بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

16 سبتمبر 2019 - 50 : 18   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مَرْثِيَةُ أُمٍ عَظِيمَة لن تَمُوت

20 فبراير 2019



د. شريف درويش اللبان
بقلم : د. شريف درويش اللبان

صبيحةُ الأحد الماضي، وضعتُ طعامَ الإفطار لأمي وأيقظتُها لأطمئنَ على تناولها الإفطار والدواء كما هو الحال كلَ يوم، إلا أن ذلك الصباح لم يكن ككلِ صباح، حيث لم تتناول أمي سوى لُقَيْمَات، ولم تُرد أن تتناول أدويتها المعتادة، وتمددت على سريرها ووضعت الأغطية عليها، وهو ما لاحظه ابني أحمد الذي كان يريدُ أن يُسلم عليها قبل سفره إلى مدينة "العلمين الجديدة" حيث يعملُ هناك منذ شهور، وعندما ذكر لي ذلك ذهبتُ إلى أمي وسألتُها لماذا لم تتناولي دواءَك؟ فقالت لي: لم يعد له لزوم.. خلاص.. مش عايزة! فتوجستُ خِيفَة لأن ذلك ما فعله أبي رحمة الله عليه في صبيحة ذلك اليوم الموافق الثالث من يوليو من العام 1997، عندما ربط "شنطة" العلاج الكبيرة البلاستيكية التي تكتظُ بأنواع الأدوية المختلفة، وألقى بها فوق "دولاب" غرفة النوم، لأنه لم يعد له لزوم على حدِ قولِه، وخرجَ إلى الشارع، ثم عادَ ليتناولَ طعامَ الإفطار لتفيضَ بعدها روحه إلى بارئها مع قرآنِ صلاةِ جُمْعَةِ ذلك اليوم.

وعندما أكملتُ ملابسي لكي أنزلَ إلى الجامعة، ذهبتُ تارةً أخرى إلى أمي، فوجدتها قد قامت من السرير دون مساعدة مني أو من زوجتي، وذهبت إلى الحمام، فناديتُها وقلتُ لها أنا نازل يا أمي مش عايزة أي حاجة، فقالت لي عايزة سلامتك يا ابني، فنزلتُ من المنزل وأنا أشعرُ ببعض القلق، رغم أنها استيقظت وتتحركُ وتتحدثُ بشكلٍ طبيعي، إلا أن عدمَ تناولها لأدويتها أقلقني، فتركتُ لها الطعام والأدوية علها تُكمل إفطارَها، وتتناولُ أدويتَها كالمعتاد.

وذهبتُ إلى الجامعة حيث كانت لدى مهام ومقابلاتٌ عديدة، وتلقيتُ خلال اليوم أكثر من مكالمةٍ هاتفية من زوجتي تستعجلني في العودة، محاولةً ألا تقلقني، فنزلتُ من الكلية في الخامسةِ مساءً، ووجدتُ زوجتي تطمئنُ إلى أنني وصلت في الطريق لحد فين كل شوية، فقلقتُ أكثر، حتى كلمني ابني أحمد من العلمين الجديدة، وقاللي بابا ربنا يرحم جدتي البقاء لله، ومكنش على لسانها إلا اسمك عند وفاتها.. أنا راجع في الطريق عشان أودعها وأحضر جنازتها، فعادت بي الذاكرة إلى أول يوليو عام 1997، عندما كان والدي ينتظرُ عودتي من رأس البر لتصحيح أوراق إجابة طلاب قسم الإعلام التربوي بكلية التربية النوعية بدمياط بفروغ الصبر، وقال لي ياريت ترجع بسرعة، فعدتُ وأنا أشعر بقلقٍ عليه لأنني تركته وكانت ظروفه الصحية ليست على ما يُرام، وعندما عدتُ من السفر، ودخلتُ شارعنا شعرَ بعودتي، وقال الحمدُ لله شريف رجع، فقالوا له رجع فين، قال لهم رجع، وبالفعل بعد دقيقة واحدة كنت أضغط على جرس الباب، ليلقى بعدَها الله بعدَ أقلِ من يوميْن، وقبلَ أن يموتَ قالَ لأمي: شريف بيحبك وهو اللي هيحافظ عليكي بعد وفاتي، وعاشت معي أمي منذ العام 1997 حتى الآن، ما يزيد على 21 عامًا.

وطوال هذه السنوات فتحَ الله عليّ من أبواب الخير الكثير والكثير مما لا يُعد ولا يُحصى، كنتُ في بيت العائلة التي وقعت في إرث شقيقاتي البنات بعد وفاةِ أبي، فبنيتُ عمارةً كاملة على مساحة كبيرة من الأرض، بل ورزقني الله من المال وقطع الأراضي ومعهم حب الناس الكثير والكثير، ورزقني الله إضافة إلى أحمد وأشرقت ابنة جميلة أسميتُها أنورين، واستطعت أن أمضي في طريقي العلمي حتى ترقيت إلى درجة الأستاذيةُ وأسستُ مدرسةً علمية يمثلُ تلامذتي وأبحاثي وكتبي ودراساتي ومقالاتي دعائمَها العلمية الراسخة.

وأحمد الله أنني ملأتُ الدنيا علمًا بالإشراف على ما يقرب من 130 رسالةً علمية، وناقشتُ عددًا مُقاربًا، وشاركتُ في إنتاج ما يزيد على 150 بحثًا ودراسةً علمية وورقةً بحثية، ولي ما يزيدُ على 50 تلميذًا يعملون عمداءَ ورؤساءَ أقسامٍ وأعضاء هيئةِ تدريس في كليات ومعاهد وأقسام الإعلام في مصر والوطن العربي، ورغمَ كلِ هذا أشعرُ بأنني لا أستطيعُ أن أُطَاوِلَ قامةَ أمي.. تلك السيدة العظيمة الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب، ورغم ذلك ربت وأدبت وعلمت من ملأوا الدنيا علمًا وتعليمًا وتشييدًا وبناءً، فلها ابنةٌ مدرسة ثانوي تدرس علم الجغرافيا للمرحلة الثانوية، وابنةٌ أخرى كانت أول من تخرجت في إدارتنا التعليمية بمدينة الخانكة بمحافظة القليوبية من قسم رياض الأطفال بكلية البنات جامعة عين شمس، وكانت أول مَن أسست مرحلة رياض الأطفال، وتعمل الآن مديرةً لها.

أذكرُ أنني قلتُ لوالدتي يومًا وأنا ما زلتُ طفلًا صغيرًا: يا أمي أرى الآباءَ والأمهاتِ يُقبلون أبناءَهم وبناتِهم فلماذا لا تُقبليني يا أمي، فقالت لي "علشان تطلع راجل بحق وحقيقي تتحمل شقا الحياة وتكون صلبًا ما تنكسرش عند أول مشكلة"، وكنت عندما أتذكر هذا الموقف أتعجب من فلسفة هذه السيدة الأمية التي لا تستطيعُ كتابةَ اسمِها، ورغم ذلك قالت لي "ع العموم لو نجحت في الشهادة الابتدائية بعد ثلاث سنوات فسوف تفوز بقُبلة مني"، وهذه كانت القُبلة الأولى التي وضعتها أمي على جبيني، ولم أتلقَ منها قُبْلَةً ثانية إلا بعد حُصولي على الماجستير في العام 1990، والذي سبقه فقدها أصغر أبنائها في حادثٍ أليم، فلم تستطع أن تملك نفسها ومشاعرها بعد إعلان نتيجة المناقشة فحضنتي ووضعت قُبْلَةً على خدي أعتزُ بها ما حييت، لأن قبلتيْ أمي كانتا أعظم لدى من الحصول على درجتيْ الماجستير والدكتوراه، وعندما عدتُ إلى المنزل مساء الأحد الماضي بعد وفاتها مباشرة، وضعت على جبينِها قُبْلةً مودعًا إياها، لتكون هذه القبلات الثلاث هي رصيدي من محبة أمي.

وأذكرُ ذاتَ مرة ونحن أطفالٌ أن أمي عندما تذهب إلى بيت عائلتها الريفي، كان أطفالُ العائلة يتهللون فرحًا بقدومها ويُقبلون يَدَهَا احترامًا وتوقيرًا كما هي عادةُ أهلِ الريف، وعندما حاولتُ مرة تقليد أطفال العائلة بأن أقومَ بتقبيلِ يَدِ أمي، غضبت غضبًا شديدًا ونهرتني، وقالت لي لا تُقَبِلُ يَدَ أحد حتى لو كانت يد أمِك، يجب أن تتربى على العزة والكرامة، ومن يومِها لا أذكرُ أنني قبلتُ يَدَ أحد سواء فعليًا أو معنويًا، ورغمَ طولِ سنواتي بالجامعة لم أنافق أحدًا، ولم أحمل "شنطة" أحد مداهنةً ورياءً أو احترامًا وتقديرًا، وتعلمتُ من أمي أن أفعلَ الأمرَ ذاتَه مع تلامذتي، حيث لا أسمحُ لأي منهم أن يحملَ حقيبتي، حتى لو كان ذلك من قبيل الاحترام والتقدير والأستاذية، وأقولُ لهم كل واحد أولى بحِمْلِه.

أذكرُ بعدَ وفاةِ أبي أنه كان له بعض المستحقات المالية لدى قطاع الأمن الغذائي للقوات المسلحة بأرضِ الجولف بمصر الجديدة، وتم استخراجُ هذه المستحقات بشيكات، فذهبتُ أنا وأمي لصرفها من أحد البنوك، ولم يشأ أن يعترف موظف البنك بـ "ختم" أمي لسببٍ قانوني لا أذكره، فقالَ لي "حاول تخليها تكتب اسمها بأي شكل"، فقلت له: أمي التي مكثت قرابة 65 عامًا لا تكتب تُريدني أن أعلمها الكتابة الآن في البنك! يا هذا اعلم أن عظمة هذه السيدة في أنها أمية، ولا تقرأ ولا تكتب، ولكنها خرجت مَن يُشَارُ إليهم بالبنان في مجالات العلم المختلفة، واعلم أن رسولَ الإنسانية محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه كان أُميًا، وربى أمةً أنتجت مئات العلماء الذين ملأوا الأرض علمًا، فاقتنع الرجل وارتضى بختم أمي ووضع بصمتها إلى جوار الختم.

إن أمي لم تمت.. أمي ما زالت حيةً بنا وفينا.. لأنها وضعت بَصْمَتَهَا وخَاتَمَهَا على كلِ المنتجات البشرية التي تركتها من أبنائها وبناتها وأزواج بناتها وأحفادها، منهم أستاذ الجامعة والمُعلم والمهندس ومنهم الصانع والتاجر.. تالله لو علمتم ما للأمِ من فضلٍ لعشتُم تحتَ أقدامِها ما حييتم.. رَحِمَ اللهُ أمي وجميعَ الأمهاتِ كافةً على وجهِ هذه الأرضِ الطيبة.

 





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

اعلان مصلحة الضرائب

موتمر الشباب

دورة الألعاب الافريقية

زيارة السيسي للكويت

مصر والسبع الكبار

كرة اليد

انجازات في المحافظات

العدالة الاجتماعية

القدس عربية

الشائعات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

تطوير مصر