بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

15 ديسمبر 2017 - 4 : 16   Facebook twitter Youtube  RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك العربي الافريقي الدولي
تدريب روزاليوسف

تامر أفندي يكتب: نهارك سعيد

28 يوليو 2017 - 58 : 8




أنا ودرويش ومارسيل

هل تعرفون يا رفاق أني واحد من مهاويس الكلمة، كلمة تبهجني وكلمة تحزنني، كلمة تجعلني أحلق في السماء، وكلمة تجعلني أقبع في نفق تحت الأرض، كلمة تجعلني أغنى الناس.. وكلمة تجعلني أفقرهم.. ولما لا وأنا نفسي كلمة من الله.. وكل كلمة تقع في روحي أقول لها الله..الله.

تلك الكلمة كانت الرابط بيني وبين الشاعر الفلسطيني محمود درويش حتى صرت درويشا له، أحفظ كلماته عن ظهر قلب، وأعشق «ريتا» وأرسم «الجدارية» ذاتها، رأيته يكتب المستحيل ويقفز على خارج حدود الممكن بعقله، ثملت بشطر واحد منه، فكلمة فقط توجز كل المعان والفكر.

«علمونا أن نصون الحب بالكره»، «من آخر السجن، طارت كفّ أشعاري.. تشد أيديكم ريحا.. على نار.. أنا هنا، ووراء السور، أشجاري»، «ملوّحة، يا مناديل حبّي عليك السلام! تقولين أكثر مما يقول هديل الحمام»، «مفتّحة، يا شبابيك حبيّ تمرّ المدينة أمامك، عرس طغاة ومرثاة أمّ حزينة، وخلف الستائر، أقمارنا بقايا عفونة»، «المغني على صليب الألم.. جرحه ساطع كنجم.. قال للناس حوله.. كلّ شيء.. سوى الندم.. هكذا متّ واقفا.. واقفا متّ كالشجر!.. هكذا يصبح الصليب.. منبرا.. أو عصا نغم»، وأخير أقول لكم «أحن إلى خبز أمي».

قرأتها مرارا وعشقت سماعها بصوت «درويش» حتى غناها مارسيل بت أسيرها، لا يمر يوم إلا وأسمعها، وفي ذات يوم كنت أرددها وكان معي صديق لي، قال أتعرف حكاية هذه القصيدة، قلت له بشغف لا.. هل لها حكاية، قال نعم ثم جذبني إلى حيث يقبع درويش في السجن والجندي الإسرائيلي ينادي عليه هناك زيارة لك؟ يسأل درويش من؟ ثم يخرج وعيناه تسبقه تجوب الطرقات حتى تقف شاخصة.. إنها أمه، يقول درويش عن تلك اللحظة: «نحن عائلة من ثلاثة أبناء و ثلاث بنات و كنت الفتى الأوسط بين الصبيان وهذا كان يضايقني لأنه عندما كان يجري توزيع المسؤوليات كان يتم احتسابي مع الكبار أي أنا وأخي الأكبر، وعندما كان يجري توبيخ الصغار أيضاً كنت بينهم أي أنا وأخي الأصغر، فنشأ شعور دفين في قلبي مفاده أن أمي لا تحبني مثل باقي إخواني وكان والدي رجلاً قليل الكلام خجولاً ولا يُعبِّر عن حبه لنا وهذا ما زاد شعوري الكاذب تأكيداً، ومرت الأيام وأنا أحمل هذا الشعور المأساوي في قلبي إلى أن اعتقلتني السلطات الإسرائيلية وأدخلتني السجن.

 عندما جاءت أمي لزيارتي ومعها القهوة والخبز منعوها من إدخالهم و سمعتها وهي تحاول بكل ما أوتيت من قوة لتوصل إلي خبزاً الذي خبزته بنفسها والقهوة التي أعدتها لي، شعرت أنني في هذه اللحظة أنني أحب أمي جدا، حضنها كان جدول ماء شربت منه حتى ارتويت، كانت قوية إلى حد أنها وضعت في نفسي أمان لا يهزمه خوف، وقبل أن تنصرف قالت: إياك أن تنبس بحرف عن زملائك يا محمود، فيقول درويش عدت مسرعا إلى زنزانتي ترجيت الجندي الإسرائيلي أن يعطيني قلم وعلى علبة سجائري كتبت رسالة إلى أمي.. أحن إلى خبز أمي.. وقهوة أمي.. ولمسة أمي.. وتكبر في الطفولة.. يوما على صدر يوم.. وأعشق عمري لأني.. إذا متّ، أخجل من دمع أمي! خذيني، إذا عدت يوما وشاحا لهدبك.. وغطّي عظامي بعشب تعمّد من طهر كعبك وشدّي وثاقي.. بخصلة شعر

بخيط يلوّح في ذيل ثوبك.. عساي أصير إلها إلها أصير.. إذا ما لمست قرارة قلبك!

ضعيني، إذا ما رجعت.. وقودا بتنور نارك.. وحبل غسيل على سطح دارك لأني فقدت الوقوف بدون صلاة نهارك.. هرمت، فردّي نجوم الطفولة.. حتى أشارك

صغار العصافير.. درب الرجوع.. لعشّ انتظارك!.

انتظر «درويش» زيارة صديقه «سميح القاسم»، وأعطاه القصيدة على علبة السجائر وطلب منه أن ينشرها، فأحدثت دويا وصل إلى مسامع «مارسيل خليفة» فغناها فباتت كهمهمات الحمام في ثغر من تصله كلماتها.

في حفله الماضي هنا في القاهرة كان مارسيل حريصا على تقديم وجوه جديدة، فاكتفى بأغنيتين فقط له، وكنت أنتظر أن يغني «أحن إلى خبز أمي»، لكني رأيته يودع جمهوره فصرخت أناديه يغنيها ومن خلفي علا صوت الجماهير كهدير موج فانصاع لرغبتنا وشدا حتى إذا ما انتهى هرعت أقفز على المسرح لأقف بجانبه وهو يتعجب وأقول له أنا صرخت في طلبها لأنني أعرف حكايتها، فقال لي كل الناس تعرف حكايتها، قلت له لا أقصد ما يخص «درويش»، لكن ما يخصك أنت وهو في أول لقاء جمعكما بعد غنائها.. وقصصت عليه ما أعرف فتبسم وقال كنت أعتقد أن هذه القصائد ملكية عامة ولا ضرورة لإعلام الشاعر بنية التلحين، قابلني الشاعر الكبير محمود درويش وقالي لي مداعبا من سمح لك أن تغني قصيدتي رسالة إلى أمي، ثم قال لم أكن أعرف أن قصيدة كتبتها على علبة سجائر ستحقق كل هذا النجاح.

 







التعليقات



سيعجبك أيضاً

  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك


المونديال