بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

23 اكتوبر 2017 - 12 : 15   Facebook twitter Youtube  RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

البنك العربي الافريقي الدولي
المونديال

محمد وليد بركات يكتب : نحو استراتيجية اتصالية متكاملة للدولة المصرية

24 مايو 2017 - 2 : 19




شغلتنا في الأسابيع وربما الشهور الماضية قضايا مثل ضبط الخطاب الإعلامي، وتجديد الخطاب الديني، وتطوير التعليم، والارتقاء بالمستوى الفني، وهي أمور بالغة الأهمية، وفي كتابه المتميز (مستقبل الثقافة في مصر) ناقش الدكتور طه حسين كل تلك القضايا، عالج مشكلات التعليم في المدارس والجامعات، والخطاب الديني الإسلامي والمسيحي، والصحافة والراديو (لم يكن الإعلام عام 1939 بشكله الحالي)، والفنون بأنواعها، وشرح كيف أن كل تلك المنظومة الاتصالية تسهم في صياغة العقل المصري، وتشترك في تكوين هويته وثقافته، والطريف أن المشكلات التي عالجها عميد الأدب العربي في كتابه تتشابه إلى حد بعيد مع مشكلاتنا الراهنة، وكأن عجلة الزمن لم تدر، فأصبحنا فيما بتنا فيه.

وقد شدد الرئيس السيسي، رئيس الجمهورية، على مسألة تجديد الخطاب الديني عدة مرات، وهاجم الانفلات الإعلامي في أكثر من مناسبة، كما أن ثمة جهود – أقل مما يجب – على طريق إصلاح التعليم وتطويره، وقد انعقدت لكل تلك الأهداف عشرات الندوات والمؤتمرات، العلمية وغير العلمية، الرسمية وغير الرسمية، وكثرما سمعنا ضجيجا وقلما وجدنا طحنا!

غالبا ما تخرج تلك المجالس بتوصيات ومقترحات، تشدد على أهمية الإصلاح والتجديد والتطوير، وتدعو الجهات المعنية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة، وتقدم أحيانا بعض آليات التنفيذ، قد تكون واقعية أو لا تكون.

الملفت للنظر أيضا أن أحدا – في حدود ما أعرف- لم يتنبه إلى الرابط بين (التعليم، والإعلام، والخطاب الديني، والفن)، وهو أن كل منهم عملية اتصال، أي انتقال للمعلومات والمعارف والآراء والأفكار من طرف إلى آخر، عبر وسيلة ما، بلغة ما، علما بأن طرفي تلك العملية قد يتبادلان دوري المرسل والمستقبل، وعادة ما يتم خلال تلك العملية انتقال القيم واكتساب المهارات والسلوكيات ضمنيا، فالمعلم، والإعلامي، والواعظ أو الداعية، والفنان، كل منهم ينقل المعلومات والمعارف والآراء والرؤى والقيم والأفكار إلى جمهوره من الطلاب، أو المشاهدين والمستمعين والقراء، أو المصلين، أو غيرهم.

إذن نحن أمام أشياء متقاربة جدا، بل إن وجه التشابه الأساسي بينها أنها جميعا تستخدم (وسائل الاتصال الجماهيري)، التي جرت العادة على تسميتها (وسائل الإعلام)، رغم أن الاسم الأول هو الأدق؛ ذلك لأن الخطاب الديني يوظفها في نقل خطبة الجمعة والبرامج الدينية، بل يجعل بعضها قنوات أو صحف أو مواقع انترنت دينية متخصصة، والفن يقدم من خلالها الفيلم والمسلسل والمسرحية والأغنية والموسيقى واللوحة والصورة، والتعليم يشرح من خلالها الدروس ويقدم البرامج التعليمية للطلاب، وبالتأكيد يأتي استخدامها في بث الأخبار في صدارة هذه الاستخدامات جميعا.

فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كنا في عصر زاحمت فيه الصورة -ولاسيما المتحركة- غيرها من المثيرات الحسية فغلبتها في كثير من الأحيان، وإذا كنا في عصر تهرب فيه قطاعات واسعة من الجمهور من رتابة الكلمة إلى حيوية الصورة، ومن نمطية التليفزيون إلى تنوعات الانترنت، فلماذا لا يستفيد (التعليم، والخطاب الديني، والفن) من تلك الوسائل إذا اعتبرنا أن كل منهم هدف من أهداف الاتصال، يمكن توظيف كافة وسائل الاتصال لتحقيقه؟ ولماذا لا يتم تحميل المواد التعليمية على هيئة أفلام وأغنيات وبرامج تعليمية تفاعلية على الانترنت على قناة رسمية على موقع يوتيوب لوزارة التربية والتعليم؟ ولماذا لا يستخدم الفن الراقي في خدمة التعليم؟ ولماذا لا يتم توظيف شبكات التواصل الاجتماعي في الدعوة الدينية الرشيدة؟ ولماذا لا يتم تدريب الدعاة والمعلمين على استخدام وسائل الاتصال الحديثة لخدمة ما يقومون به ويعملون من أجله؟ ولماذا لا يكون هناك برامج ومواقع تقدم القيم الأخلاقية المشتركة بين الأديان والشعوب لترسخ ثقافة قبول الآخر والتعايش السلمي المشترك؟ ولماذا لا نضرب المثل والقدوة الحسنة في الحوار الراقي والنقاش البناء بلغة مهذبة، بعيدا عن اللغط والصراخ والاتهامات والابتذال والسباب،  خلال تقديم كل هذه القيم النبيلة؟

يتبقى أمر وحيد تجدر الإشارة إليه، وهو مسألة انحدار الذوق العام للجمهور، وبحثه عما يروج القيم السلبية، أو يُقَدَّم بلغة هابطة، أو يشجع على الإثارة السياسية أو الجنسية، وعلاج هذه المشكلة في أمرين، الأول أن يعمل التعليم على تنمية العقل النقدي لدى الأطفال منذ نعومة أظفارهم، فينشأون على التمييز بين الغث والثمين، والصالح والطالح، وربما يتحقق ذلك باستحداث مواد دراسية كالتربية الإعلامية، وتعميم تدريس علم (المنطق) ولاسيما في المراحل الدراسية المبكرة، الأمر الآخر هو دعم الدولة لإنتاج الفن الراقي وتوزيعه وعرضه، مما يشجع القائمين عليه وييسر أمامهم الطريق، ويذلل العقبات.

كما تجدر الإشارة إلى أن القائمين على التعليم، والخطاب الديني، وبعض أنواع الفنون يستخدمون الاتصال الشخصي جنبا إلى جنب مع الاتصال الجماهيري، مما يتطلب تدريبهم على مهارات الاتصال الفعّال، القراءة والكتابة والعرض والإنصات، وإحداث التكامل بين نوعي الاتصال الشخصي والجماهيري.

وبذلك يمكننا القول أن منظومة الاتصال بالجماهير في مصر في أمسّ الحاجة إلى توحيد جهودها، وتحقيق التكامل فيما بينها، في حاجة إلى وجود "مايسترو" يقود "الأوركسترا" حتى لا يبدو اللحن نشاذا كما هو الحال الآن، ولا يعني ذلك القضاء على التنوع أو المساس بحرية التعبير، وإنما وضع أهداف عُليا لا نختلف حولها؛ لتمثل "البوصلة" التي توجه (منظومة الاتصال بالجماهير)، وتساعدها في وضع أجندة موضوعاتها وقضاياها، وهي إعلاء قيم التفكير العلمي والمنطقي، والحفاظ على الهوية المصرية بما تشمله من لغة وقيم وعادات وتقاليد إيجابية، واحترام القانون وسيادته، وحماية مصالح الدولة الخارجية ودوائر أمنها القومي في محيطها العربي والإفريقي والدولي، ودعم أهداف التنمية في القضاء على الفقر والجوع، وتوفير الصحة والتعليم، والمرافق والطاقة بأسعار معقولة، والعمل اللائق والنمو الاقتصاي، والسلام والعدل والبيئة النظيفة وغيرها.

 







التعليقات



سيعجبك أيضاً

انتصارات اكتوبر
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك
  • احدث المقالات
  • الاكثر قراءه
كينج إم

مستشفي جلوبال كير