بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

19 مايو 2019 - 22 : 22   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من أم المصريين للمندوب السامي البريطاني

9 مايو 2019



رشاد كامل
بقلم : رشاد كامل

سأكون «سعد زغلول» حتى يعود من المنفى!

 

فى أواخر سنة1922 وصلت إلى مصر الصحفية الأمريكية ««جريس تومسون سيتون» لإعداد كتاب عن نساء مصر ودورهن فى ثورة 1919 وكانت كبرى الصحف الأمريكية تتابع أخبار الثورة وسعد زغلول وما يجرى فى مصر، بل كانت المفاجأة عندما قامت لجنة الشئون الخارجية لمجلس الشيوخ الأمريكى بعد تلقيها احتجاج مصر على مقررات مؤتمر الصلح بإعلان الحماية على مصر، وقرر مجلس الشيوخ أن مصر من الوجهة السياسية ليست تابعة لتركيا ولا لبريطانيا العظمى ويجب أن تكون صاحبة الحق فى تقرير مصيرها.

كان قرار أمريكا لطمة غير متوقعة لبريطانيا وفرنسا، وعادت الصحف الأمريكية تتحدث عن أحوال مصر وثورتها.

فى هذا المناخ جاءت الصحفية الأمريكية إلى مصر ومكثت فيها مدة ليست بالقليلة لتعد كتابها، وكان من أحلامها أن تقابل السيدة «صفية زغلول» ـ أم المصريين لتراها عن قرب وتسمع منها، وتقول الصحفية جريس تومسون: قيل لى إنه من الصعب جدًا أن أستطيع رؤيتها، إن لم يكن من المستحيل وكان من العبث طبعًا أن أحاول الاستعانة بأحد من معارفى الإنجليز أو الأمريكيين، ولم أجد سوى أن أكتب لها من امرأة إلى امرأة ومكافحة فى سبيل قضية المرأة الكبرى فى بلادى إلى مكافحة فى سبيل قضية الحرية فى بلادها، ولم أأتمن أحدًا على الرسالة فذهبت بنفسى وسلمتها لبواب بيت الأمة.

وفى اليوم الثالث جاء الرد مهذبًا فى لغة إنجليزية بديعة تحدد لى موعدًا لمقابلتها، وذهبت ولم أكد ألقى نظرة على من حولى حتى دهشت أن الشرقيات كما يصورهن خيالنا الغربى المريض قد انقرض، والحوريات المضطجعات فى استرخاء يعرضن فتنتهن على آرائك ناعمة من الحرير وحولهن الجوارى يعزفن العود والطنبور لم تعد توجد إلا فى كتب الأساطير.

واستقبلتنى خادمة أنيقة قادتنى إلى حيث كانت تجلس «صفية زغلول» وحولها عدد كبير من أركان حربها والمعجبات.

وتضيف الصحفية قائلة: وجدت مدام زغلول سيدة متوسطة الطول ذات شعر تخلله المشيب فى وقار وجمال وعينين عسليتين نفاذتين وأنف دقيق وشفتين رقيقتين وطراز مثقف مهذب من الجمال.

ومن الوهلة الأولى أحسست أننى أمام سيدة قوية الشخصية ذات كبرياء، وذات رقة ووداعة أيضًا وكان صوتها دائمًا هادئًا لا يعلو ولا ينفعل، وكأنه يعبر عن روح انكشف لها الحجاب ورأت الحقيقة، وصممت على أن تتبعها حيثما تقودها.

ولقد اعتقل زوجها «زغلول باشا» للمرة الثانية فى 22 ديسمبر 1921 بعدما رفض أن يعتكف فى عزبته وشهدت صفية هانم اعتقاله وظلت هادئة ساكنة حتى غادر زوجها البيت، وخيرت بين أن تصحب زوجها أو أن تبقى،  وكان عليها أن تحسم هذا السؤال الخطير، ولكنها بعد تفكير عميق قررت أن تبقى وأن تتم الرسالة التى تركها زوجها، لأنه إذا كانت حاجة زوجها إليها شديدة فإن حاجة مصر أشد، وكما قالت لى:

إن سعد سجين فى سيشل ولكننى هنا روحه الثانية وزوجته التى تصون دكانه.

ولقد كان ردها على دار المندوب السامى قاسيًا تاريخيًا فقد أمسكت بالتليفون وقالت للمتحدث حينما أخبرها أنها تستطيع اصطحاب زوجها: أخبر سعادة المندوب السامى أننى سأظل فى القاهرة وسأعمل كل ما فى وسعى لأتم عمل زوجى،  وأنتم تستطيعون أن تنفوا «جسم» سعد ولكنكم لا تستطيعون أن تنفوا روحه، لأنها تعيش وستظل تعيش وفى بيته، وأنا سأكون «سعدًا» حتى يعود وهو سيعود لأن الشعب لن يسمح بغيابه ولن يمكنكم إبعاده طويلاً حتى لو مات سعد فسيأتى كثيرون غيره، وسيتقدمون الصفوف، وسأفعل كل ما أستطيع لإشعال روح الثورة فى سبيل استقلال مصر».

وأعدت «صفية هانم» واللجنة منشورًا وزع فى كل أنحاء البلاد بعنوان «نداء حرم الرئيس» قالت فيه: «لئن كان سعد شيخًا فثقوا أن هذا النفى لا يهد من عزيمته.. إلا شىء واحد هو أن يعلم يومًا أنكم اعتراكم الضعف ولو للحظة واحدة».

وتعلق الصحفية «جريس» قائلة: وبدأت فى غيبة زعماء الوفد الكبار فى المنفى وزعماء الصف الثانى فى السجون صفحة كفاح مجيدة لسيدات مصر بزعامة صفية هانم زغلول. وقد بدأ احتجاجهن يأخذ شكله العملى بتنظيم مقاطعة البضائع البريطانية، وانضم إلى السيدات عدد كبير من سيدات المرأة الجديدة وجمعية محمد على «الأرستقراطيات للكفاح من أجل استقلال حقيقى للبلاد».

وقالت لى مدام «زغلول»: إنهن لم يغيرن ملابسهن ولم يعرفن النوم طوال الأسبوع الماضى وقد انتشرن فى شوارع القاهرة وآثرن فى البدء سخرية البعض، ولكن لم يمض أسبوع حتى كان التجار يستجيرون بهن وينفذون كل طلباتهن، ولقد نظمن لجانًا فى المدن وفى القرى، وعقدن اجتماعًا فى القاهرة شهدته ألف سيدة نظمن فيه مقاطعة البريطانيين والبضائع البريطانية حتى ضج البريطانيون وأفلس عدد كبير من متاجرهم!».

••

وتواصل الكاتبة الصحفية «جريس تومسون» رواية وحكاية ما رأته وما سمعته قائلة:

«وبدأت أتردد على بيت الأمة وأتعرف بالمصريات الجدد وكانت «صفية هانم» تقدمهن لى وتحدثنى عنهن، لأنهن كن يأبين الحديث عما يفعلنه وتحمر وجوههن خجلًا إذا أشاد بهن أحد!

وعرفت مدام بركات - وكانت صفية هانم تسميها «أركان الحرب» لأنها كما قالت لى ذات مقدرة خارقة على العمل الشاق المتواصل وهى تسكب كل روحها ونشاطها وحماسها فى الكفاح لقضيتنا!

وكانت مدام بركات شابة ذات عينين براقتين لامعتين ووجه مستدير وبشرة ناعمة سمراء وخدين بديعين، وحينما قابلتها لأول مرة كانت قادمة منفعلة من الخارج فقد رأت مصريين يشتريان «كرافتات» من محل إنجليزية فاندفعت إليهما وعنفتهما حتى تركا البضاعة وأسرعا بالهرب خجلًا!

وحينما استمعت إليها وهى تروى القصة أحسست أن روح «جان دارك» قوية متفجرة فى المصرية الجديدة!

ولقد التفتت إلىّ صفية هانم وقالت: إننا لم نعد نشترى شيئًا مطلقًا إلا ما هو مصرى، وحتى هذه الفطائر نصنعها فى بيوتنا هنا، لأننا لا نريد التعامل معهم!

ودخلت مدام اللوزى ومدام يوسف ابنتا شقيقة «صفية هانم» وهما سيدتان ممتلئتان كانتا تساعدان خالتهما كثيرًا فى كفاحها وقد قبّلناها فى خديها ثم فى جبهتها وقدمت إليها مدام اللوزى باقة ورد وقالت لها: هذا من حديقتنا أرسله أبى إليك!

وضحكت مدام زغلول والتفتت إليّ قائلة: انظرى كم تقدمنا منذ عهد الحجاب إن رجلا يقدم لى أزهارًا!

وانتهزت الفرصة وسألتها: كيف تتصورين مستقبل المرأة المصرية؟!

وقالت لى: مائع.. إننى نفسى لا أكاد أصدق التقدم والتطور الذى حدث ونحن نتقدم إلى الأمام بخطوات واسعة «زوجى رجل متحرر وهو يؤيد حقوق ومطالب المرأة، والحجاب هذا ليس من ديننا فى شىء ولابد من أن نطرحه ونتحرر منه نهائيًا ربما فى بضع سنوات وربما فى بضعة أشهر»!!

وسألتها: كيف ترين مستقبل مصر؟

فقالت: سنكافح حتى تنال مصر حريتها وسنسير فى الطريق حتى النهاية!

قالتها بالفرنسية وبتصميم وعزم أكيد ثم التفتت إلى مدام واصف بطرس غالى بتلك النظرة الحنون التى تجعل الجميع يعبدن صفية هانم».

وللحكاية بقية كما رواها الكاتب الكبير الأستاذ «محمد عودة» فى كتابه النادر البديع «سبعة باشوات وصور أخرى».





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

افطارا شهيا

دنيا ودين

Rosa TV

انزل شارك

امم افريقيا 2019

الشعب يجني ثمار الإصلاح

اعلان.. البنك المصري لتنمية الصادرات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

اعلان مراتب سوفت

شركة المستقبل

شركة تطوير

الصحفييين