بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

28 يونيو 2017 - 54 : 15   Facebook   Youtube  RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير التنفيذي
عبد الجواد ابوكب
البنك العربي الافريقي الدولي

مجدي محفوظ يكتب : ايزادورا

12 يونيو 2017 - 47 : 22



لم أكن ادرك كل هذا الإحساس عندما شاهدتها للوهلة الأولي , منذ أربعين عاماً مضت علي زيارتها , نقش في ذاكراتي كل ما شاهدته من حولي , باًحثاً عن أسرارها وحكايتها التي شغلت الكثير لتفتح نوافذها للباحثين والكتاب والمحبين في كل مكان , جدران مقبرتها يحكي نبض قلبها وعشقها الأول .

اقتربت منها وبخطى سريعة لاستمع إلي من يسردون هذه الملحمة العظيمة ليبوح الصمت من ذاكرة التاريخ في مقبرتها التي لم يتبقى منها إلا قصة عشق ابديه , وجسد مسجي في انتظار الحبيب , حالة من الترقب والدهشة حينما تطأ قدماك مرقدها , فيأخذك الخيال لماضي بعيد وفاجعة أب مكلوم على فقد صغيرته , يتجرع الآم الفراق الأبدي , من أجل فوارق البني الاجتماعية وهواجس العظمة , لكن الحب لا يعرف الفوارق الاجتماعية , لتتمرد وتحتج وتكتب نهايتها لتترك (حابي ) يكتوي بالأم الفراق .

لتسبح ( أيزادورا وحابي ) في حب لا نهائي ومجهول جميل وحكايات تولد من رحم الحب , أسطورة حب ابدية سبقت كل قصص العشاق في العالم اجمع , ليبقي هذا الجسد المحب للحياة شاهداً علي قصتهما , ويتجمع من حوله العرافون والكهنة ليكون خالداً خلود الدهر , ليقول للجميع من مصر كانت ومازالت الحياة والحب معاً .

وحين جلست للاستماع لقصتها ممن حفظوا تاريخيها تواتراً اباً عن جد ليردد الأحفاد صدي حكايتها في الصحراء , فتنشر ريحاً ونسمة باردة على رمالها , شغلتني الحكايات والاسئلة وأصابني الارتباك , هل هو عشق ينبض في قلبي ولد في جوف رمال صحراء (تونة الجبل ) بكل أسرارها , أم هي تعاويذ سحرية لكاهن يرسل تعاويذه لمن يقدم اليها , الكثير من الحكايات والقصص تراودك في مقبرتها ذات الطابع الهندسي المميز , وبصرك شاخصاً للأفق , ويداك مبسوطتان علي تابوتها العجيب , ملحمة عشق شعرية بهرت الجميع لأكثر من الفين عام مضت , وها أنا أعيش في عالمي اللانهائي مع ايزادورا , ابداع مغاير يقتنص منك الفكرة , وأنت في دهشة مما تشاهد , في عالم مجهول أنه عالم ( ايزادوا وحابي ) الذى لم ولن يمح الزمن منه شئياً , كأنه أراد أن يخلد هذا الحب .

و بوجه مبتسم متشوق لرؤية الحبيب , الذي مازال في انتظاره وسيظل مهما طال الزمان ترقد ايزادورا في تابوتها الخشبي .

كلما ابتعدت عنها يراودني إحساس اللقاء بها , فلا أدري بنفسي الا أمام تابوتها لأضع راحتي عليه لالتمس كفها , وأشدد من أزرها , فينتابني أحساس غريب تجاه هذا الجسد وهو في حالة من الترقب والانتظار , فتخترق نظراتي قلبها وتصير اليقظة خيال , فهل أنا ولهان بها (كحابي ) وغيره ممن عشقوها , لأترك احزاني وأناي بعيداً عنها , ليبقي في مخيلتي قلب مازال ينبض بالحب , من الأف السنين .

ايزادوا : أيتها العاشقة الساحرة في جمالها , دعيني أسجل لحظة إعجاب بك , وأخرجي من تابوتك الزجاجي , وتحدثي وأحلمى فليس في الأحلام خطيئة , رددى أغاني الحب في آذان العشاق , ليستجمعوا كل أشعارهم لرثائك , وما أصعب أن تعيشي داخل تابوت رسمته لك الاقدار .

هناك في البر الشرقي كانت البداية ( انتنيوبولس – قرية الشيخ عبادة ) حيث الحكم لوالدها , فتعبر النهر غرباً حيث احتفالات ( تحوت ) رمز الحكمة والقلم رب القمر . ليكون اللقاء الاول في ( خمنو – الاشمونين حالياً ) وايزادورا بأنوثتها اليانعة وبريق عينها الذي يخطف الابصار , لتفاجأ بذلك الفتي الاسمر الممشوق القوام ( حابي ) مصري حمل سمرة مصر بطميها وترابها المسكي ونيلها المقدس , وبثغر مبتسم ليخطف بريق عينها , وبهمس خفيف يسمع خفقات قلبها , ليمتزج ضوء القمر بوجنتيها , لتفتح ابواب السعادة , لأبنه الست عشر ربيعاً , ليقتربا من بعضها فتمتزج روحهما , ليكونا علي وعد مع الليل الذي أخفي شيئاً ما ., وبهمس خفيف , ودقات قلب متسارعة , ادركت معني العشق , وطيب اللقاء . فلتفتتح آفاق المحبين في كل مكان, وتنقش علي الجدران سيرة المكان والزمان .

ليحل الصمت , وتبدد الأحلام , فتظهر الفوارق .

فكيف لابنه الحاكم أن تتزوج برجل من عامة الشعب ؟

ليدب الخلاف وتوصد الابواب لتكون تحت اعين الحراس والكهنة , وظلت ايزادوا حبيسة الجدران , والكل في ترقب وحذر .

لتبدد أحلامها فتدرك أن الحياة بدونه موت , فتقرر اللقاء فتعبر للغرب حاملة قلب ولهان هائم بالحب والعشق لتشعل الاسئلة والحكايات في جوف الصحراء , لتلتقي به وتكتحل عينها برؤية حابي فيكون آخر مشهد في دنياها , فتقطف الاوهام من سراب الصحراء لتكون حلماً لا يتحقق , وبقلب حزين تغادر وتلقى بنفسها في النهر المقدس بدموع صاخبة وملامح خوف واحلام مبتورة , لتكون شهيدة لهذا الحب الأبدي .

ليكون قبري في الماء سأختفي للابد لتكون أنت أخر ما رأت عيني , ليهرع الجميع لانتشال الجسد ويسجي في قبر تتساقط عليه نسمات الحب والعشق , ويأبي ( حابي) أن يتركها وحيدة وسط الصحراء فيشغل لها الشموع كل ليلة ليكون انيسها في وحدتها .

ايزادورا لن اتركك فانا بجوارك حبيبتي , لتبكي عليك الدنيا يا صغيرتي : حبيبتي ............. ( أيتها الصغيرة الجميلة ....أيتها الطيبة البريئة ...والزهرة الناضرة ...التي ذبلت في ربيع العمر ...يا ملاكي الطاهر الذى رحل ..دون وداع.. ) (1) .

(1)مرثية ايزادورا (هذا المقولة لأستاذ التاريخ الفرعوني الدكتور عبد الحليم نور الدين ( وهي مكتوبة علي جدار مقبرة تونة الجبل ) .







التعليقات



سيعجبك أيضاً

  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك
صيدليات نورماندي
مركز الاورام جامعة المنصورة
كينج إم
مستشفي جلوبال كير