بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

18 سبتمبر 2019 - 55 : 8   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

جوع عاطفي!

23 يونيو 2019



سامية صادق
بقلم : سامية صادق

لا شك أنها كانت موضع حسد من زميلاتها وزملائها من المعلمين بالمدرسة الثانوية التي تعمل بها كمدرسة لغة فرنسية.. فهي ليست بحاجة أن تعطي دروسا خصوصية مثلهم أو أن تبذل مجهودا لاجتذاب الطلبة كما يفعل بعض المدرسين مع التلاميذ كي يأخذوا لديهم دروسا خصوصية..

كما كانوا يطلقون عليها (الهانم) و(البرنسيس) و(الليدي).. فهي تسكن بفيلا كبيرة أقرب للقصر.. حيث يقوم السائق الخاص بتوصيلها.. وأحيانا تقود سيارتها الحمراء المرسيدس بنفسها أو تأتي بسيارة زوجها ماركة بي إم دبليو التي تثير اهتمام زملائها من المدرسين وإعجابهم وكل منهم يحلم أن يمتلك سيارة مثلها.

أما ملابسها فكانت دائما ما تلفت الأنظار بأناقتها ورقي موديلاتها ورقة ألوانها.. فهي لا ترتدي إلا أحدث الموضات من لندن وباريس وروما حيث السفريات المستمرة لزوجها رجل الأعمال، الذي يحرص أن يحضر لها هدايا ثمينة من الملابس والعطور والأحذية وحقائب اليد ذات الماركات الشهيرة والمجوهرات من كل دولة يسافر إليها.. إنها تعيش في مستوى يحسدها عليه الجميع في وقت يقوم  فيه زملاؤها بعمل الجمعيات لتوفير مصاريف المدارس لأبنائهم ويشكو من غلاء الأسعار وسوء الحالة الاقتصادية.. لكنها لم تشعر بكل هذه المعاناة رغم أن لديها خمسة أبناء أكبرهم بالمرحلة الثانوية وأصغرهم عمره عامان.

ولم يأت في بال أحد ولو للحظة واحدة أن تلك المرأة التي صنع منها زوجها الثري (هانم وبرنسيس وليدي) قد يأتي عليها يوم تترك فيه زوجها وتتخلى عن أبنائها باسم الحب!

لقد ارتبطت بعلاقة عاطفية بمدرس رياضيات حديث التعيين، يصغرها بنحو عشر سنوات على الأقل! والمدهش أنها كانت تعلن أمام الجميع أنها تحبه وتصرح بلا خجل:

اعذروني يا جماعة عندي (جوع عاطفي)!

بالطبع لم يتعاطف أحد مع جوعها العاطفي، وهي زوجة لرجل محترم وأم لخمسة أبناء بينهم طفل لم يكمل عامين!

تقول لها إحدى زميلاتها وهي تصرخ في وجهها:

انظري لوجوه أبنائك وأنت تشبعي.. ومن قال لك أننا لدينا شبع عاطفي؟! فمعظم النساء تشعرن بهذا الجوع التي تتحدثين عنه ورغم ذلك لا يذكرنه من الأساس ويعوضنه بأحضان أبنائهن وحنانهم وابتساماتهم.

وتقول لها زميلة أخرى بدهشة:

لماذا كل هذا الافتراء على حياتك؟! فلم أر زوجا عزز زوجته واحترمها وأحضر لها كل طلباتها كما فعل زوجك معك.. كان يجب أن تحمدي الله على نعمة هذا الرجل الكريم المعطاء الذي تزوجك.

لكنها لم تقتنع بما تسمعه، وتقول وهي تبكي:

أنا في حاجة لهذا لحب.. لأول مرة أشعر أنني أعيش وأنني إنسانة.. لقد تزوجت وأنا صغيرة من دون حب بلا مشاعر.. ولأول مرة أعرف إحساس الحب.

تنصحها زميلتها قائلة:

راجعي نفسك من أجل أبنائك حتى لا تخسريهم وتخسري الحياة المريحة التي يوفرها لك زوجك وتخسري كل شيء.. الحب يضيع بعد شهر أو شهرين حين يصطدم بقسوة الواقع.

لكنها لم تسمع لأحد.. وتصر على الطلاق كي تتزوج من زميلها الصغير.. ويطلقها زوجها بعد أن يجردها من كل ما منحه لها من مكاسب وعطايا ومزايا.. فيطردها من البيت ويسحب منها السيارات التي كانت تتباهى بها وتغير فيها كما تغير ألوان فساتينها! كما يسترد كل ما اشتراه لها من مجوهرات ومن ملابس وبلاطي فراء ثمينة وأجهزة موبايل حديثة.. وقد ألغي معها الألقاب التي منحها لها كل هذا الثراء (الهانم والبرنسيس والليدي).. وأقسم أمامها أنه لن يجعلها ترى أبناءها مرة أخرى.

كان زملاؤها يتعجبون من أفعال زميلتهم.. لقد خربت بيتها بيدها وقدمت تضحيات كبرى من أجل الزواج من مدرس الرياضيات الجديد.. حتى بدءوا ينظرون له نظرة مختلفة.. ربما يبحثون من خلالها عن سر جاذبيته التي جعلت سيدة في مستوى هذه المرأة تخسر كل شيء من أجل أن تفوز به! لكنهم لم يتوصلوا لشيء.. فيرونه شخصا عاديا غير مؤثر ليس به شيء يميزه! فهو لا يملك إلا راتبه ويسكن مع والدته بحي السيدة وأقل وسامة ووجاهة وقوة شخصية من زوجها الذي تركته!

وتتزوج من زميلها الذي أحبته رغم اعتراض الجميع بما فيهم والدتها.. لقد تحدت المجتمع ووقفت في وجه كل من حولها من أجله، وكانت تعيش معه بشقة والدته المتواضعة بالسيدة زينب.

وقد نقلها هذا الزواج إلى حياة أخرى مختلفة لم تكن تتوقعها.. فصارت تركب المترو والميكروباص بعد ما كانت تغير في السيارات والسائقين!

كما أنها بدأت تجتذب الطلبة كي يأخذوا لديها دروسا خصوصية.. فتطوف على بيوتهم إلى أن تتورم قدماها وتنفد طاقتها.. وكثيرا ما تقابلها زميلاتها بالمصادفة بسوق الخضار وهي تشتري القليل من الفاكهة واللحوم.. فلم تعد المرأة الجميلة الأنيقة الميسورة كما كانت.. بل صارت مرهقة متعبة مطحونة مثل سائر السيدات العاملات.. ذلك بخلاف المشاكل التي تفتعلها حماتها معها، والتي تنغص عليها حياتها.. لم تكن تتصور أن حياتها مع الإنسان الذي أحبته وضحّت من أجله بزوجها وأبنائها ستصير بهذا الشكل بلا عاطفة أو حب أو رومانسية.. إنها ما زالت تشعر بـ(الجوع العاطفي) الذي تركت زوجها وأبناءها من أجله! فنادرا لو جلست مع زوجها الجديد وتحدثت معه فهو دائما مشغول أو غير موجود.. فطوال اليوم خارج البيت من أجل الدروس الخصوصية التي يعطيها للطلبة في بيوتهم.. فهي ترى والدته أكثر مما تراه! لم تعد تطيق تلك الحياة الصعبة التي اختارتها وتشعر بالندم لأنها هي من طلبت الطلاق من زوجها الوجيه الثري الكريم.. وضحت به وبأبنائها وبكل الرفاهية التي كانت تعيش فيها.

ولم يكن قد مضى عام على زواجها الثاني حين فكرت في الطلاق.. فلم تعد تحتمل حياة الكفاح المستمر التي تفرضها عليها ظروف زوجها الجديد.. لقد اعتادت على مستوى معين لم تستطع أن تنزل عنه.. لقد تعودت أن تكون (هانم وبرنسيس) ولم تستطع الاستمرار في دور الزوجة المكافحة المطحونة التي تركب الميكروباص وتذهب لسوق الخضار وتفاصل في أسعار السلع وتمضي نصف يومها بالمطبخ!

وتشتد الخلافات بينها وبين زوجها وأمه حتى إن الأم تخير ابنها.. إما هي أو زوجته؟! وتحمد الله أنه قد اختار أمه وقام بتطليقها.

تحاول أن تعود لحياة الرفاهية التي كانت تعيشها مع زوجها الأول وأبنائها.. فتذهب إليه نادمة ذليلة منكسرة وهي ترجوه وتركع تحت قدميه كي يسامحها ويصفح عنها.. لكنه يرفض ويطردها من بيته ويتهمها بأنها لا تصلح زوجة ولا أم ولا ينفع أن يستأمنها على اسمه ولا على سمعته ولا على أبنائه بعدما ضحت بهم من قبل وتركتهم وهم أطفال صغار لا حول لهم ولا قوة من أجل نزواتها ورغباتها!

 





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

الشهادات الثلاثية

اعلان مصلحة الضرائب

موتمر الشباب

دورة الألعاب الافريقية

زيارة السيسي للكويت

مصر والسبع الكبار

كرة اليد

انجازات في المحافظات

العدالة الاجتماعية

القدس عربية

الشائعات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

تطوير مصر