بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

22 مايو 2019 - 13 : 3   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

المشروع المصرى

6 فبراير 2019



طارق رضوان
بقلم : طارق رضوان

2 – التكوين الاجتماعى

 

لأنه كبير ضخم وقديم ومستمر، كان مهدًا ومعلمًا ومرشدًا للإنسان. عرفت البشرية الدولة بمفهومها وصفاتها وسماتها وقواعدها من نقطة انطلاقها، من مصر. منذ قديم الأزل تميزت الأمة المصرية بقوة مجتمعها وتماسكه وترابطه واندماجه فى تكوين اجتماعى قوى استطاعت الدولة من خلاله إقامة حضارات ونشرها، وعند الأزمة فى وقت التدهور استطاعت مقاومة الغزو الحضاري وابتلاعه وانصهاره فى تكوينها الاجتماعى، وهى خصال انفردت بها وحدها ليكون هناك تكوين فريد من نوعه.. مرن فى تنوعه.. صلب فى المواجهة وسلس فى فرد مظلته على العالم.

قديمة هى الحياة الاجتماعية على ضفاف النيل، وهى موغلة فى القدم إلى تلك الفترة التى شهدت تحولات الحيوانى إلى الإنسانى واندماج الأسرة فى العشيرة والقبيلة واستقرارهما فى جماعات قروية وسيادة الاقتصاد الزراعى على نشاطات الصيد والرعى والتجوال وظهور أقدم وحدات إدارية كبرى جسدت أقدم الأشكال المعروفة لظاهرة الدولة التى ترجع آثارها إلى 3200 ق. م. يكشف التاريخ عن ملامح واضحة لتكوين الدولة المصرية تبعًا لوظيفة أدوارها من ثلاثة أقسام كبرى هى «الجهاز العسكرى المتخصص فى شئون الدفاع، والجهاز الإدارى المتخصص فى شئون التوظيف والتدريب وأعمال الضرائب والمالية والاحتفالات الدينية وتطبيق العدالة،

وأخيرًا الأشغال العامة للإشراف على البنية الأساسية للإنتاج وإدارة صناعات الدولة وتنظيم التجارة داخليًا وخارجيًا»، ويقف فوق هذه الآلة الضخمة المتخصصة حاكم يقبض على مركز السلطة بواسطة قوة دفعه للسلطة، وهو الحاكم القوى، وبقوة الحاكم تتشكل قوة الدولة، من تلك السمات القوية لمفهوم الدولة خلق تكوين اجتماعى محدد العناصر الأساسية من حيث وجود أساليب معينة لإنتاج الحياة المادية والروحية وفق قوانين منتظمة تتحكم بهذا الإنتاج واستمراريته ومن حيث انتظام الناس فى جماعات طبقية متمايزة ومتفاوتة القدر فى الثروة والسلطة وتشكل نظاما للحركة الاجتماعية من خلال ما يجرى بينها من صراعات ومن حيث توصل المجتمع إلى بناء التنظيم السياسى الذى يتجاوز القرية إلى المدينة إلى الإقليم المستقل إلى الدولة ذات الحاكم والشعار والإله الموحد واحتكار السلطة فى المجتمع من خلال جهاز لتشريع الحكم وتطبيقه من خلال الحياة الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية..

مصر منذ فجر التاريخ أمام تكوين اجتماعى محدد المعالم ينطوى رغم فترات الانقطاع القصيرة على تقسيم معين للعمل الاجتماعى وعلى درجة محددة لتطور القوى الإنتاجية وعلى مستويات بناء اقتصادى وسياسى وأيديولوجى مميز، وعلى منظومة واضحة لتشكيل هذه المستويات، وفى هذه المنظومة استطاع هذا المجتمع بناء حضارة شهدت كثيرًا من عصور الاستمرارية والازدهار، وحفظت لهذا المجتمع قدرًا من البقاء رغم فترات التدهور والانقطاع حتى مشارف القرن التاسع عشر الذى شهد تغييرات نوعية فى معالم هذا التكوين وفى منظومة مستويات البناء على نحو يضعنا أمام تكوين اجتماعى مختلف عن التكوين السابق على هذه الفترة الذى عرفه المجتمع المصرى طوال عصوره السابقة، فمنذ ذلك التاريخ وهو بداية القرن التاسع عشر حتى الآن أى التاريخ المصرى الحديث، ظهرت ثلاثة تكوينات للمجتمع المصرى، متجددة ومتصلة بعضها ببعض لكنها مختلفة فى السمات السياسية والأيديولوجية، كان مشروع «محمد علي» فى بناء دولة عصرية فى مصر والشام، وهى دولة استطاع محمد علي أن ينشئها من العدم بعد عصور من التدهور والاضمحلال طالت مع الغزو العثماني توقف فيها تطور التكوين الاجتماعى، وضُرب مشروع «محمد علي» القوى بواسطة تحالف القوى الأوروبية الكبرى المعارضة لقيام دولة مصرية قادرة تحكم فى مصر والشام وتجدد شبابها بشكل دائم فى تلك الفترة، وهكذا جرى تحطيم أسطول «محمد علي» وتمزيق جيشه بقوة السلاح، مما اضطره إلى توقيع معاهدة لندن 1840.

المشروع الثانى كان المشروع التنويرى فى عصر«الخديو إسماعيل» وهو المشروع الذى أراده إسماعيل مشروعًا مصريًا أوروبيًا حديثًا سخر فيه كل مخصصات الدولة ومقوماتها لتطوير المجتمع بشكل عصرى إلى أن انتهى هذا المشروع بالغزو البريطانى سنة 1882. المشروع الثالث هو التجربة شبه الليبرالية التى أعقبت ثورة سنة 1919 وكانت تلك  التجربة جديرة بنقل مصر إلى عصر التقدم الحضارى الذى صاحب إمبراطوريات بدأت فى الظهور حيث كانت الإمبراطورية السوفيتية فى مرحلة التكوين بعد الثورة البلشفية وخروج الإمبراطور الأمريكى من عزلته، لكن تلك التجربة ضربت بكتيبة دبابات بريطانية أحاطت بقصر عابدين وأرغمت ملك مصر يوم 4 فبراير 1942 على تكليف رئيس وزراء معين ومحدد وهو مصطفى باشا النحاس بتشكيل الوزارة، ثم جاءت الضربة القاضية لهذه التجربة شبه الليبرالية عندما أقيمت دولة إسرائيل،

وأصبح التهديد الخارجى خطرًا مستوطنًا ومقيمًا وسط العالم العربى، وهو محيط مصر الجغرافى، فهى موقع تأثير حضارى واجتماعى فى محيط عربى أفريقى آسيوى إسلامى وهو محيط حيوى للنظام الرأسمالى العالمى مما يجعلها هدفًا مستمرًا للمراقبة من كتائب حراسة هذا النظام. ومصر من حيث التركيب السكانى والثقافى هى سوق مهمة لاحتياطى العمل المتخصص والمهنى فى التوابع الرأسمالية فى المنطقة، وسوق مهمة لاستهلاك السلع والخدمات التى ينتجها النظام فى مراكزه المختلفة، منذ تلك الفترة أصبحت الدولة المصرية هدفًا لنزاعات إقليمية ودولية انكمش فيها المجتمع ليحافظ على بقائه ويتمسك بصفاته وسماته الاجتماعية بفعل اجتماعى قوى، والفعل الاجتماعى هو دائمًا فعل سياسى مضمونه ممارسة القوة التى لطرف ما للتأثير فى إرادة طرف آخر، لكن تأمين نجاح هذا المضمون فى كثير من الحالات يحتم على ممارسة القوة أن تنزاح عن المستوى السياسى إلى مستويات أخرى للبنية الاجتماعية اقتصادية كانت أو تربوية أو فكرية أو غيرها،

فالنظم تنشأ وتظهر وتنمو نتيجة عوامل طبيعية فى مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والمال والقوة العسكرية والمؤسسات الدستورية والسياسية والبنى الفكرية والثقافية وأنماط الحياة وأساليبها ولا تقوم الأنظمة بإعلان أو بحدث أو باحتفال وإنما الذى يقوم بإعلان أو بحدث أو احتفال هو الترتيبات الداخلية لأوضاع هذه النظم وعلاقات مركزها الرئيسى ببقية الفروع الأخرى، لكن المجتمع ظل قويًا وعفيًا وزاد من قوته خلق طبقة اجتماعية حديثة ظهرت مع نمو الطبقات الوسطى التى لاقت رعاية وتدليلًا غير مسبوق فى عصر جمال عبد الناصر استمرت بخصالها رغم التغيير السياسى العنيف الذى تم للتخلص من شوائب الاستعمار القديم والاستغلال الطبقى والاقتصادى والسياسى إلى أن ظهر شبح جماعة الإخوان الإرهابية مع بداية السبعينيات التى زرعت نبتًا شاذًا لاقى رعاية استثنائية بتمويلات خليجية وهو ما يسمى بالمد الوهابى غير كثيرًا من المفاهيم الشكلية فقط على المجتمع، لكنها انتشرت لفترات واستمرت حتى ثورة يونيو 2013 المجيدة، وهى الثورة التى قادها الرئيس عبدالفتاح السيسى لتعيد إلى مصر مكونها الاجتماعى المعتاد الذى تكونت عليه منذ عهدها الحديث، وهى الثورة التى ظهر فيها المخزون الصاجتماعى المتراكم للأمة المصرية واضحًا فى تنوع الطبقات الاجتماعية التى ظهرت لأول مرة منذ ثورة 1919 والتى استشعرت الخطر والتهديد فى مكونها الاجتماعى وتهديد استقرارها، فكانت ثورة يونيو هى بحق امتدادًا لثورة 19 حفاظًا على المكون المصرى الاجتماعى، عظيمة تلك البلد.

 





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

افطارا شهيا

دنيا ودين

Rosa TV

انزل شارك

امم افريقيا 2019

الشعب يجني ثمار الإصلاح

اعلان.. البنك المصري لتنمية الصادرات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

اعلان مراتب سوفت

شركة المستقبل

شركة تطوير

الصحفييين