بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

24 اغسطس 2019 - 39 : 18   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

جبرتى الثقافة المصرية

2 مايو 2018



د. عزة بدر
بقلم : د. عزة بدر

أثرى أحمد هاشم الشريف حياتنا الأدبية بقصصه ورواياته التى نشرت منجمة على صفحات مجلة «صباح الخير»، فقد نشر قصصه القصيرة فى باب «حكاية»، وكان قد أصدر مجموعته القصصية الأولى بعنوان «وجه المدينة»، وكُتب عنها فى «صباح الخير»،  كما نشر أول رواية له بعنوان «بيوت الأقزام» على صفحاتها، كما تألقت كتاباته الإبداعية على صفحات مجلة «الهلال»، ومجلة «المجلة»، والملحق الأدبى للأهرام، وترجمت إحدى قصصه إلى الروسية، وكانت عن السد العالى، ونشرت فى جريدة روسية اسمها «انفستيا».

فقد كان واحدا  من أبرز كتاب القصة فى الستينيات ومن أشهر وأهم كتاباته الصحفية التى خاطب بها وجدان القراء مقالاته الأسبوعية التى كان يكتبها بعنوان «لغة القلب»، وكان يرد فيها على مشاكل القراء، وكانت فكرة الباب قد ولدت فى خاطره بعدما رأى قوة الاهتمام باللغة كوعاء ناقل للثقافة فى أوروبا، كما كان باب «رسالة»، هو الذى حمل رسائل التنوير التى حملها قلم أحمد هاشم الشريف إلى القراء بأسلوبه الأدبى الفذ الذى مزج لغة القلب بلغة العقل، فكانت أفكاره وكتاباته تأريخا أصيلا للحياة الأدبية والثقافية فى مصر، فقد كان بحق «جبرتى» الثقافة المصرية، رصد ملامحها وكتابها وهو الذى أطلق على ثلاثية نجيب محفوظ ديوان مصر النثري، ومعلقتها الشعرية التى تحكى نضال أجيالها من أجل الحرية والتقدم، ويقول الشريف: «كان جيلى يستيقظ مع طلعة الفجر ليطالع ما يخطه قلم الأديب المفكر نجيب محفوظ فى ملحق الجمعة لجريدة «الأهرام»، كنا نتابع قصص «زعبلاوى»، و«حنظل والعسكرى»، بنفس الشغف الذى طالعنا به كتابات طه حسين عن «فولتير»، وعن الأدب اليونانى فى ملحق الجمعة لجريدة الجمهورية قبل ذلك بسنوات قليلة وبدأنا ننتبه إلى الخيط الذى يربط بين عقل طه حسين وعقل نجيب محفوظ، إنه نفس الخيط الذى ربط بين عقل طه حسين وعقل أبى العلاء المعرى عندما ترجم طه حسين «لزوميات» المعري، وأصدر كتاب «الشعر الجاهلى». إن عقل ڤولتير الذى أثار إعجاب طه حسين هو إحدى نفحات عقل فيلسوفنا المعري، وعقل نجيب محفوظ هو الابن الشرعى لعقل طه حسين، وقد توارثنا عقل المعرى وعقل ابن رشد، وعقل الكندي، كما تفسر لنا ذلك نظرية توارث الصفات المكتسبة عند «لامارك» الفرنسي، وقبل ظهور نظرية التطور بآلاف السنين، كان أجدادنا الفراعنة يحسبون عمر كل فيلسوف فى جامعة «أون» القديمة بإضافة العمر الفكرى لمن سبقوه، كان اللاحق يكتسب عمر السابق ويضيف إليه لمن يجيء بعده».

وكان أحمد هاشم الشريف يرى أن عمر الإبداع وعمر المبدع المصرى من عمر قاهرتنا المعزية، وعمر منف الفرعونية، وعمر الأهرامات،  وعمر معبد الكرنك، وكان يرى نجيب محفوظ نموذجا لهذا الإبداع الذى يتحول إلى رمز حى لكل ما نراه حولنا من نهضة. لقد كان أحمد هاشم الشريف من خلال رسائله فى صفحته بعنوان «رسالة» يؤكد على دور الأديب ويراه اجتماعيًا فى المقام الأول وخصوصًا فى عصر العولمة والفضائيات فيقول: «إن الرسالة الاجتماعية للأديب ودفاعه عن العدالة والحرية والحقوق الاجتماعية هى التى جعلت أديبا مثل دستويفسكى يكتب أروع رواياته عن أحوال المساجين فى سيبريا يندد فيها بالمظالم وقسوة العقاب البدنى والعقاب الجماعى والسُخرة، وبعد نشر الرواية فى روسيا القيصرية سارعت الدولة إلى إصدار قوانين تحرم العقاب داخل السجون وهى الرسالة التى دفعت الأديب الروسى تشيكوف  إلى القيام برحلة شاقة إلى جزيرة «سخالين» ليدرس أحوال الفقراء والمنبوذين لرفع المعاناة عنهم واحترام آدميتهم، وهى الرسالة التى نطالعها فى رواية «كوخ العم توم» دفاعا عن الزنوج فى أمريكا الشمالية، ويرى الشريف أن يوسف إدريس عندما كتب قصصه القصيرة عن القرية المصرية، ورواية «الحرام» عن عمال التراحيل، وكتب عبدالرحمن الشرقاوى رواية «الأرض»، وكتب  محفوظ قصصه ورواياته عن الأحياء الشعبية فى قاهرتنا المعزية كانوا يؤدون هذه الضريبة الواجبة على كل أديب، وينتصرون للعدالة الاجتماعية التى تمهد الأرض للديمقراطية السياسية، وعندما تخلى الأدباء عن سداد هذه الضريبة تخلت عنهم جماهير القراء».

وقد اهتم فى مقالاته أيضا بالخيال والإبداع السياسى عند المواطن العادى فهو يرى أن الاستثمار الإنسانى أداة التقدم فى المجتمعات، والخيال والإبداع مثل زيادة الإنتاج، بل كان يرى أن مجلس الشعب هو مسرح الشعب الذى تدور بين شخوصه ورموزه وباقى أفراد الشعب أعمق المناقشات التى تثير الخيال والإبداع السياسى عند المواطن العادي، وتطرح الأسئلة وتقدم الحلول، وتشكل الوعى الجديد عن طريق الحوار المتواصل، وتجعل المشاركة فى القرار عند دائرة كبيرة من الشعب طريقا للانتماء».

أحمد هاشم الشريف: رسالة: «مجلس الشعب فى رمضان»، صباح الخير، 24 ديسمبر 1998، ص 34.

 

رصيدنا القومى من المعرفة
الثقافة والمعرفة كانتا أهم ما يشغل كاتبنا أحمد هاشم الشريف، ولذا كان يقول: «فى عالم صارت فيه المعرفة هى السلطة الحاكمة، وصار رجال المال والأعمال والمصانع والجيوش من عبيدها الذين يقومون على خدمتها.. أين رصيدنا القومى من المعرفة؟.. ومن الحقائق التى نؤسس عليها وجودنا وعلاقتنا بغيرنا؟ إذا كنا نؤمن بالحوار فلماذا نقدم العنف فى أجهزة إعلامنا؟ وإذا كنا نحترم العقل فلماذا نستسلم لعواطفنا مع كل حادث جلل فنبالغ فى نقد أنفسنا ونقد غيرنا دون محاولة لفهم أنفسنا وفهم غيرنا».

أحمد هاشم الشريف: «رسالة»: حوار مع القوى الثقافية، صباح الخير 21 يناير 1999، ص 11.

 

تجديد حياتنا الأدبية
كانت للشريف رؤى نقدية حول تجديد الحياة الأدبية فكان يرى: «أننا فى أمس الحاجة إلى شاعر ساخر من طبقة عبدالحميد الديب، يكشف ما انطوى عليه أدبنا من غموض وتقعر ومبالغة فى الوصف ونفاق الحكام فالأدب الساخر هو أدب القرن الحادى والعشرين، وهو الذى يكشف لنا قصور رؤية يوسف إدريس لريفنا المصرى فى قصص: «أرخص ليالى»، واللعب بالأفكار المجردة فى مسرحيات توفيق الحكيم كما يكشف لنا خواء شعرنا الحديث  من المضمون».

وهو الرأى الذي يحتاج لمزيد من التعمق والبحث.

«أحمد هاشم الشريف: رسالة: «أدب القرن الحادى والعشرين، صباح الخير 27 مايو 1999، ص 34».

 

التنمية فى ثقافة المجتمع
وكان الشريف يرى أن التنمية تتحقق فى ثقافة المجتمع وتقاليده، ولذا كان يدعو وزارة الأوقاف إلى الاهتمام بتجديد الخطاب الدينى فيقول:

«الوزارة فى حاجة إلى أسلوب جديد فى الدعوة لا يعتمد على الخطب المسجوعة والقوالب المصبوبة التى ورثناها من العصر المملوكى».

ودعا الشريف إلى الاعتراف بدور الفن فى إثراء الوجدان الديني، والثقافة الدينية فيقول: «إن أحمد شوقى فى إبداعه لقصائده الدينية مثل «ولد الهدى» لا يقل فى إبداعه الأدبى عن اجتهاد الشيخ محمد الغزالى فى الفقه الديني، كما لا تقل مكانة أم كلثوم فى خدمة اللغة العربية، وفى إثرائها للوجدان الدينى عن مكانة الدكتورة بنت الشاطئ فى كتابة السير والتراجم لآل البيت».

وقال: «إن أعظم شواهد الحضارة الإسلامية يتجلى فى الفن، فى عمارة المساجد والأضرحة والبيوت والأسبلة»

أحمد هاشم الشريف: «رسالة»، خطباء المساجد وقمة المرأة، صباح الخير 13 مارس 2001 ، ص18.

 

عاشق الثقافة والملامح الحضارية
لقد كان أحمد هاشم الشريف المولود فى أسيوط بصعيد مصر عاشقا للثقافة المصرية، حافظا لتراثها الحضارى والفنى من أشهر عمائر وسط البلد فى القاهرة إلى أقصى مكان فى صعيد مصر، فكان يقول داعيا إلى الحفاظ على الأماكن الأثرية فى القاهرة على صورتها القديمة كما أبقت روما توأم القاهرة فى العراقة على آثارها منذ عصر الرومان وحتى العصر الحديث دون تغيير أو تبديل، وكما أبقت باريس على الأماكن التى ارتادها أدباؤها العظام لأنها قلب التاريخ النابض بالحياة، وحتى اليوم يشير لك الفرنسى باعتزاز إلى مقعد المقهى الذى جلس عليه جان بول سارتر، والمائدة التى كتبت عليها سيمون دى بوفوار الصفحات الأولى من إحدى رواياتها، ويشير عاشق الثقافة إلى أهمية العناية بالأمكنة الأثرية والتاريخية فى القاهرة فيقول: «الزائر لقلعة صلاح الدين ومدرسة السلطان حسن فى مرتفع القلعة سوف ينتهى به المطاف بعد شارع محمد على وميدان العتبة إلى المكان الذى جلس فيه الأفغانى وسعد زغلول ومحمد عبده، ونجيب محفوظ».

وكما كان كاتبنا عاشقا للملامح الأثرية والحضارية فى القاهرة كان يحب الكتابة عن الصعيد تماما كما كان يكتب - بعد عودته من رحلاته - عن مغانى باريس وحدائقها، وشوارعها، وعلى صفحات «صباح الخير» كنا نذهب مع سطوره التى كان يبدأها من أعلى الساكركير إلى المولان روج، والمونمارتر حتى يبلغ النوتردام التى ارتبطت برواية فيكتور هوجو، ومع سطوره أيضا كنا نسافر إلى الصعيد وهو يصف سوهاج فيقول:

«سلام على مكتبة البلدية حافظة تراث الطهطاوى وعلى مدرسة الملك فؤاد الثانوية أعظم مدرسة ثانوية، وعلى جامع العارف، ومدرسة الراهبات والمعهد الأزهري.. منائر العلم فى قلب الصعيد وعلى معدية جبرا التى كانت تربط أهل سوهاج بأهل أخميم قبل أن يقام الكوبرى الذى افتتحه نجيب الهلالى باشا، وسلام على أبناء سوهاج الذين عاشوا مغتربين يطلبون العلم فى صحن الأزهر، يجوبون شوارع المدن الكبرى وهم ينادون على بضاعتهم التى يحملونها فوق أكتافهم كما يحملون قصعة المونة فوق سقالات البناء وهم ينشدون أغانى الحنين إلى الأهل، وسلام على حبات العرق التى سالت من جباههم، وهم يحفرون الترع، ويعبدون الطرق، وينشرون العمران فى مدن مصر، وباقى البلاد العربية وسلام على بنات أخميم الجالسات أمام النول يصنعن المنسوجات، وعلى رفاعة الطهطاوى الذى سافر إلى باريس واعظا لأول بعثة علمية فترجم مع تلاميذه أكثر من ألفى كتاب، وأنشأ مدرسة الألسن، وسلام على أوزوريس الذى عَلَّم المصريين الزراعة، واختار مثواه فى العرابة بين برديس والبلينا ليقصده الحجيج فى كل عام، ويذكرهم بالثواب والعقاب وسلطان الضمير، وهو ينتظرهم فى قاعة المحاكمة عند البوابة السادسة من العالم الآخر وأمامه الميزان».

.. سلام على أحمد هاشم الشريف الأديب والروائى، جبرتى الثقافة المصرية.





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

مصر والسبع الكبار

كرة اليد

انجازات في المحافظات

العدالة الاجتماعية

Rosa TV

القدس عربية

الشائعات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

تطوير مصر

اعلان مراتب سوفت