بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

21 نوفمبر 2019 - 44 : 18   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

أوهام دولة الخلافة وضرورات تغيير الخطاب الديني

22 اكتوبر 2019



علي الفاتح
بقلم : علي الفاتح

بات علينا مواجهة أنفسنا بحقيقة ما نريده من الخطاب الديني، فربما كان مصطلح التجديد مراوغًا بحيث لا يقودنا إلى الهدف المنشود والغاية التي نقصدها من ورائه.

تغيير الخطاب الديني، قد يكون المصطلح الأكثر دقة وتعبيرًا عن حاجة مجتمعاتنا، وقبل أن ينبري أحدهم للقول إن التغيير قد يستهدف أركان الدين وأصوله، نؤكد أن المعني بالتغيير الخطاب الديني وليس الدين بحد ذاته، ذلك أن الخطاب الديني نتاج لموروث تاريخي وثقافي واجتماعي وفقهي قديم.

إعلان أغلب ما تسمى "تيارات الإسلام السياسي" التأييد والدعم للعدوان التركي على الأراضي السورية، وصمتُ بعضها، مناسبة هذا الحديث، فهم يرون في العدوان التركي جهدًا محمودًا يبذله رجب طيب أردوغان، لإقامة دولة الخلافة، وإن كان هذا الموقف مقصورًا على تلك الجماعات، إلا أن فكرة دولة الخلافة لا تزال تجد من يؤمن بها، ويحلم بإقامتها بين غالبية المسلمين المتدينين، لما اكتسبته هذه الفكرة من قداسة دينية تصل عند البعض إلى حد العقيدة.

غالبية رجال الدين- الموصوفون بالاعتدال وحتى المعروفون بمحاربة التطرف الديني- يساهمون في إعطاء فكرة دولة الخلافة تلك القداسة، وبل يروجون إلى أنها الهدف والمبتغى، الذي سيتحقق حتمًا في نهاية الزمان، وهذا ما يعتبره كثير من المسلمين جزءًا من عقيدتهم.

ربما كان علينا أن نتحلى بقدر أكبر من الشجاعة والجرأة لمواجهة أنفسنا بأننا لم نفعل ما ينبغي لدحض هذه الفكرة، وكشف حقيقة أن دولة الخلافة لم تكن سوى شكل من أشكال النظام السياسي الذي تعارفت عليه الشعوب والأمم، وأنها بالواقع الترجمة السياسية لمصطلح الإمبراطورية، فلم تكن الدولة الإسلامية التي نشأت على أنقاض إمبراطورية الروم والفرس إلا إمبراطورية جديدة، نجح العرب في إقامتها بعد أن وحد الإسلام قبائل جزيرتهم.

ورغم تطور النظم السياسية في العالم، ونشوء الدولة الوطنية الحديثة، إلا أن فكرة دولة الخلافة لم تبرح العقل العربي والمسلم وتظل الفكرة الأكثر جاذبية، التي تنجح كل جماعة دينية بفضلها في تجنيد وجذب المزيد من المؤيدين والداعمين والمتعاطفين.

ولا توجد جماعة إسلامية واحدة إلا وقامت على أساس هذه الفكرة، بدءًا من جماعة الإخوان الإرهابية وصولًا إلى تنظيم "داعش"، المعروف بتنظيم الدولة الإسلامية، وبالطبع تندرج تحت دولة الخلافة العديد من الأفكار والتصورات لشكل وأسلوب الحكم ونمط الحياة، ناهيك عن الهوية والانتماء، ورغم رفض أغلبنا لما شهدناه من ممارسات تنظيم "داعش" في المدن التي كان قد سيطر عليها في سوريا والعراق، من جلد وبتر للأطراف وقطع للرقاب بالسيوف، ناهيك عن سبي النساء، إلا أن معظمنا لا يستطيع مناقشة فكرة أن تلك الجرائم إنما كانت ترتكب تحت مظلة تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة حدود الله، وما زال أغلبنا يحلم بالدولة التي تطبق تلك الحدود بنفس تلك الصورة.

ليس هذا هو التشوه الوحيد بداخل أغلب مجتمعاتنا، فثمة تشوه آخر لا يزال أغلب رجال الدين ومن يعرفون بـ"الدعاة الجدد" يدرسونه كل يوم، وهو ما يتعلق بقضية الهوية والانتماء، فرغم أن الدولة الوطنية الحديثة تأسست على قاعدة المواطنة- أي أن الهوية والانتماء الأول والأخير للوطن دون سواه، وهو ما يجمع اتباع كل الديانات مهما اختلفت وتنوعت، بما في ذلك الديانات الأرضية المتواجدة ببعض الدول- إلا أننا نجد غالبية رجال الدين يعززون فكرة أن الإسلام هو الهوية والانتماء الأساسي، مع أن الإسلام في نهاية الأمر عقيدة شخصية للأفراد المواطنين، وليس عقيدة لكيان الدولة المؤسسية التي من المفترض أن تكون المظلة الحامية للوطن الذي يضم الجميع في نسيج واحد، لذلك يصدر جواز السفر بجنسية المواطن لا بديانته.

لم تكن مقولة المرشد العام السابق لجماعة الإخوان الإرهابية محمد مهدي عاكف الشهيرة "طظ في مصر والمصريين ومفيش مشكلة يحكمنا مسلم ماليزي"، والتي انفردت جريدة "روزاليوسف"، بنشرها قبل نحو عشر سنوات في حوار شهير أجراه حينها الكاتب الصحفي "سعيد شعيب"؛ المظهر الوحيد لتكريس تشويه الهوية والانتماء لدى المصريين، فقد تعرض شعيب إلى هجوم حاد من معظم الكتاب السياسيين اليساريين حينها، لفضحه حقيقة فكر جماعة الإخوان، فهؤلاء من صمتوا طويلًا عن مواجهة هذه التشوهات، بحجة أن جماعة الإخوان فصيل سياسي مضطهد، ناهيك عن دخولهم في تحالفات عدة مع تلك الجماعة المأفونة، سواء في زمن نظام الرئيس الأسبق "حسني مبارك"، أو ما بعد أحداث يناير 2011 وحتى الآن.

أضف إلى ذلك خطاب أغلب رجال الدين والدعاة، فعندما يتحدثون في القضايا الوطنية والقومية الكبرى يوجهون خطابهم إلى المواطن المسلم دون غيره، وهو ما يعزز فكرة أن الهوية والانتماء الأول للدين دون غيره، مع أن الأحرى بهم توجيه خطابهم لعموم الأمة المصرية، طالما الحديث يتعلق بإحدى القضايا الوطنية أو القومية الكبرى.

هنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان أول رئيس مصري يتبنى وبوضوح قضية تجديد الخطاب الديني، منذ إعلان ترشحه للرئاسة لولايته الأولى عام 2014، ورغم ما طرحه من أفكار جريئة خشي كثير من المثقفين طرحها في العلن، إلا أن مبادرته لم تجد الاستجابة المفترضة من المثقفين والسياسيين، وبدلًا من التفاعل معها كما كان متوقعًا، إلا أنهم أداروا ظهورهم لها، فحين صمتت الجماعات الثقافية والأحزاب السياسية المعروف عنها دعم دولة الثلاثين من يونيو، وأحجمت ولو عن إصدار بيانات تعلن عبرها موقفها من هذه القضية؛ وجدنا أحزابًا وحركات يسارية وليبرالية تدخل في تحالفات شيطانية مع جماعة الإرهاب، وفي المقابل يراوغ اغلب رجال الدين في التفاعل مع هذه المبادرة، وهي المراوغة التي نكتشفها على لسان الرئيس في عدة مناسبات آخرها مؤتمر الشباب الثامن، عندما قال "للأسف رجال الدين ما زالوا لا يشعرون بأن هناك مشكلة بسبب الخطاب الذي يتبنونه".

مراوغة رجال الدين تكمن في التلاعب في تعريف مصطلح التجديد، فأغلبهم يُعرفون تجديد الخطاب الديني باعتباره إحياء الفقه القديم بكل ما فيه من شوائب وعيوب دون نقده أو تفنيده، وهذا ما تكشف عنه معظم المؤتمرات والندوات، التي أقامتها المؤسسات الدينية، تحت عنوان "تجديد الخطاب الديني".

لذلك قد نحتاج إلى إعادة صياغة المبادرة لاستبدال مصطلح "التغيير" بـ"التجديد"، الذي يبدأ بنقد وتفتيت العديد من الأفكار والمصطلحات والمفاهيم الموروثة وفي القلب منها قضية الهوية والانتماء وعلاقة الدين بالدولة والشأن العام، ولمن لا يعرف هناك رجال دين وقفوا ضد حكم جماعة الإرهاب ومعروف عنهم الاستنارة والوعي، ومع ذلك لا يزالون يرون أن من أحد أهم أدوار رجل الدين أن يكون همزة الوصل بين الرئيس وشعبه ينقلون إليه همومه وأحلامه، متجاهلين أن الزمن قد تجاوز هذه العلاقة، التي ربما كانت صالحة في زمن الخليفة أو أمير المؤمنين وصارت مجرد موروث لا نحتفي به في عصر دولة المؤسسات، التي يعمل فيها الرئيس إلى جانب البرلمان والقضاء، تحت مظلة الدستور والقانون الذي ينظم العلاقة بين تلك المؤسسات وبين المواطن والدولة.

قد يكون أكثر ما نحتاجه أن يقتصر عمل رجل الدين على دروس الوعظ والتوعية بأمور العقيدة والعبادات، وألا يقدم على الحديث في الشأن العام، طالما كان داخل مسجده أو يطل من خلال شاشة لبرنامج ديني ليكن ما لله لله وما لقيصر لقيصر.





التعليقات



اخر مقالات للكاتب

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

مهرجان القاهرة

بنك

الشهادات الثلاثية

مركز الأشعة التداخلية

شركة تطوير مصر

شركات مجموعة سعد الدين

بنك الامارات دبي الوطني

الشائعات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

شركة Property

المنتخب الاولمبي

بنك قناة السويس

اعلان البركة