بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

22 اكتوبر 2019 - 43 : 7   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

كله في حب النبي

11 اغسطس 2019



د. عزة بدر
بقلم : د. عزة بدر

هل تصدق أن ثلاثة أيام أو أربعة من العام قد تنبئ عن العام كله؟ أو أن تلك الأيام المعدودات من سائر الأعوام قد تخبرك عن حقيقة قرن من الزمان فترسم صورة كاملة لعصر وأحداث تصف تاريخ مصر والمصريين .

تلك هي أيام عيد الأضحى المبارك التى شهدت ثورات،  وأحداثا بل كانت أيام العيد شاهدة على العصر، وعلى ما بذل أبناء مصر من تضحيات، وما تمتعوا به من قيم العطاء وحب الوطن .

احتفالات شعبية

لعيد الأضحى سمات يتميز بها وينفرد عن سائر الأعياد والاحتفالات فقد كان المصريون يحتفلون بقدوم العيد احتفالا خاصة، فقد كانت مصر ترسل مع قافلة الحجاج المصريين سنويا هودجا  يسمى "المحمل "

وكان يحتوي على كسوة الكعبة، وتُصنع من الأقمشة المطرزة بخيوط الذهب والفضة يبلغ وزنها 13 ألف مثقال، منها أحزمة تحيط بالكعبة المشرفة، وستارة لباب التوبة، أما الكعبة نفسها فلها ثمانية أحمال من الحرير الأسود المحلى بزخارف نسجية مكتوب عليها آيات قرآنية، ولكل جانب من جوانب الكعبة أيضا حملان من الحرير، كما كان يرسل مع الكسوة من القاهرة فى كل عام لمفاتيح الكعبة كيس من النسيج الأخضر المطرز بخيوط الذهب والفضة، وقد جرت العادة أن تُرسل مصر مع الكسوة قدرين كبيرين من ماء الورد زنة كل منهما مائة رطل لغسل أرض الكعبة الشريفة قبل تركيب الكسوة الجديدة، وكان لإرسال المحمل احتفالات شعبية خاصة، شهدت آخرها بدايات القرن العشرين , نتذكرها مع أغنية أسمهان وهي تصدح بصوت صاف "عليه صلاة الله وسلامه, شفاعة ياجد الحسنين, ده محملك رجعت أيامه, غني يا قلب , اتهني يا عين " .

أما هذا المحمل نفسه فقد كان حدثا اجتماعيا مهما في حياة المصريين, يحتشدون له بالأغنيات, ويحيطونه بكل تقديس وتبجيل فهو ذاهب لكسوة بيت الله الحرام .

أما ظاهرة عرض الكسوة على محمل يطوف البلاد فيرجع تاريخها إلى شجرة الدر زوجة السلطان صالح نجم الدين أيوب آخر سلاطين الدولة الأيوبية, والتى كانت تعد لنفسها هودجا فوق جمل تجلس عليه وهي مسافرة إلى الأراضي الحجازية للحج, وكانت تمر بالأماكن المهمة في طريقها حتى يعلم الناس أن موعد الحج قد حان فيسارعون إلى تلبية ندائه .

وتتميز احتفالات المحمل بموكب بهيج تتقدمه فرقة كبيرة من المشاة النظاميين, ويتبعه نفر من الفرسان, وجِمال عليها أسرجة محشوة ومزخرفة ومغطاة بالجوخ الأخضر والأحمر, وكان كل سرج يزين بأعلام صغيرة وبريش نعام وأجراس, وكانت الجمال تُخضب بالحناء, وكانت أصوات الطبول والصفافير تصطخب, وكان يسير فى هذا الموكب رئيس الشرطة فى نفر كثير من ضباطه و أتباع أمير الحج ,

وأمير الحج, وكان يحفل الموكب بالدراويش بأعلامهم الطويلة الملونة, وممثلى الحِرف المختلفة يرأس كل فئة منهم شيخهم, وحيث كانت تغص الشوارع بالناس المتزاحمين لرؤية المحمل , وكان يتدافع الكثيرون ليلمسوه بأيديهم ثم يقبلونها بعد ذلك, وكانت النساء يتدلين من نوافذ المشربيات بالبراقع والشيلان ليلمسن بها المحمل, وحيث كان الجمل الذى يرتكز عليه المحمل مقدسا أيضا, فيعتق من أى عمل طوال حياته فهو 

" جمل النبي "  كما كان يسميه العامة  لكن ما لبث هذا الاحتفال وموكبه أن اختفى تدريجيا, ويؤرخ لبداية هذا الاختفاء بما كُتب في الصحف المصرية عام 1940 من مناقشات حول احتمالات إلغاء احتفال المحمل ,

إذ اقترح أحد شيوخ الأزهر إلغاء التقليد الذى يعرض فيه الجمل حاملا "المحمل", وأن يُكتفى بعرض الكسوة, وذكرت الصحف أن الاقتراح قيد النظر بواسطة رئيس الوزراء, وثار جدال عنيف حول إبقاء أو التخلص من هذا التقليد, مما دعا البعض للقول: من الذى يفيد من مهاجمة عادة قومية مهيبة فاتنة؟ .

و قد ذهب الجمل إلى مناخه مستريحا بعد أعوام كثيرة قضاها فى التمتع بحمل "المحمل", واندثر هذا التقليد ولم تبق منه سوى أصداء أغنية أسمهان .

وأصبح الأمر بعد إلغاء المحمل يجرى بتسليم الكسوة مقصورا على ما يسمى بحجة التسليم, ويكون ذلك بعد صدور قرار رئيس الجمهورية بالبعثة المسافرة, وبعد الانتهاء من إجراءات التسليم, يحدد يوم الاحتفال بعرض الكسوة بالمسجد الحسينى حيث يشاهدها الناس قبل سفرها, وكان إرسال كسوة الكعبة من القاهرة تقليدا يستقبله الناس باحتفال شعبي كبير حتى أواخر الستينيات من القرن الماضى على وجه التقريب 

ومن الطريف أن كسوة الكعبة قد تأثرت بالتغيير السياسي في مصر فبعد أن كانت كسوة الكعبة تحمل اسم فاروق الأول ملك مصر حينذاك, صارت تحمل اسم أحمد فؤاد الثاني, وبعد شهر واحد من قيام ثورة يوليو 1952 لبست الكعبة إحرامها, وغيرت كسوتها القديمة بالتغيير الجديد كما ذكرت الصحف وقتها . 

أغنيات للسفر وأغنيات للعودة

وللحج فى بلادنا وخصوصا فى الريف أغنيات شعبية جميلة, وله فى بعض مدننا وأقاليمنا المصرية طقوس وعادات, وكلها تحتفل بالحاج وتعظم أداء الفرض, وتتغنى بحب النبى صلى الله عليه وسلم , أغنيات للسفر وأغنيات للعودة , أهازيج للفرح بالحج , وإشفاق من فراق الحاج لأسرته , وأغان خاصة للبهجة والفرحة بعودة الحاج إلى أهله وذويه فى غيابه .

" يا ولاد بلدي.. الوداد الوداد

يا ولاد بلدي.. ما بقى إلا السفر

وأحمل بزادى .. والوصايا الكتير

حداكم ولادى .. كله فى حب النبي " 

وحيث يتوافد الناس على دار الحاج لتوديعه وسؤاله ألا ينساهم فى الدعاء, يغني المغني , ومن يفدون على دار الحاج للسلام والتوديع :

" وفى الوسط عُمدة .. دى دارك وسيعة

وفى الوسط عُمدة .. والخيول داخلة 

باشوات وعُمدة .. كله فى حب النبى "

ويبدأ الاحتفال بالحاج قبل سفره بأسبوع أو منذ أن يعلن أنه ذاهب للحج , ويقوم فى منزل الحاج كل ليلة شبه احتفال تغنى فيه الأغانى الدينية , وهناك من يقوم بذبح الذبائح , وإطعام الناس خاصة فى القرى , ويوم السفر يقوم كل حاج بالمرور على الحاج القريب منه , وتبدأ أغاني " التحنين " , للوابور أى السفينة  , والتمنى أن تحملهم على أكف الراحة لزيارة النبى الغالى :

" وخدهم براحة يا وابور .. يا وابور

دول شبابات صغار

وجولك فراحى بعد زيارة النبى

شبك فى الجريدة خلصوا يا جمال

بلادى بعيدة .. راح أزور النبى "

وهكذا ينتظر الأهلون , النساء والأطفال فى شوق عودة الحجيج , وطوال فترة الانتظار يتم استكمال مبانى بيت أو دوار الحاج الغائب , أو إعادة طلائه , وتزين برسوم وموتيفات تشكيلية شعبية ملونة تتعلق بشعائر الحج مثل الجمال ثم البواخر من بعد ذلك والسفن , والطائرات , ورسوم الكعبة وإلقاء الجمرات .

وفى هذا الجو المشحون لاستقبال وفود الحجاج العائدين ينشط حفظة النصوص الشعائرية من منشدين ومداحين يوم وقفة العيد وفى أيامه ولياليه , ويحتفى تراثنا الفلكلورى بما ينشط له  المنشدون من غناء أناشيد من القصة الشعرية " هاجر وسارة " , والتى تتناول تفاصيل قصة التضحية والفداء , وقصة عيد الأضحى فيغنى المنشدون والناس تقوم بتزيين أضحياتهم من أغنام وكباش , بالزهور والصلاصل والألوان  يطوفون بها الشوارع والدروب , يذكرونهم بمحنة إبراهيم وطاعة إسماعيل , واستجابة الله للأب والابن المطيع , ورحمة الله , فيغنى المنشدون :

" يا هاجر .. نادى اسماعين خليه يأتى  إليه

نادى اسماعين خلينى أشوفه

كَحَّلى لى عينه وحَنى كفوفه 

يا هاجر نادى إسماعين "

 

فى وسط هذا الجو العاطفى المشحون بالتضحية والامتثال والطاعة والفداء تعيش القرى والمدن المصرية أغنياتها الشعبية وحكاياها فى انتظار الحجاج الذين كانت رحلتهم إلى الأراضى الحجازية صعبة وشاقة تحتاج إلى أصحاب البأس أولى القوة والقادرين على احتمال الشدائد فلم تكن رحلة الحج مثل الآن سهلة ميسرة فقد كان بعض الأشقياء يهاجمون قوافل الحجاج فيتعرضون للسلب والنهب لدرجة أن أهم خبر يرسل من الأراضى الحجازية كان هو وصول المحمل المصرى والقافلة المصرية بسلام , وفى بعض السنوات كانت القافلة المصرية تعود بدون أن تحظى بالحج خوفا من السفر والتعرض للأخطار ففى شهر أكتوبر عام 1944 عاد أمير المحمل المصرى " عبد الله فائق بك " إلى مصر هو وسائر موظفى المحمل , وركبه من جدة ولم يجازف بالسفر إلى مكة , وبالطبع كان عليه أن يتوجه للقائم مقام الخديوى فى نظارة الداخلية شارحا له سبب العودة وعدم المجازفة بالسفر , ورغم ذلك كان الحجاج يذهبون فى رحلة السفر إلى بيت الله الحرام متحملين مشاق الطريق وأخطاره ولذا لا نعجب حين يودع المصريون أحباءهم الحجاج بأغنيات " التحنين " , وهم ينشدون :

" حاجنا يا حاجنا .. ياسالمة سلميهم

راحوا وجولنا بالسلامة

آه يازاير المدينة يا حاجنا .. يا سالمة سلميهم "

وكانت الصحف المصرية تحرص على الإشادة بجهود السلطات فى الأراضى الحجازية عندما تصل القافلة بسلام , ويصل المحمل فى أمان فتمتدح محافظ المدينة المنورة الذى بوجوده تأمن الطرق ويتوارى المعتدون أو تثنى الصحف على ما بذل فى جدة لتأمين طريق الحجاج والمحمل إلى جدة , وكان وصف الاحتفاء بالمحمل جميلا تتعلق به النفوس فكان يصل المحمل المصرى من الوابور " السفينة " فينزل فى جدة تحييه الموسيقى العسكرية , ويقابله رجال الحكومة بالملابس الرسمية فتضرب الخيام فى ضواحى المدينة , وفى المساء تصدح الموسيقى , وتجاوبها الموسيقى العثمانية , والناس يزدحمون آلافا حيث تقام السوق للبيع والشراء ثم يودع المحمل فى الصباح قاصدا مكة المكرمة .

احتفالات عيد الأضحى

وبعد أن يطمئن الناس على وصول الحجاج بالسلامة إلى الأراضى الحجازية كانوا يحتفلون بعيد الأضحى المبارك فبعضهم يشارك الحجاج الواقفين على عرفات بأن يصوم هذا اليوم " يوم الوقفة " , ويعد ذلك من وجوه الخير , وفى صباح العيد كانت تُطلق المدافع وتُعلق الزينات , ويتوجه كبار القوم من الأمراء والعظماء .

والعلماء والأعيان والعُمد والقناصل لرفع فروض التهانى للخديوى فى سراى عابدين , وليسجلوا أسماءهم فى سجل التشريفات , وكانت مواعيد هذه الزيارات تُنشر سلفا فى الصحف بالساعة والدقيقة , كما كانوا يفدون إلى سلاملك حرمه المصون ووالدته فيدرجون أسماءهم فى سجل التشريفات , يعود بعدها الخديوى إلى سراى القبة , وعلى هذا النسق كان يجرى احتفال الأسرة الخديوية بالعيد , أما الناس فقد كانوا دائما مشغولين بقضاياهم وأحوال بلادهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية فلم يكن حديث العيد كله حلوا شائقا لكنه فى كثير من الأحيان كان  نقدا عنيفا قد يعرض صاحبه للمساءلة لدرجة أن أصحاب الرأى كانوا يتخفون أحيانا وراء أسماء مستعارة مثل " زامر الحى " , و" الظهير " , و" الأريب " , و " الرائد " , وكلها كنايات عن صاحب الرأى الصريح , والنقد , حيث يقول المثل السائر : " الرائد لا يكذب أهله " .

أزمة زواج

فى عيد الأضحى عام 1914 كتب " زامر الحى " فى جريدة الأهرام  منتقدا ما تقوم به الحكمدارية من التدقيق والتحقيق مع طالب الزواج , وإجباره على أن يذكر فى طلبه اسم زوجته ووالدها , واسم بلدها وقريتها , وإذا كان لطالب الزواج مورد رزق غير مرتبه أم لا ؟ , ويطالب " زامر الحى " فى مقالته  بعدم حرمان رجال البوليس من الزواج حتى لو كانوا فقراء لأن حرمان فريق من الناس من الزواج أمر مخالف لسنن الطبيعة والعمران , ولا توافق عليه الشرائع والأديان , ويطالب بمساعدتهم فى تربية أولادهم ونسلهم ويبدو أن " زامر الحى " كان يشير إلى سوء الأحوال الاقتصادية فى مصر عام 1914 بعد نشوب الحرب 

العالمية الأولى , والذى كان يدركه كل امرىء فى ذلك الحين لدرجة أن أشهرالمحال التجارية  كانت تعلن فى الصحف عن تخفيضات رغم ارتفاع أثمان كل شىء ,فيعلن محل " أوروزدى باك " , " عمر أفندى", أنه رغم قطع بعض المواصلات , وارتفاع أثمان عموم البضائع , فقد عزم أصحابه على الحفاظ على العادة الشتوية , وهى إقامة أوكازيون بتخفيض عظيم إكراما لعيد الأضحى المبارك .  

عانت مصر من اندلاع الحرب العالمية الأولى فى أوروبا بأسرها , والتى تأثر بها الشرق والغرب , فقد كانت مصر مدينة لأوروبة فى مطلع عام 1914 بمائتين من ملايين الجنيهات , وكان ميعاد الإيفاء قد استحق , ولم يكن القطن دعامة الثروة المصرية أن يفى بهذا الدين , فقد سطت عليه الآفات , وصار الفلاحون يبيعون ما شيتهم التى تقوم عليها رعاية أرضهم ليدفعوا بها ضرائب الحكومة , وصارت الصحف تطالب أولى الرأى من أبناء الأمة لينقذوا مصر والمصريين فى عيد الأضحى من هذه الأزمة الطاحنة فتفجرت الأسئلة والنداءات , أين نواب الأمة العاملين لخيرها ؟ , بل أين سعد حامل لواء الوطنية ؟ , وأين العالم عبد العزيز المتفجرة ينابيع الحكمة على لسانه ؟ , وشعراوى والصوفانى والمكبانى والشريعى والجزار ولطف الله ؟ , يسألونهم  أين أنتم لتقولوا للحكومة إن جباية الأراضى وعدم انتظار المُعسر ذاهب بالأنعام والحرث , لكن كانت الأزمة الاقتصادية مرادفا لمعنى الحرب العالمية الأولى التى لم تكن لمصر فيها ناقة ولاجمل .

ثورة مجتمع مدنى كامل 

ولم يستقر الوضع على هذا النحو بل اختمرت أفكار الثورة , ونبتت جذورها تضرب بأعراقها فى العمق , فكانت ثورة 1919 , تلك الثورة التى مهدت لها تغيرات عديدة فى المجتمع المصرى , وليس من العجيب ولا من المستغرب أن تجرى مثل هذه التحولات فى أيام وليالى عيد الأضحى المبارك عا م 1919 .

فقد تأججت الثورة على المستعمر , اندلعت ثورة مجتمع مدنى كامل فى أيام قلائل , واضطرمت حركة وعى فعمت الإضرابات فى جميع الطبقات الشعبية  والمتوسطة فقام العمال ومنهم عمال الترام يضربون عن العمل ويطالبون بالاعتراف بنقابتهم , ويؤكدون على ضرورة تحقيق مطالبهم بزيادة أجورهم , وكتبة بوليس القاهرة رفعوا إلى حكمدار بوليسهم عريضة يتظلمون فيها من عدم إعطائهم الزيادات المستحقة لهم فى رواتبهم بمقتضى منشور وزارة المالية , وألف باعة الصحف فى الإسكندرية وضواحيها نقابة خاصة بهم , وانتخبوا مجلس إدارتها من بينهم , واجتمعت نقابة تجار " الطرابيش " وأقرت مشروع قانونها , وانتخبت من بينهم أعضاء مجلس إدارتها .

ورفع موظفوالمدارس الأولية إلى رئيس مجلس الوزراء , ووزير المعارف العمومية مظلمتهم لتحسين رواتبهم بما يتفق مع الأحوال المعيشية فى ذلك الحين , وأضرب عمال النقل فى الإسكندرية , وامتد الإضراب ليشمل مستخدمى التجار , وتعطلت الحركة التجارية فى الإسكندرية بسبب ذلك , وامتدت ثورة المجتمع المدنى لتشمل مطالب عمال السكك الحديدية , الذين طالبوا بمساواتهم بإخوانهم فى توزيع الزيادات 

وبدأ إنشاء النقابات , فاتفقت جماعة من المهندسين الذين تلقوا دراستهم فى بلاد الانجليزعلى تأليف نقابة تجمعهم , وتحافظ على مصالحهم الأدبية والمادية , وسرى الوعى فى وجدان جميع الطبقات فأدركوا أن التوحد قوة والتفرق ضعف فتكونت نقابة الدباغين , وتجار الجلود فى القاهرة , واختاروا لرياستها أول نقيب وكان حافظ عباس أفندى التاجر المعروف , وتكونت نقابة الحنطرجية  فألفوا نقابة لهم .

واتفقت كلمة خريجى مدرسة القضاء الشرعى على مطالبة الحكومة بتقدير شهاداتهم , وزيادة رواتبهم أسوة بغيرهم من حملة الشهادات العليا , وطالب حجاب المحاكم والنيابات بزيادة رواتبهم أيضا , وأدت هذه المطالب والتحركات الثورية إلى مهادنة بعض المصالح والجهات الحكومية والالتفات لمطالب الناس الذين نما وعيهم , وإدراكهم  بضرورة الحصول على حقهم والمطالبة به بجرأة وشجاعة .

واستجابت مصلحة البوستة فنشرت منشورا عاما فحواه أن وزارة المواصلات تبحث فى تحسين معيشتهم فلا داعى للتفكير فى الإضراب عن العمل قبل أن يتم هذا البحث ويطلعوا على نتيجته , وقد كان من ضمن مطالب موظفى البريد أيضا : طلب الترخيص بالاستراحة من العمل يوما فى الأسبوع ويومين كاملين فى كل من عيد الفطر وعيد الأضحى والأعياد المسيحية ورأس السنة الهجرية والقبطية والافرنجية .

وكانت الفترة من 27 – 31 أغسطس 1919 , وهى خمسة أيام فقط قبل عيد الأضحى المبارك هى ذروة الانتفاضة والثورة , والمطالبة بالحقوق , وإنشاء النقابات , فكتب " الظهير " فى إحدى الصحف قائلا : " ماذا عساها تصنع الحكومات تجاه النقابات وسائر المصارعات السلمية القائمة اليوم بين الأمم والأنظمة القديمة , أتتصدى لها بحد االأسنة والمترليوس , كما فعلت بحجة إعادة النظام والسكينة , كلا خير لها أن تجيب تلك المطالب , وترفع عن الأمم إصر القديم العتيق من الأنظمة التى أمست بغيضة , وهل يقنع المصرى اليوم أن يحكم بغير مجلس نيابى تام الكلمة , ووزارة مسئولة أمام تلك الهيئة النيابية , وكيف يرضخ لغير طرائق الحق والعدل التى يراها فى تجواله فى أوروبا  ؟ , قد يقبلها بالقوة القاهرة , لكنه لايرضاها بحال من الأحوال مادام يقرأ لوك وفولتير وروسو وهوجو وشكسبير , لقد نادى الوطنيون بالعدل واحترام إرادة الأهلين فكانت أيام عيد الأضحى عام 1919 لها طعم البراكين , ولم ينطفئ جمرها فى العروق بل اشتد أوارها عندما أرسل سعد زغلول برقيته من أمريكا إلى الأهلين يقول سعد :

" وصل إلينا فى باريس فى 29 أغسطس 1919 فى الساعة السادسة والدقيقة 55 , بعد الظهر تلغراف من أمريكا , من لجنة الشيوخ الأمريكى  , يعلن أن لجنة الأمور الخارجية قد قررت أن مصر من الوجهة السياسية غير تابعة لتركيا ولا لانجلترا , وأنها مستقلة بنفسها وأمرها بيدها ".

ولم يكن الأهلون فى مصر فى حاجة إلى قرار مجلس الشيوخ الأمريكى ليعلن استقلال مصر أو تبعيتها فلقد أعلن الشعب ثورته لاهبة فى وجه المستعمر , تعلن فى إصراروعزم شعار الثورة الخالد " الاستقلال التام أو الموت الزؤام " و تعلنها مدوية فتسمع لها الدنيا .

عيد الجهاد

مع هذه الثورة التى تأججت بها المشاعر الوطنية ولدت الأعياد القومية فكان عيد الجهاد  , وصار يوم الثالث عشر من نوفمبر عام 1918 هو تاريخ الاحتفال بهذا العيد , ومع هذا الشعور الوطنى الدفاق امتزج عيد الأضحى رمز التضحية والفداء بعيد الجهاد وكان الوعى بقضية استقلال الوطن هو أكثر القضايا حضورا فى نفوس المصريين , كان طريق النضال طويلا وشاقا , وكانت ثورة 1919 هى المدد النفسى والأفق الروحى لثورة النضال وحتى بعد ربع قرن من الزمان يظل الجذر النابض لهذه الثورة فى النفوس فيأتى عيد الأضحى عام 1945 معانقا عيد الجهاد , وكان سعد زغلول - بعد وفاته – ماثلا  فى عمق الوجدان فبعد ربع قرن من الزمان يذهب المصريون للاحتفال مع سعد زغلول فى مثواه بعيد الأضحى كما يحتفلون فى أيام الأعياد الأولى بزيارة من فقدوا من أعزائهم 

وموتاهم , وقد أصبح هذا التاريخ  : الثالث من نوفمبر 1918 صفحة مشرقة من صفحات تاريخ مصر الحديث  , صحيح أن مصر بدأت جهادها فى سبيل الحرية والاستقلال قبل ذلك التاريخ بعشرات السنين لكن كان هذا التاريخ تتويج لجهود مفعمة بصدق العزيمة واستكمال الاستقلال , ولذا كان المصريون فى عيد الأضحى يجددون العهد لسعد زغلول فى مثواه , ويزورون بيت الأمة لرؤية السيدة الجليلة زوجته " أم المصريين " 

فتجتمع كل طوائف الأمة فى عيد الأضحى الموافق لعيد الجهاد فى بيت الأمة تجتمع الهيئة السعدية , ويحتفل حزب الأحرار الدستوريين , ويتوجه الحزب النسائى إلى بيت الأمة يجددون العهد لبطلهم القومى الراحل سعد زغلول بمواصلة الجهاد لنيل الاستقلال ليكون هذا المناخ الملتهب بقضايا الوطن النهر الذى ينهل منه الناس , وليس صدفة أن يعتقل البوليس فى يوم الجهاد وعيد الأضحى الثوار من الشباب وأن تندلع المظاهرات فى مصر حتى  لتصبح قضايا معارضات الحبس خمسا وستين معارضة فى يوم واحد , وأن يحتشد جمع ضخم من وكلاء نيابة القاهرة فى ليالى العيد لاستيفاء التحقيق فى حوادث المظاهرات , وأن يعتقل بوليس الموسكى وعابدين الشباب الذى يحض على الثورة آنذاك , ويحرض على الجهاد , وليس صدفة أن تندلع الثورة فى شارع فاروق وفى شارع التتويج , وأن يطلق الرصاص من المنازل , وأن تُلقى القذائف , وأن يتم عرض قضايا المظاهرات والمتهمين فيهما على النائب العام ليبرز اسم الشاب كمال أحمد شعبان طالب الفنون الجميلة الذى ضبط فى عابدين , ومعه حقيبة كبيرة وجوال عثر فيها على أكثر من 15 ألف نسخة من منشور يتضمن تحريضا على الثورة , والدعوة للجهاد ضد الانجليز , وقضى الشاب كمال أحمد شعبان أيام العيد محبوسا رهن التحقيق , وآن لنا أن نذكره وهو يكافح من أجل استقلال مصر عام 1945 م مثل غيره من أبنائها أولئك الذين كتبوا بحروف من نور استقلال الوطن .

أعياد القصر !

وفى خضم هذه التضحيات الوطنية , وفى وسط تدفق هذا المد الشعبى من مظاهرات , ومنشورات , وحبس واعتقالات , كانت للقصر أعياده , وللحكومة أعيادها , تلك التى لاتمت بصلة لا لعيد الأضحى ولا لعيد الجهاد , فللقصر أعياد , وللناس أخرى , كان القصر يحتفل بذكرى نجاة الملك فاروق من حادث القصاصين الذى وقع عام 1942 , ذلك فى أول أيام عيد الأضحى عام 1945 , فيوزع الأقمشة والأغذية على بعض المستوصفات بمناسبة  نجاته بينما تنشر الصحف عن عيد الأميرة فريال أو مناسبة مولدها فتقول " الأهرام " : " أخذ قسم رعاية الطفل بوزارة الصحة فى إقامة الاحتفالات , وذلك ابتهاجا بعيد الأميرة فريال .

وبينما ابتهجت صاحبات المجد النبيلات , وعقيلات معالى الوزراء وغيرهن بشراء فرائهن الثمين من محل " قصر الفراء " , ليتحلين به فى حفلة افتتاح البرلمان , وكان صاحب محل الفراء محمود عبد العزيز ناشد الذى استورد هذا الفراء من فيينا وبرلين وأمريكا , بينما كان أصحاب المخابز يتجمعون للشكوى من فداحة ضريبة الربح المفروضة عليهم , وكان وكلاء النيابة يحققون فى حوادث المظاهرات والاعتقالات , ويعلن وكيل محكمة النقض محمد زكى على باشا اعتزاله من منصبه , وقد أشار فى خطاب لوزير العدل إلى أن حالته الصحية لا تساعده فى تحمل أعباء الوظيفة لما تحمله من متاعب مضنية فى السنة القضائية 1944- 1945 " , ولاعجب فقد بلغت قضايا المعارضة خمسا وستين قضية فى يوم واحد .

اعترافات الزعماء فى عيد الأضحى 

فى مثوى سعد زغلول اجتمع رؤساء الأحزاب يوم الأضحى ليحتفلوا بعيد الجهاد فيخطب النحاس باشا مبينا دور وزارة الوفد , وما اضطلعت به من مشروعات الإصلاح وتخفيف الضرائب مبرئا وزارته من التقصير فى توفير الغذاء والكساء للناس  فى خطبة على قبر سعد زغلول , أما مصطفى النحاس فقال : " لقد تولينا الحكم فى أحرج الفترات , والعدو على الأبواب فلم يكن هناك بد من استخدام الأحكام العرفية كارهين مضطرين لكن فى حدود الدستور , ثم ما كان من تسويف الحكومة فى إلغاء الأحكام العرفية , ووقف مصطفى النحاس ليبرىء ساحة الوفد من حادث 4 فبراير 1942 , يوم قبل الحكم على أسنة حراب الانجليز والدبابات تحيط  قصر عابدين لتفرض النحاس بالقوة ليشكل الوزارة , ويظل هذا الحادث نقطة ضعف وخلاف فى تاريخ الوفد فألقى النحاس بالتبعية على خصوم الوفد لأنهم زيفوا إرادة الأمة فى انتخابات 1938 , وظلوا يتعاقبون على الحكم ضد إرادة الشعب حتى أول فبراير 1942 فكانت الحرب قد أدركت البلاد وساد شعور بوجوب التغيير فقال النحاس أنه كان يستجم فى أسوان يقوم برحلة فى النيل ولما بلغ قنا جاء إلى القاهرة وترك أهله هناك على أن يعود إليهم بأول قطار وفى المقابلة الملكية ألقى النحاس بتبعة سوء الأحوال على رجال الانقلاب وفى اليوم التالى وجد النحاس رؤساء الأحزاب ورؤساء الوزراء والبرلمان السابقين مجتمعين بالقصر فأمر الملك  أحمد حسنين ليتلو بيانا يدين خطورة الحال ودعاهم للاتفاق على حل تصان به مصالح البلاد وكرامته ويقول النحاس : " وهنا فقط تبينت أن هناك إنذارا بريطانيا تطلب فيه تشكيل وزارة يرضى عنها " الوفد " ورئيسه , وكأن النحاس لم يكن يعلم أن الدبابات تحيط بالقصر فيقول : حدد ميعادا قصيرا للرد فأبديت دهشتى لهذه المفاجأة وأعربت عن شديد أسفى لهذا التدخل البريطانى ومع ذلك فقد رفض النحاس تشكيل وزارة ائتلاف وأصر على تشكيل الوزارة منفردا وهنا فقط تراجعت دبابات الانجليز , ويبرىء النحاس ساحته قائلا : قمت بتشكيل الوزارة لما يهدد البلاد من أضرار جسام فلم أخط خطوة واحدة فى تشكيل الوزارة إلا بعد أن قابلت السفير البريطانى محتجا على التدخل البريطانى وعلى إقحام اسمى فى الإنذار فأجابه السفير الانجليزى بأنه لم يتدخل لتعيين النحاس كشخص بعينه ولم يكن ليفعل ذلك لكن دولته فى حرب حياة أو موت وهى حريصة على استقرار الأمر فى مصر حتى لا تطعن فى ظهرها وقد لوحظ أن كثيرا من العناصر الضارة تعمل على تسميم العلاقات بين البلدين فلم يكن بد من الرجوع للشعب المصرى وهذا ما رمى إليه الإنذار وتبقى حقيقة أن النحاس كممثل للوفد قبل الحكم على أسنة حراب الانجليز , ولم يستطع أن يمحو أثر الإنذار البريطانى فقد ظل وصمة حقيقية , قال النحاس أنه  تمسك بتبادل كتابين بين السفارة والوزارة يمحوان أثر الإنذار البريطانى لكن كيف يمحو النحاس ما سجله التاريخ ؟ .

ومن كان يقبل كلام السفير البريطانى وقتها عندما قال " إن العناصر الضارة تعمل على تسميم العلاقات بين البلدين ؟ , وكيف رجع الانجليز لرأى الشعب المصرى ؟ , ومتى منحه المستعمر حق تقرير المصير ؟ !

كان عيد الأضحى  عام 1945 هو العيد الذى شهد اعترافات النحاس على قبر سعد زغلول لتفتح الاعترافات جرحا فى ذاكرة الوطن فقد تولى فيه أكثر الأحزاب شعبية الحكم على أسنة حراب الانجليز , ولعل ذلك يشير إلى حال الأحزاب السياسية قبل ثورة 1952 , وكيف كانت تسعى وتتنافس للوصول إلى الحكم بأى وسيلة وأى سبيل  , ومع ثورة يوليو عام 1952 تحقق لأول مرة الحلم بالاستقلال , وجاء إلى الحكم أناس من قلب النسيج الاجتماعى والنفسى للقاعدة العريضة من الجماهير , من الطبقة المتوسطة وهنا تبدأ فصول جديدة فى قصة الكفاح الوطنى وصراعات جديدة حافلة بالتحدى , إنها بعض الأحداث المهمة التى ارتبطت بعيد الأضحى على مر العصور  , العيد الذى ظل دائما عيدا للتضحية والفداء , ولايزال مصدرا ثرا لدراسات المؤرخين والباحثين .

 





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

الشهادات الثلاثية

كرة اليد

القدس عربية
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

اعلان آي سكور

بنك قناة السويس

اعلان البركة