بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

19 اغسطس 2019 - 32 : 7   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

(النصف غير الآخر) .. من أجل ابني

14 اغسطس 2019



سامية صادق
بقلم : سامية صادق

ألمحها من بعيد ...لكنني مازلت غير متاكدة تماما أنها هي...كانت مشغولة بالزبائن الذين يقفون في طابور ليدفعوا أثمان ما أخذوه من بضائع في محلات (وول مارت) الشهيرة بنيويورك حيث كانت تجلس على  الكاشير!!!

أقترب منها لاتأكد أكثر ...أنها هي بالفعل صديقتي المحامية ...نعم هي بملامحها البريئة وبعينيها الواسعتين وبالغمازتين الجميلتين اللتين يزيدانها جاذبية وخفة دم حين تبتسم ...ترى ما الذي أتى بها إلى أمريكا؟!

أجد عيني لا تفارقها منذ أن رأيتها ...وأقف في الطابور لأدفع الحساب ... دقائق قليلة وأكون أمامها وجها لوجه

ولكن من الصعب أن أتحدث معها في أوقات العمل الرسمية فهذا ممنوع بأمريكا ...حتى الرد على التليفونات غير مسموح به أثناء ساعات العمل ولذلك يكون التعامل  بالرسائل فقط!!
سأكتب لها رقم تليفوني وأدسه في يدها أثناء دفع حساب مشترياتي!!!
أشعر أن الطابور يسير ببطء فأنا أتعجل الوصول إليها.

وتمر اللحظات ثقيلة إلى أن أجدني أقف قبالتها  ...أبتسم لها ...ترد ابتسامتي ولكن هناك مسحة حزن لا تفارق وجهها وتنعكس على ابتسامتها!!
أمد يدي (بكارت الفيزا) ومعه ورقة تحمل رقم تليفوني ...تنظر في الورقة وتبتسم وهي تضمني بعينيها وتهز رأسها ... ثم تضع البطاقة بالماكينة وأدفع الحساب  وقبل انصرافي 
تقول بصوت خفيض هامس:

سأتصل بك اليوم

وأنصرف وصورتها وهي على مقعد الكاشير لا تفارق خيالي!!
لقد تعرفت عليها  في نقابة المحامين حين كانت فتاة صغيرة حديثة التخرج  وكانت وجها
 لامعا هناك وعضوا نقابيا نشطا تقود المؤتمرات الشبابية وتشارك في الوقفات الاحتجاجية...حتى أن رؤيتها جعلتني أستعيد  صوتها العذب في المظاهرات التي قامت ضد الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣  حين كانت  تهتف بشجن :

(في العراق الحبيب طفل مش لاقي الحليب)
(النهاردة في العراق بكرة الضرب في الوراق)
(قولوا لحاكم مصر وسوريا أمريكا بتخاف من كوريا)
والمدهش أنني بعد أن أغادر المظاهرة يظل هتافها  يتردد في أذني طوال اليوم!! 

كما كانت تتدرب بمكتب أحد المحامين الكبار في مصر والذي كان يعتمد عليها في القضايا المهمة حتى أنها كثيرا ما عانت من غيرة زملائها وحقدهم عليها ...وكم من شباب حاولوا التقرب منها وكسب ودها ولكنها كانت تركز أكثر في عملها وطموحاتها كمحامية وتحلم أن تفتح مكتبا خاصا بها.
والآن تعمل مي بائعة في محلات (وول مارت) بنيويورك!!
وفي مساء نفس اليوم أتلقى مكالمة تليفونية منها

ليحتضنني صوتها الرقيق الدافئ ...لا أعلم لماذا دمعت عيناي حين سمعت صوتها ...ربما لأنها لها مكانة خاصة في قلبي  فأشعر بأنها شديدة الشبه بي ليس في ملامحها ولكن في شخصيتها... أنها توأم شخصيتي أنها مثلي تماما...أنها( كل حاجة وعكسها)...قوية وضعيفة...متمردة ومسالمة...عملية وحالمة...جادة وعاطفية.
وتتوطد  علاقتي بها في أمريكا ... وتحكي لي تفاصيل حياتها:
فتقول بنبرة يشوبها الألم:

لم يمهلني  القدر لأسير على الخطى الذي رسمتها لنفسي أو أحقق ذاتي كمحامية عاشقة لمهنتها ...ففي الوقت الذي بدأت فيه أخطو  أول خطوة في طريق  حلمي الحقيقي في أن يكون لدي مكتب خاص يعلوه يافطة كبيرة تحمل إسمي بالبونط العريض..تلعب الأقدار لعبتها معي  ولم يكتمل الحلم كسائر أحلامي!!...فبعد أن قمت بإستئجار مكتب وتجهيزه تمرض أمي قبيل الإفتتاح بأيام قليلة  مرضا شديدا يقعدها الفراش ولم تعد تسطيع الحركة.. وكان أخي الوحيد مهاجرا لأمريكا وقد تزوج هناك  وأنجب...وصارت أمي مسئوليتي وحدي بل مسئوليتي المحببة...فتركت  المكتب قبل أن يبدأ ...وأرجأت أحلامي إلى أجل غير مسمى  لحين شفائها.. وتفرغت لأغلى إنسانة  في الوجود  حتى أنني رفضت عرض اخي أن أحضر لها ممرضة مقيمة وأنه من سيقوم بدفع راتبها...وكنت أتمنى أن تظل أمي طوال العمر بجواري حية  حتى لو بقيت على حالها  مدى الحياة  راقدة بلا حركة أو كلام .. كنت سأخدمها بعيني وقلبي وروحي وأنا راضية كل الرضى ....لم أكن أتصور فكرة فراقها أبدا!!

ولكنها ماتت ...نعم ماتت أمي لتتركني وحيدة  بلا ظهر بلا سند بلا حب ...وشعرت أن الدنيا ماتت معها حتى أنني مرضت وتم نقلي للمستشفى ...وأتصل بي أخي يخبرني أنه أرسل لي دعوة زيارة ويحثني أن أذهب للسفارة الأمريكية لإستكمال بقية إجراءات السفر وتحديد موعد للمقابلة من أجل الحصول على التأشيرة...وبالفعل منحتني السفارة تأشيرة خمس سنوات.

وسافرت لأخي الذي يعيش بولاية فرجينيا...كان متزوجا من سيدة مصرية إلتقى بها هناك ولديه منها ثلاثة أبناء... كما كانت تعيش معهم إبنة زوجته من زوجها الثاني ...لقد كان أخي زوجها الثالث...لم ترحب بي منذ اليوم الأول لوصولي...فكنت أشعر بكثير من الحرج مما جعلني أفكر في العودة لمصر بعد وصولي بأقل من أسبوع لولا إصرار أخي على بقائي!!  
وفي هذا التوقيت أخبرني أخي أنه قد احضرني من مصر خصيصا كي يزوجني وظل يقنعني بضرورة الزواج وتكوين أسرة وخاصة أن العمر يجري ...ووجدت أنه كان على حق فكنت أيامها قد اوشكت على الخامسة والثلاثين من العمر ..  وأحلم بالأمومة مثل كل النساء...وتزوجت من صديقه المصري الذي كان يمتلك مطعم بيتزا صغيرا في فيرجينيا ...تنازلت عن أحلامي في الحب وفي العمل من أجل أن أحقق أمومتي ...وكنت أساعده في المطعم وأقوم بتقديم الطعام للزبائن حتى أثناء الحمل  ...فلقد 

لقد حملت بسرعة ...وبعد تسعة أشهر  من الزواج أنجبت إبني الوحيد .

ثم تتوقف صديقتي عن الكلام وتدخل في موجة من البكاء!!

حتى أنني انزعجت كثيرا من أجلها وظللت أسألها:

مابك؟! ماذا حدث؟!

وتستكمل من بين دموعها:

كان ابني هو كل حياتي هو النسمة الباردة التي تهون علي قسوة الحياة التي أعيشها مع هذا الزوج البخيل  القاسي الذي  لا يملك أية مشاعر إنسانية ولا يفهم في أي شئ سوى أن يكنز المال...ولكنه كان متعلقا بابننا مثلي ربما يكون هذا هو الشئ الوحيد المشترك الذي يجمع بيننا ...ويكبر وحيدي وتكبر فرحتي به ويلتحق بالمدرسة أنه بالصف الأول الإبتدائي.. وتقوى قدرتي على تحمل أباه من أجله...أنه متعلقا أيضا بأبيه جدا ومهما كانت تعاستي لا يمكنني أن أحرمه منه ....أن إبني الجميل يستحق أن أتحمل كل سخافات أبيه من أجله!!!

ويفاجئني زوجي بما لم أكن  أتوقعه أو يأتي  ببالي للحظة!!....لقد رفع قضية طلاق أمام المحاكم الأمريكية وطلب بضم إبني له مدعيا أنني أسئ معاملة الطفل وأضربه وأستخدم العنف معه.

والمدهش أن المحكمة حكمت لصالحه فطلقتني وأعطته ابني ومنعتني من رؤيته  معللة أنني أقوم بضربه وأسبب له أذى نفسيا وبدنيا وغير أمينة عليه!!!

وكانت مي تتوقف من حين لآخر وهي تقص حكايتها بوصلات طويلة من البكاء.

وأسألها وأنا لا أستطيع أن أخفي دهشتي مما أسمعه:

وهل كنت تضربين طفلك فعلا؟!

تقول وهي لاتزال تنتحب:

كيف تعتقدين ذلك إنه الهواء الذي أتنفسه...إنه كل شئ في حياتي إنه نور عيني ونبض قلبي.

أقول في حيرة:

لماذا اتهمك زوجك إذن بذلك؟! وكيف صدقته المحكمة؟!

تقول وهي لا زالت تذرف دموعها:

إن زوجي الوضيغ استغل القانون الأمريكي الذي يجرم ضرب الأطفال وكان يقوم بتصويرى صوت وصورة  أثناء تعاملاتي مع إبني!!!

فبعدما بدأ  يكبر ويعي ...بدأت أوجهه وأعمل على تقويم  سلوكياته .. فلو فعل شئ خطأ يمكن أن أضربه على يده ...أو أصفعه صفعة خفيفة على وجهه بحيث لا يكرر الخطأ ...فكان زوجي يسجل مثل تلك المواقف التي إستخدمت فيها الضرب الخفيف كوسيلة للتربية دون علمي ...يبدو أنه كان يبيت النية للطلاق وأخذ الولد مني وبدأ يخطط لذلك  دون أن أدري أو ألاحظ شئ!!وقدم زوجي الفيديوهات التي صورها  للمحكمة التي بدورها  جرمت ذلك الفعل

وأصدرت حكمها القاسي بضم إبني لأبيه وحرماني من رؤيته!!!

ثم تجهش صديقتي ببكاء طويل لا ينقطع  وهي تقول:

سأظل في أمريكا حتى آراه ولو من بعيد أنه بالصف الأول الإبتدائي الآن وأذهب إلى المدرسة لألمحه أثناء الدخول والخروج ...حتى حين انتقل أباه من فرجينيا لنيويورك جئت وراءه أيضا  وتركت عملي كمدرسة بفرجينيا  لأعمل كاشير بنيويورك ...المهم أن أكون قريبة من المكان الذي يعيش فيه ابني...وأظل أراه ولو من بعيد!!!
 





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

انجازات في المحافظات

لبيك اللهم لبيك

العدالة الاجتماعية

Rosa TV
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

المعهد العالي للغات بالمنيا

تطوير مصر

اعلان مراتب سوفت