بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

22 يوليو 2019 - 5 : 2   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

(النصف غير الآخر).. موت شاعرة

13 يونيو 2019



سامية صادق
بقلم : سامية صادق

كان الناس يحسدونها على الحياة الرغدة التي تعيشها والرجل المحترم التي تتزوجه...حيث تعيش بفيلا في إحدى المناطق الراقية وتمضي الصيف بمارينا وتركب سيارة أحدث موديل.. كما أنها أنجبت ثلاثة أبناء ولدين وبنتا....يشيد الجميع بهم وبأخلاقهم... لكنها رغم ذلك كانت تشعر أن هناك شيئا ينقصها...فربما تكون أما جيدة وزوجة مثالية أمام الناس...لكنها أمام نفسها تشعر أنها لم تحقق شيئا من أحلامها الشخصية لقد كانت تعمل بإحدى المؤسسات الكبرى حين تزوجت... وقد تركت عملها بناء على رغبة زوجها لتتفرغ لبيتها وتربية أبنائها إلا أنها تشعر بالندم.. فزوجها مشغول طوال الوقت في عمله...كما أن أبناءها يظلون بالمدرسة لوقت طويل وحتى بعد عودتهم للبيت يظلون في غرفهم كل منهم له حياته وأصدقاؤه فلا يجلسون معها أو يحكون لها عن شيء!!.. ومهما كانت تعيش في مستوى اقتصادي مرتفع.. إلا أنها في قرارة نفسها تشعر أنها ليست أكثر من ربة بيت عادية تعيش حياة تقليدية مملة... كما أنها كادت أن تنسى هوايتها في كتابة الشعر...فقبل الزواج كانت نشطة متحركة لها اهتمامات وهوايات... تحضر الأمسيات الشعرية وتتواجد في المنتديات الثقافية وتطلع على أحدث الإصدارات في الشعر والأدب.

ولكن الأمر اختلف بعد ذلك... فتمضي الأيام متشابهة مملة وهي تعيش لزوجها وأبنائها وتنسى نفسها... إلى أن مرض زوجها مرضا شديدا ومات بعد فترة قصيرة...ويتسع الفراغ بداخلها وحولها أكثر وخاصة بعد أن تزوجت ابنتها والتحق ابناها بالجامعة...وصارت تشعر بالفراغ والوحدة حتى أنها تظل تبكي وحدتها!!!

وتفكر أن تعود لهوايتها في الشعر وتحاول حضور الامسيات والندوات التي كانت تداوم عليها قبل الزواج... منذ ما يقرب من ٢٥ عاما!!

وتبحث عنها على الإنترنت... وتجدها تقام بقصور الثقافة وساقية الصاوي ومكتبة القاهرة وبيت الهراوي ودار الأوبرا وغيرهم...لم تكن تدري أن المنافذ الثقافية في مصر كثيرة ومنتشرة إلى هذا الحد!!!...وتذهب إلى أمسية تقام بقصر ثقافة قريب من بيتها بحي الزمالك...كانت بمفردها ولا تعرف أحد من المتواجدين...تجلس وحيدة تتابع الأمسية...ليتوسط المنصة شاعر شاب...كانت لأول مرة تسمعه أو تسمع عنه...كما كان هناك رجل كبير يجلس على المنصة بجوار الشاعر.. ينتبه لوجودها وتلتقطها عيناه وتتبعها رغم أنها كانت تجلس في آخر الصف....هكذا هو دائما يستطيع أن يلمح أي وجه جديد يظهر في الأوساط الأدبية...ويحرص أن يكون أول من يتلقفه وخاصة حين تكون فتاة أو سيدة!!

تنتهي الأمسية لكنه يحرص أن يلحقها قبل أن تنصرف...يقدم لها نفسه....أنه الشاعر والناقد الأدبي فلان الفلاني...تخبره أنها تعرفه لقد شاهدته أكثر من مرة على شاشة التلفزيون...ويمتد الحديث بينهما ويعرف أنها كانت تحلم أن تكون شاعرة...ويسألها لو كانت قد كتبت الشعر من قبل... فتؤكد له أنها لديها بعض المحاولات في شعر العامية.... فيطلب منها أن يطلع على إبداعاتها...وتتعدد اللقاءات بينهما بعد ذلك ويعدها برعاية موهبتها ويتوقع لها مكان ومكانة بين صفوف الشعراء... ويؤكد لها أنها خلال أقل من عام سيذاع صيتها في الوسط الأدبي والثقافي وتنتشر أشعارها في كل مكان!!...فيتلاعب بأحلامها ويوقظ طموحاتها التي لا تتناسب مع إمكانياتها... ويقرر أن ينفذ ما وعدها به ويصنع منها شاعرة!!! وخاصة بعدما شاهد سيارتها الفارهة وعرف أنها تعيش بحي الزمالك!!...فهو لم يعتد على هذا النموذج بالوسط الأدبي فمعظم المبدعين في رأيه من شعراء وروائيين ومبدعين ينتمون للطبقة الفقيرة المعدمة وربما تولدت موهبتهم من قلب المعاناة والألم ومازال بعضهم لا يجد ثمن العلاج!!

...حتى أنه يتساءل في نفسه.. ترى ما أسباب معاناة تلك المرأة الثرية لتنضم لطائفة المعذبين والضائعين الذين اختاروا حق اللجوء النفسي للشعر والأدب؟! واختبأوا في الخيال ليخفف عنهم قسوة الواقع!!!

هكذا كان يعلن رأيه في زملائه من الأدباء والشعراء ويرى أنهم لو كانوا أغنياء ويعيشون في رغد ما أبدعوا!!!

ورغم أنه لم يجد بها ما يجذبه إليها كأنثى إلا أنها تملك ما تمنى أن يكون لديه طوال العمر وفشل في تحقيقه...لديها المال والثروة!!!...ولو كان تبنى شاعرات في مقتبل طريقهن من أجل جمالهن وأنوثتهن... سيتبنى تلك المرأة من أجل مالها وسيارتها وشقتها...ويعترف أمام أصدقائه بالوسط الأدبي بأن ما تكتبه متواضع جدا ولا يرقى لمستوى النشر.. ولكن بتقريرين ودراسة من بعض النقاد ممن لهم وزنهم واسمهم في الوسط الثقافي.. بالإضافة لبعض التعديلات على أشعارها المكسورة يستطيع أن يرفع قيمة إنتاجها في عين القراء...ويصنع منها شاعرة!!

وتجمع ما كتبته على مر السنين بهمة وحماس...لقد بدأت تشعر بذاتها وبوجودها وبأهميتها مع هذا الشاعر الكبير...بل ترى فيه الرجل النبيل صاحب الرسالة الذي يشجع المواهب ويساعدها على الانطلاق!!

ولم تصدق نفسها حين أجلسها على المنصة لأول مرة لتلقي أشعارها على الجميع بعد أن حشد العشرات من الشعراء والأصدقاء للاستماع إليها...كانت تشعر بالخوف والقلق وتهيب الحضور وتخشى أن تفشل في إلقاء أشعارها أمام الجموع...فربما تقف الكلمات في حلقها لتصيبها بالخرس!!! ولكنه يجلس بجوارها ليدعمها ويشجعها ويبث بداخلها الثقة بالنفس والطمأنينة... وتنجح في إلقاء قصيدتها الأولى أمام الجميع وذلك بعد أن قام ببعض التعديلات عليها..

لم تصدق نفسها حين صفق لها الحضور حتى أنها بكت من فرط سعادتها...لا شك أنه استطاع إبهارها.. وسيبهرها أكثر حين يطبع لها أول دواوينها وتجده بين يديها عليه صورتها واسمها...ربما تموت من الفرحة أو تجن حين تشاهده!!!

ومنذ ذلك اليوم الذي وضعها فيه على أول طريق أحلامها وهي لم تفارقه...كانت دائما تظهر معه وبصحبته في كل الأماكن والمنافذ الثقافية...وخاصة بعدما أصدر لها ثلاثة داووين من الشعر...وصار يطوف بها على قصور الثقافة بالمحافظات أيضا وينظم لها الأمسيات ويدعو لها كبار النقاد....أنه دائما لديه القدرة على إبهارها وتحقيق المزيد من طموحاتها وأحلامها التي كانت تظنها مستحيلة في يوم ما!!!..يزداد ارتباطها به يوما بعد يوم حتى أنها لم تعد تستطيع أن تفارقه أو تبتعد عنه...فصارت سيرتها تلوكها الألسن في الوسط الضيق التي تتسم سلوكيات معظم أفراده بالسوء وبأنها أبعد ما تكون عن الأدب الذي يكتبونه!! حيث يستسهلون الخوض في أعراض بعضهم البعض...ويتحدثون عن زملائهم بأسوأ الأساليب...ويقتحمون حياة الآخرين وينبشون فيها ويشيعون أسرارهم !!! فهم يتحدثون عن السيارة الفارهة التي قدمتها هدية له بمناسبة صدور ديوانها الجديد وعن سفرياتهما معا إلى المغرب والتي تحملت تكاليفها كلها من تذاكر طيران والإقامة.. حتى الهدايا التي أحضرها لأبنائه كانت على حسابها !!...ورغم ذلك لم تهتم بكلامهم عنها....فهي تدرك أنها لا تفعل شيئا خطأ يدينها أمام نفسها أو أمام الله.

ولكن تظل المفاجأة الكبرى التي دبرتها الأقدار حديث الوسط الأدبي لشهور طويلة...لقد ماتت بسكتة قلبية مفاجئة...ليرفع الشاعر والناقد قضية على أبنائها يطالب فيها بميراثه من زوجته الشاعرة التي صنعها في عام واحد وذاع صيتها في كل محافظات مصر وانتشرت دواوينها.. والتي تزوجها سرا دون علم أبنائها!!

 





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

ثورة 23 يوليو

رؤساء جامعات افريقية

ثورة 30يونيو

انجازات في المحافظات

العدالة الاجتماعية

Rosa TV

اعلان شركة المرعشي

الشعب يجني ثمار الإصلاح

محمد صلاح
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

تطوير مصر

اعلان لاروش بعد العيد

اعلان مراتب سوفت