بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

19 اكتوبر 2018 - 21 : 19   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك العربي الافريقي الدولي

الغارمات والعوز الأخلاقي والنواب

4 اغسطس 2018



أيمن عبد المجيد
بقلم : أيمن عبد المجيد

يُقال "أعوز أهل الحي"، أي أفقرهم، العَوَزُ، الحاجة واختلال الحال، بحسب المعجم الجامع، وما اصطلح عليه الناس.

في مصر، كما غالبية دول العالم فقراء، وأثرياء، وبينهما ميسورو الحال، والفقراء اقتصاديًا، يعانون من العوز المالي، وهو مؤلم، فالفقر يشعر صاحبه بحرمان دائم، كلما كانت لديه رغبة في الحصول على أبسط مقومات حياته، غير أنه يعجز عن الحصول عليها لضيق ذات اليد.

من بين هؤلاء الفقراء البسطاء، من يضطر للاستدانة وتحرير إيصالات أمانة لمن يمنحه السلعة الضرورية لحياته، لكن عندما يعجز عن السداد، يضطر الدائن إلى اللجوء للقضاء، فتكون النتيجة، سجناء يعرفون بالغارمين والغارمات.

فخلف القضبان، هناك من استدانت لشراء مستلزمات تجهيز ابنتها للزواج، وهناك من استدان لشراء جهاز وبيعه لتوفير سيولة للإيفاء بمتطلبات أسرته الفقيرة، هؤلاء من يعانون عوزًا اقتصاديًا.

كانت مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسي، شديدة الإنسانية والشعور بالمواطن البسيط، عندما أطلق مبادرة الإفراج عن الغارمين والغارمات، بسداد الدين عنهم والإفراج عن نحو 900 منهم، قبل عيد الفطر الماضي.

لكن في الرحلة من الاستدانة إلى السجن، هناك آلاف الحكايات عن "العوز الأخلاقي"، وهو المصطلح الذي ذكره الرئيس عبدالفتاح السيسي، تحت قبة جامعة القاهرة، خلال فعاليات مؤتمر الشباب السادس.

نعم هناك آلاف الوقائع الكاشفة لما نعانيه من فقر أخلاقي، واختلال في منظومة القيم والضمير، من بين تلك الوقائع قصة السيدة "ف. س"، مصرية بسيطة من قرية بمحافظة الشرقية.

اتصلت بي السيدة هاتفيًا، تطلب المساعدة، كانت تبكي، انفطر قلبها على ولدها الذي لا يتجاوز عمره الثلاثين عامًا، تترجى من يساعدها لإطلاق سراحه فهو خلف القضبان، لا لجريمة ارتكبها، بل لأنه سعى لتجهيز ابنة أخيه، يعني شراء مستلزمات زفافها من أجهزة، "البوتاجاز والثلاجة" وغيرهما من متطلبات المطبخ.

ولأنه لا يمتلك المال الكافي لذلك، قام بتحرير إيصالات أمانة، ضمانًا لالتزامه بسداد الأقساط، وعندما تعثر، حرر الدائن دعوى قضائية، فصدر ضده حكم.

حتى هذه اللحظة يبدو الأمر طبيعيًا، فمن حق التاجر أن يبحث عن ماله وإلا سيفلس.

تقول السيدة، التي تجاوزت الستين من عمرها، "قبضوا على ابني، فقامت زوجته ببيع ميراثها، وساعدنا ولاد الحلال، وذهبنا للتاجر نعطيه 30 ألف جنيه المتبقية له، أخذها ولم يسلمنا الشيكات، لأنه كان قد أعطاها للمحامين، ذهبنا للمحامي الأول طلب أتعابًا 40 ألف جنيه، أعطيناه 20 ألفًا ولم يخرج ابني، كان مصممًا على 40 ألفًا.

والمصيبة الإيصالات موزعة، فقد منح إيصالًا آخر لمحامٍ آخر، أخذ 10 آلاف، ولم يعجبه المبلغ، والتاجر قال اتصرفوا مع المحامين، لم يبق معنا شيء من المال وابني مريض".

طلبت من السيدة هاتف ذلك المحامي، الذي يطلب 40 ألفًا، تحدثت هاتفيًا معه، وقلت له إنني صحفي وصلتني شكوى من السيدة "ف.س"، سألته لماذا لم تُجر التصالح طالما حصل موكلك على حقه، وأنت أخذت أتعابك، قال: لم أحصل على كل أتعابي، قلت له حصلت على 20 ألفًا كافية، الدين كله 30 ألفًا، سألني أنت من الضرائب ولا إيه؟!

قلت له صحفي، وبحدثك بشكل ودي، فلم يصدق، وتساءل: أنت بتسجل المكالمة ولا إيه؟! قلت له: لا أسجل بدون إذن الطرف الثاني أو النيابة، أنا بحترم القانون.

قال: "أنا حر أحدد أتعابي كما أشاء، وهم دفعوا فلوس كتير لمحامين آخرين، واشتكوني لطوب الأرض".

قلت له: "كيف تجبرون "ناس" بسيطة فقيرة، غارمين، على دفع ضعف مبلغ الدين لكم؟ كانت إجابته أنا حر في أتعابي!".

هنا نموذج صارخ للفقر الأخلاقي، والعوز المهني، لا ضمير مهنيًا، ولا أخلاقيًا، هنا سقط الفقراء ماليًا، في شباك الفقراء أخلاقيًا.

أعلم أن في كل مهنة القاعدة شرفاء مخلصون لمهنتهم ومواثيق شرفها، وهناك شواذ عن القاعدة، فالغالبية العظمى من المحامين شرفاء، لكن دور الدولة أن تتدخل لضبط الأداء وردع المتجاوزين، فلا تترك الأمور لتقدير مثل هذا النموذج.

قد يرى البعض أن من حق المحامي تحديد أتعابه، نعم إذا كنت أنت من وكلته وذهبت إليه تطلب أن يتولى قضيتك، لكن من وكله هو التاجر، منحه إيصالات الأمانة، ليفترس بها ضحاياه من الغارمين والغارمات.

وحتى نغلق تلك الثغرات على فقراء الضمير، اقترح أن يتم صياغة قانون لحماية الغارمين والغارمات يشتمل على الآتي:

1 – يتم تأسيس صندوق لسداد ديون الغارمين والغارمات، يُمول بوسائل عدة بينها، ضريبة قيمتها 5% تضاف  على قيمة الإعلانات الاستهلاكية، التي تغرق الفضائيات والصحف، فهي تُشعر الفقراء بالحرمان وتدفعهم لاقتناء تلك السلع، التي يعجزون عن سداد قيمتها.

2 – يحدد القانون أتعاب المحاماة في قضايا الغارمين والغارمات بـ 10% بحد أقصى من قيمة الدين محل التقاضي، حتى لا يُجبر الغارم على سداد ضعف الدين لمحامٍ أقام الدعوى مقابل امتلاكه إيصال الأمانة لمساومة أسرة الغارم.

3 – هناك من يشتري السلع بالتقسيط  لـ"حرقها"، أي بيعها بثمن أقل للحصول على مال لشرب المخدرات، أو غير ذلك من الطرق المنحرفة، ومن ثم يجب أن يشتمل القانون على تشكيل لجان بحث لحالات كل غارم، ليتحمل الصندوق سداد دين الفقير، الذي هو في حاجة حقيقية، وأن يضمن عدم تكرار الفعل لأكثر من مرة دون ضرورة ملحة.

4 – يكون من مهام الصندوق تدريب الغارمين والغارمات على مهن وحرف، وإنشاء المشروعات لهم، لضمان توفير دخل ثابت لهم يكفيهم شر العوز المالي، وشر من يعانون من عوز أخلاقي.

5 – أن ينص القانون على تخصيص نسبة محددة من ميزانيات الجمعيات الأهلية، لصالح سداد ديون وتأهيل الغارمين الحقيقيين.

للأسف الشديد، المنظومة الأخلاقية بها خلل، والضمير بات مريضًا، يحتاج إصلاحًا حقيقيًا وعلاجًا، وهذا يتطلب تكاتفًا من مؤسسات الدولة والمجتمع ككل، يتطلب إصلاحات للمنظومة التعليمية، والدعوية، والإعلامية، والتشريعية، وفلسفة عمل منظمات المجتمع المدني.

فلنبدأ.. لتحيا مصر وشعبها العظيم. 

[email protected]





التعليقات



اخر مقالات للكاتب


6 اكتوبر

السيسي و بوتن

نصر 6 أكتوبر

100 مليون صحة

انجازات في المحافظات

القدس عربية

Rosa TV

بنك قناة السويس
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

King M

مركز الاورام جامعة المنصورة

السيسى فى الأمم المتحدة

إعلان توتال

إعلان سيارة BMW

إعلان توتال طولي