القوة وليس العدم ثم نقل هذه الموجودات القديمة إلى درجة الوجود بالفعل.

وعلى مقربة من ابن رشد ذهب "توما الأكويني" (1225 – 1274 م) من حيث محاولة توفيقه بين السياق اللاهوتي والنسق الفلسفي فذهب إلى أن الله هو علة كل الموجودات وأنه وُجد منذ الأزل أي إنه سرمدي لا مكان له ولا زمان ولا قبل ولا بعد وأنه أوجد الزمان والكون والحركة بمحض إرادته. غير أن الأكويني لم يستطع التخلص من المعضلات اللاهوتية المتمثلة في أسبقية الأب على الابن زمنيا وخضوع الابن للزمان الطبيعي أثناء وجوده على الأرض وإقامته الأولى ثم عودته في الإقامة الثانية وكذا حديث الكتاب المقدس عن العالم الأخروي ويوم القيامة ووجود عالمي النعيم والجحيم في زمان ومكان ما وغير ذلك من قضايا لم تحل بعد. وانتهى الأكويني في حديثه عن وجود العالم أنه لابد من التمييز بين أبدية الله والزمان المطلق فلو افترضنا أن العالم كان منذ الأزل فيجب أن نفرق بين قدم العالم وأزلية الله وبقاء العالم وأبدية الرب ، ونميز كذلك بين الزمان الإلهي الذي لا نعرف له بداية ولا نهاية والزمان الطبيعي (الماضي والحاضر والمستقبل) الذي ندركه ونحسبه ونؤرخ به ، ولما كان الزمان الطبيعي مقترنا بالحركة والمكان فإننا نؤكد أن العالم الإلهي أبعد ما يكون عن ذلك التصور فلا زمان ولا حركة فيه. أما "ديكارت" (1596 – 1650 م) فعلى الرغم من تسليمه بأن الزمان مخلوق باعتباره حالة والمكان باعتباره جوهر إلا أنه يخالف أوغسطين في اختصار الزمن في مقولة (الآن) بل إنه يعرف الزمان بأنه وحدات منفصلة تفتقر دوما للإرادة الإلهية لكي توجد في العالم المحسوس فلا يمكن تصور وجود أي شيء في الماضي أو المستقبل بما في ذلك المكان على إنه يقينا ، فالماضي معرض للنسيان لأنه ابن الذاكرة ، والحاضر معرض للخطأ لأنه وليد الحس والاستنباط العقلي ، والمستقبل مجهول ولا يصلح معه إلا التوقع والحدس والاستشراف. وجميع هذه الأحوال لا غنى لها عن العون الإلهي ، وعلى الرغم من تأكيده على أن حركة العالم رياضية ميكانيكية إلا أنه يعود مبينا أن مصدر هذه الحركة هو الإرادة الإلهية ، فالمحرك الأول هو الذي نظم هذا العالم وحماه من الفوضى والاضطراب وهو كذلك الذي حدد للحركة الكونية غايتها وعليه لا يمكننا التسليم بأن العالم قد أوجد ذاته أو إنه وُجد بمصادفة. أما المكان والزمان المحسوسان فيخضعان للقوانين الطبيعية التي وضعها الله في العالم عند خلقه له. ويربط "لايبينتز" (1646 – 1716 م) بين الزمان والمكان والحركة ويجعلها كيانا واحدا لا يمكن الفصل بينها وذلك لأنها تشكل الوجود المتعاقب والمستمر ويعني ذلك أنه يرفض تصور الزمان والمكان المطلقين فلا زمان ولا مكان إلا بموجدات وأحداث ، وبناءً عليه فهو يسلم بأن الله هو الخالق الذي أوجد كل الكائنات بما في ذلك الزمان والمكان وهو أيضا الذي وهب للموجودات الصور والحركة على شكل (منادات) متعاقبة على نحو أفضل ما يكون (فليس في الإمكان أفضل مما كان) وقد أراد لايبينتز بذلك التصور التخلص من السياق الأسطوري الذي افترض وجود زمان ومكان مطلقين والتصور الأرسطي الذي أنكر خلق الله للزمان والمكان ، والانتصار في الوقت نفسه لقانون النسبية الذي لا يعترف إلا بالمدرك المحسوس غير أنه خلف "نيوتن" (1643 – 1727 م) الذي قسم تصور الزمان إلى صورتين أولهما مطلق خالد دائم الحركة ومنفصل تماما عن المادة والمكان ، أما الصورة الثانية فتحوي الزمان النسبي وهو متصل بطبيعة الحال بالمكان والزمان والحركة ويمكن للإنسان إدراكه عن طريق تقسيمه إلى وحدات تبدأ باللحظات والسنين ، ولا يمكن للذهن تصور الزمان المطلق والمكان المطلق إلا باعتبارهما معلولين لله ، فالله هو الموجود الأول وهو خالق الدهر والكون ، ولا يمكن للذهن أيضا إدراك الزمان والمكان المطلقين بل إنه يشعر ويحس بهما في صورتهما النسبية ، وقد تأثر "بركلي" (1685 – 1753 م) بهذا التصور للزمان والمكان. ويعتبر "كانط" (1724 – 1804 م) الزمان والمكان من الصور الذهنية القبْلية ومع ذلك يمكن البرهنة على وجودهما حسيا فالمكان يُدرك بالمعاينة والزمان يُدرك بالحدس التجريبي -وقد خالف في ذلك "جون لوك" (1632 – 1704 م) الذي أكد أن العقل يولد صفحة بيضاء- ، وعلم العدد عند كانط هو المقنن لحركة الزمان وعلم الهندسة هو المبرهن على وجود المكان -وقد سبقه إلى ذلك محمد أبوبكر الرازي (864 – 923 م)-. وينزع "ديفيد هيوم" (1711 – 1776 م) إلى إنكار أي واقع خارجي أو وجود قبلي للزمان والمكان ، فلا إدراك خارج نطاق التجربة والمعرفة الحسية. ففكرة الزمان تكون مشتقة من تعاقب إدراكاتنا لكل نوع من الأفكار والانطباعات، علاوة على الانطباعات المعكوسة والإحساسات التي تعطينا حالة الفكرة المجردة، وهي إدراكات تبقى أكبر تنوعاً من المكان، ومع ذلك فهي تُصوّر وهمْ الفكرة الفردية المعينة التي تحدد الكمية والنوعية. وعلى الرغم من حديث كانط المسهب عن الزمكان في مبحث المعرفة والوجود إلا أنه يعود ويؤكد على تفاعل الذات مع البعد الزماني فيجعلها تحوي المشاعر والغايات والطموحات في زمانها الخاص فلا خبرة واعية إلا بقدر اتصالها بالزمان فيمكن للذات أن تتصور وجودها خارج المكان غير أنها لا تستطيع ذلك بمنأى عن الزمان وهو يقترب في ذلك من أوغسطين من جهة وهوسرل وبرجسون من جهة أخرى. ويربط "هيجل" (1770 – 1831) بين الزمان وعجلة التاريخ والوعي والإنسان: فالأحداث تسير من الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل ، ويصبح المستقبل تبعا لحركة الزمن ماضيا وليس العكس والذهن الإنساني يدرك ويقيم وينقد تلك الأحداث ويقابل بين ما فيها من وقائع عبر العصور، أما المكان فهو المسرح الذي تدور عليه تلك الأحداث مدفوعة بحركة جدلية خالدة يقود أحداثها الإنسان تحت رعاية الله الخالق الموجود الأول والروح الكلي. فالزمان والمكان عند هيجل جزيئات منفصلة خارج الذات ، وهو من ناحية أخرى يربط بين الوعي وحركة التاريخ والزمان المطلق والمكان الذي يحوي الوقائع والأحداث فجميع الموجودات لا يتحقق وجودها إلا في زمان ومكان ولا يستثنى من ذلك إلا الله والروح الكلي والذات الواعية. بينما يرى "شوبنهاور" (1788 – 1860 م) أن الزمان والمكان ليس لهما وجودا حقيقيا بمعزل عن إرادة الأنا فهي التي تحدد قدر وجودهما. وعلى مقربة من ذلك المفهوم ذهب "صامويل ألكسندر" (1859 – 1938 م) الذي لم يفصل بين الوجود الطبيعي والزمان والمكان من جهة ولم يتصور كذلك زمانا بلا مكان والعكس غير أنه يرى أن الزمان هو الذي نظم المكان وأعطى للموجودات الحسية صورها عن طريق الانبثاق من جهة أخرى (فالزمان يقوم على قاعدة التوالي أما المكان فيقوم على التتالي وذلك وفقا لعلم الهندسة).

ونخلص مما تقدم إلى أن هذا الطور لم تكن فيه الأنا حرة أو حاضرة في تصوراتها للزمان والمكان بل كانت سجينة النسق ويبدو ذلك في عدم استطاعتها تغيير دلالة الزمان والمكان سواء التي وضعها السياق الأسطوري واللاهوتي أو التصور النسقي الفلسفي ، ونستثني من ذلك بعض الشذرات التي تتحدث عن الزمان والمكان النفسيين الشعوريين.

 

وللحديث بقية





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك
  • احدث المقالات
  • الاكثر قراءه
مركز الاورام جامعة المنصورة
كينج إم
مستشفي جلوبال كير