بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

21 اكتوبر 2019 - 14 : 2   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

فن اللامبالاة !

8 اكتوبر 2018



د. عزة بدر
بقلم : د. عزة بدر

لا تتعجل وتحكم على الكتاب من عنوانه , فمارك مانسون مؤلف كتاب " فن اللامبالاة " لايدعوك إلى عدم الاهتمام بمشاكلك أو مايصيبك من أرق , وقلق على حاضرك أو مستقبلك لكنه يقترح طرقا جديدة فى النظر إلى الألم , والمشاكل , ويرى أن معايشة الحالات السلبية من شأنها أن تمنحك السعادة ! .

فيقول : لا تأمل فى حياة من غير مشاكل , لا وجود لشىء من هذا القبيل , عليك بدلا من ذلك أن ترجو لنفسك حياة فيها مشاكل من النوع الجيد ! .

ربما يكون هذا غريبا أو مدهشا لكنها فى الحقيقة دعوة لعيش حياة تخالف المألوف فهو يرحب بالألم فى

حياة الفرد على أساس أنه مصدر لمعرفة الذات واكتشافها بل يرى أن المرور بحالة من الإحباط أو الشعور

بالحزن أو اليأس كلها مشاعر قد تخط بداية جديدة فى حياة الإنسان قد تكون رائعة ., الكتاب ترجمه إلى العربية الحارث النبهان , وقد صدرت الطبعة الأولى منه هذا العام 2018 عن منشورات الرمل – طبعة دار التنوير 

ويرى مانسون أن الانتشار الواسع لتكنولوجيا الاتصالات , وتنمية أقصى النزعات الاستهلاكية يدمر نظرة كثير من الناس إلى أنفسهم , وهذا الإغراق بكل ماهو استثنائى يجعل الناس يشعرون بالسوء تجاه أنفسهم , ويجعلهم يحسون حاجة شديدة إلى أن يكونوا أكثر تميزا , وأكثر تأكيدا لذواتهم حتى يصيروا أشخاصا بارزين , ويتفاقم الإحساس بقلة الأمان من خلال زيادة الاحتكاك بالمعايير غير الواقعية التى نعجز عن مسايرتها فقد يشعر البعض أنهم معرضون لمشكلات غير قابلة للحل بل يرون أنفسهم فاشلين أيضا لأن نتائج حدث بسيط على غوغل تجعلنا نرى آلاف الأشخاص الذين ليست لديهم مشكلات ! .

فيقدم الانترنت إحساسا مفتوح المصادر بقلة الأمان والشك فى الذات , ويرى الكاتب أيضا أن هاجس أن يصبح المرء استثنائيا أو مدهشا قد يولد الضغط النفسى والقلق الناجمين عن الشعور بعدم الجدارة وبالحاجة الدائمة لإثبات الذات .

اختر مشاكلك !

فى عالم مساعدة الذات يرى مارك أن السعادة تأتى من حل المشكلات لا فى عدم وجود مشاكل فى حياتك فالسعادة إذن شكل من أشكال الفعل , و أشكال الإنكار وإلقاء اللائمة على الآخرين تمنح مخرجا سهلا سريعا للهروب من المشكلات , وكلما طال تفادى مواجهتها كلما صارت أكثر إيلاما بل تضطر أصحابها لمواجهتها فى وقت ما .

إن المشاعر والانفعالات السلبية ليست إلا نداء إلى الفعل , وعندما تأتيك هذه الانفعالات فمعنى هذا أن عليك أن تفعل شيئا .

ومن ناحية أخرى فإن المشاعر والانفعالات الإيجابية تأتيك كنوع من المكافأة لأنك فعلت الشىء الملائم , وعندما تعيش هذه المشاعر تبدو الحياة لك بسيطة , ويبدو لك أنه ليس مطلوبا منك غير الاستمتاع بها .

وعلى غرار كل شىء فى الحياة تزول تلك المشاعر الايجابية لأن مشاكل أخرى تظهر من جديد فتحل محل القديمة , وهذا أمر لايمكن تجنبه .

الشك فى المشاعر

ويرى الكاتب أن المشاعر والانفعالات ليست أكثر من إشارات على الطريق أو مقترحات يقدمها إلينا جهازنا العصبى , وليست حقائق ولا أوامر , ومن هنا لا يجوز الثقة بالمشاعر على طول الخط بل لابد من تطوير عادة الشك فيها فالاتكال المفرط عليها يقود إلى الفشل لأنها لا تدوم على حال أبدا فمهما يكن ما يجعلنا سعداء اليوم فسوف يكف عن جعلنا سعداء غدا

وينتهى الأمر بنوع من الإحساس المخيف بأننا عدنا إلى حيث بدأنا , لم نكتف بعد , ويشير علماء النفس إلى هذه الفكرة أحيانا باسم " حلقة المتعة المفرغة " فكل ما يمنحنا إحساسا طيبا سيجعلنا لا محالة نعيش إحساسا سيئا أيضا لذا فهو يفجر سؤالا مدهشا

فيقول : " إن السؤال الذى لا ينتبه إليه أكثر الناس هو ما الألم الذى تريده فى حياتك ؟ , وما الذى تظن أنك مستعد للكفاح من أجله ؟ .

السعادة تتطلب نضالا من أجلها , إنها ثمرة مصارعة المشكلات , لا تنبت البهجة من الأرض مثلما تنبت الورود والأزهار

لابد من كسب الإحساس الحقيقى الجدى بامتلاء الحياة ومعناها من خلال اختياراتنا , ومن خلال طريقة إدارة الصراعات التى نخوضها , وبمعنى آخر قبول تلك التجربة السلبية , والتعامل معها تعاملا إيجابيا نشطا , وليس محاولة البحث عن خلاص منها , ومن هنا يفجر الكاتب دهشتنا عندما يقول : " إن ما يقرر نجاحك ليس ماتريد أن تستمتع به بل إن السؤال الصحيح هو

ما الألم الذى أنت راغب فى تحمله أو قادر على تحمله ؟ , إن الطريق إلى السعادة درب مفروشة بالأشواك والخيبات , لايمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها , لا يمكن أن تحظى بحياة لا ألم فيها , لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت . , السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو سؤال الألم , فماهو الألم الذى أنت راغب فى عيشه ؟ , إنه السؤال الذى يمكنه تغيير نظرتك وتغيير حياتك , مشاكلنا تلد سعادتنا , وإلى جانبها تلد أيضا مشكلات أفضل قليلا .

لا تفكر كضحية

إن تفسير كل شىء فى الحياة على نحو يجعلك ضحية لما يحدث حولك يتطلب قدرا من الأنانية , وقدرا من التخيل الواهم  لشأن الذات حتى يبقى المرء ثابتا على اعتقاده بأن ما يعانيه من مشكلات غير قابل للحل , لكن الحقيقة ان كانت لديك مشكلة فهنالك فرصة لأن يكون ملايين الناس قد عانوا من تلك المشكلة فى الماضى أو يعانون منها الآن أو سوف يعانون منها فى المستقبل , ومن المحتمل أيضا أن يكون من بين هؤلاء الناس أيضا أشخاصا تعرفهم , لا يعنى هذا التقليل من المشكلة , ولا يعنى أيضا أن لا تكون ضحية حقيقية فى بعض الظروف , المهم هو الخطوة الأولى فى اتجاه حل المشكلات .

قيم لا قيمة لها !

ويرصد الكاتب ما يجرى تسويقه لنا على امتداد أربع وعشرين ساعة , وسبعة أيام فى الأسبوع من خلال وسائل الإعلام ومنها قيم لا قيمة لها فيقول : المتعة شىء عظيم لكنها قيمة شديدة السوء إذا وضعت أولويات حياتك وفقا لها , والدراسات تبين أن الناس الذين يركزون طاقتهم على المتع السطحية ينتهى بهم الأمر إلى أن يصيروا أكثر قلقا وأقل استقرارا من الناحية الانفعالية وأكثر اكتئابا أيضا , المتعة أكثر أشكال الرضا سطحية , ولعل هذا سبب كونها الأسهل تحققا والأسرع زوالا .

حتى النجاح المادى لايراه الكاتب مقياسا لتحقيق السعادة فقد أثبتت الدراسات أن الارتباط بين السعادة والنجاح المادى يقترب سريعا من الصفر فقد تفقد سعادتك الخاصة وأنت تعمل كل يوم عملا إضافيا حتى فى أيام العطلة , فلا تقضى أى وقت مع زوجتك أو أطفالك , وقد تضحى بوقت رياضتك من أجل هذا الكسب الإضافى فلا تبالغ فى البحث عن النجاح المادى , ومارس السعى نحوه باعتدال بحيث لا يؤثر على حياتك .

الحياة كما هى !

ويرى الكاتب أن الانفعالات السلبية مكون ضرورى من مكونات الصحة الانفعالية , وإنكار هذا الجانب السلبى يطيل أمد المشكلات بدلا من أن يحلها , المهم هو تقبل الحياة كما هى فلا يمكنك البقاء فى الجانب المشمس من الحياة طول الوقت لأنه لابد أن تحدث أمور مزعجة بشكل ما , لكنك يمكنك التعبيرعن انزعاجك بصيغة صحية مقبولة اجتماعيا , وبطريقة منسجمة مع قيمك مثل تجنبك للعنف فى التعبير عن الغضب .

صحيح أن الحرص على الايجابية قيمة جيدة لكنها أيضا لابد أن لا تحجب عنك مشكلاتك فإنكارها يسلب فرصة حل هذه المشاكل وتوليد السعادة فى حياتنا .

سنوات المشقة أجمل سنواتك !

يقول فرويد : " عندما تستعيد ذكرياتك فى يوم من الأيام يفاجئك أن سنوات المشقة كانت أجمل سنواتك " بل إن بعضا من أعظم اللحظات فى حياة المرء لحظات غير ممتعة , وغير ناجحة , وغير معروفة لأحد , وغير ايجابية أيضا , وهذا ببساطة لأنه يسعى إلى تغييرها والتعامل معها , فيصبح أكثر سعادة عندما يحل مشكلاته .

ويؤكد مارك فى كتابه على أن القيم السيئة أو المعايير السيئة التى قد نضعها لأنفسنا أو للآخرين تجعلنا نهتم بأشياء لا أهمية لها , أى أشياء تجعل حياتنا أسوأ فى واقع الأمر , أما عندما نختار قيما أفضل فإننا نكون قادرين على توجيه اهتمامنا إلى أشياء أفضل لها أهمية تحسن حالتنا , وتخلق لنا السعادة والمسرة والنجاح , وهذا هو المعنى الحقيقى لتطوير الذات .

اختيارك والمخاطر التى تتحملها

قرارك واختياراتك تحدد المخاطر التى تقرر أن تتحملها , والعواقب التى تختار أن تقبلها , ولابد أن يكون المرء مسئولا عن المضى قدما رغم المشكلات , واتخاذ أفضل الخيارات الممكنة ضمن الظروف القائمة .

من المؤكد أن بعض الناس تقع على كاهلهم مشكلات أسوأ من التى يواجهها غيرهم , وهنالك أشخاص صاروا ضحايا بكل معنى الكلمة , لكن هذا امر لايخيف كما يقول الكاتب لأنه لا يغير شيئا فى معادلة مسئولية كل منا عن وضعه .

من خطأ إلى خطأ إلى صواب !

النمو عملية ترابطية متكررة لا نهاية لها  ويفسرها الكاتب بقوله " إننا ننتقل من خطأ إلى خطأ لكنه خطأ أقل بمقدار طفيف ووهكذا فنحن فى عملية اقتراب دائمة من الحقيقة ومن الكمال من غير أن نصل أبدا إلى تلك الحقيقة أو إلى ذلك الكمال .

من الأهمية بمكان أن ننظر إلى تجاربنا السلبية والايجابية بعين ثاقبة فقد ينتهى بعض أصعب وأشد لحظات حياتنا بأن يكون أكثرها تحفيزا وصوغا لنا , بل إن أكثر اللحظات إشباعا فى حياتنا هى أيضا لحظات تشتت انتباهنا وتنزع الحافز منا , لاتثق بفكرتك عن التجارب الإيجابية أو السلبية , كل ما نحن متأكدون من معرفته حقا هو ما يؤلمنا فى اللحظة الراهنة وما لايؤلمنا

بل انك عندما تختار قيمة جديدة فإنك تختار إدخال نوع جديد من الألم فى حياتك , وهنالك الكثيرون الذين يتخلون عن كل شىء ويحاولون الهروب عندما يشعرون بشكل من أشكال الألم أو الغضب أو الحزن , ويكون هدفهم أن يعودوا إلى حالتهم الجيدة من جديد وبأسرع ما يمكن حتى لو قاموا بخداع أنفسهم , ولذا فمن المهم تعلم تحمل الألم الذى تختاره , وأن تقرر ما قررت فعله على الرغم من وجود الألم .

ويختتم مارك مانسون كتابه بقوله : " الحياة هى ألا تعرف , ثم أن تفعل شيئا على الرغم من ذلك " , لذا فأنت عظيم بالفعل لأنك قادر فى مواجهة ما لانهاية له من التشوش والقلق وغيره من مشاعر قاسية لأنك تواصل اختيار ما توليه اهتمامك , هذه الحقيقة وحدها , هذا التفضيل البسيط لقيمك أنت فى الحياة هو ما يجعلك جميلا , وناجحا , ومحبوبا , وكلما حدقت فى الظلمة أكثر كلما صارت الظلمة أكثر ضياء , وكلما صار العالم أكثر هدوءا من ذى قبل .

ألم أقل لك عزيزى القارىء لاتحكم على الكتاب من عنوانه , ففى الداخل قد تقع على معانى ثرية , وأفكار مهمة , تجعل من فن اللامبالاة معنى آخر غير المعنى الذى قد يتبادر إلى الذهن , بل يعنى البحث عن قيم ذات معنى للحياة يتبلورفى فكرة المقاومة والاستمرار واحتمال الألم و والمضى قدما نحو حياة أفضل , وغد اكثر إشراقا .

 





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

الشهادات الثلاثية

كرة اليد

القدس عربية
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

اعلان آي سكور

بنك قناة السويس

اعلان البركة