بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

19 ابريل 2019 - 53 : 22   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

"بوابة روز اليوسف" تنشر حديث الرئيس أنور السادات لــ"مجلة روز اليوسف"

23 ديسمبر 2018 - 49 : 19




كتب - بوابة روز اليوسف

بمناسبة حلول ذكرى مئوية الرئيس الراحل محمد أنور السادات تنشر بالصور "بوابة روز اليوسف" حوار خاص أجراه مع مجلة روزاليوسف ونشر في العدد رقم 2415 بتاريخ 23 سبتمبر 1974 وبعنوان "الرئيس السادات يتحدث إلى روز اليوسف" أجراه الكاتب الصحفي عبد الستار الطويلة، وحديث موسع مع السادات عن العديد من القضايا والموضوعات المهمة فترة حكمه.

 

 السادات يتحدث لـ"روزاليوسف" عن:

 التهديدات الإسرائيلية

التغيير في البيت الأبيض

 العلاقات المصرية- السوفيتية الآن

 الحوار السياسي والأحزاب

مسألة "المحور" المصري – السعودي

مشكلة ليبيا معنا

 الانفتاح والتعمير واحتمالات المستقبل

 حرب محدودة أم حرب شاملة!

 

الرئيس لـ"عبدالستار الطويلة":

 التحرير مسؤوليتنا وليس مسؤولية أمريكا

 أكتوبر فرض واقعًا جديدًا، لا يتغير بتغير البيت الأبيض، خطتي كانت لحرب محدودة، وحققت أهدافها الأربعة، رحبت بالجسر الجوي السوفيتي أروع ترحيب وقلت لـ"كوسيجين": "هذه هي الروح التي ينبغي أن تسود علاقتنا"

صداقتنا مع السوفييت ماثلة، ومجسدة في أسوان وحلوان، وقد جددنا لهم التسهيلات الممنوحة للأسطول السوفيتي، ولا نطالب إلا بأن يتفهموا عنصرية الندية في علاقتنا

لا يوجد "محور" بين مصر والسعودية، ونحن ضد سياسة المحاور

 مشكلة ليبيا أنها تريد أن تلعب دورًا أكبر من حجمها ومن طاقتها

المعركة لن تكون حجة مقبولة لتأجيل البناء

 القطاع العام كان دعامة معركة أكتوبر، وزودنا بمعظم احتياجاتها

الديمقراطية هي العمود الفقري للوحدة الوطنية

 إذا ركبت إسرائيل رأسها فسنحارب ونحن مستعدون، وقادرون

تحدث الرئيس السادات لـ"روزاليوسف"، أدلى بحديثه إلى عبدالستار الطويلة على مدى ثلاث ساعات.. وتناول فيه أخطر قضايا الموقف الداخلي، والعربي والعالمي وفيما يلي نص الحديث.

 بابتسامة صريحة، بسيطة، قال لي الرئيس أنور السادات:

تشرب إيه الأول.. وبعدها هات ما عندك!
كان الوقت مساء، واللقاء في شرفة البيت، والرئيس على سجيته، يؤدي – باستمتاع – مهمة المضيف المصري الودود.
 وجاءت أكواب الليمون.

وتأملت في سكون الليل ملامح الرئيس، وعيناه تنظران بعيدًا، عبر الفضاء الممتد، كأنما تستشرفان آفاق المستقبل، فانتهزت الفرصة، وبدأت الحديث..

< سيادة الرئيس.. كيف ترى المستقبل؟ هل تعتقد أنه ستنشب حرب جديدة؟ إن إسرائيل لا تكف عن إصدار تصريحات تتحدث فيها عن حرب خامسة؟!

قال الرئيس:

لا أفهم لماذا يهتز بعض الناس من مثل هذه التصريحات، إنني أعتقد أن معظمها للاستهلاك المحلي، وأن المؤسسة العسكرية في إسرائيل ستفكر مرتين، بل عشر مرات، قبل أن تخوض مغامرة عسكرية جديدة ضدنا، ويوم تقرر أن تخوضها ستجدنا مستعدين.
 لقد خاضت إسرائيل ضدنا أربع حروب، كسبت ثلاثًا منها، ثم خسرت الرابعة، وهذه الخسارة غيرّت الأوضاع التي ترتبت على الحروب الثلاث السابقة. وخلقت في الشرق الأوسط وضعًا جديدًا تمامًا، لا تملك إسرائيل ولا غير إسرائيل – أن تتجاهله.
 < لكن إسرائيل، يا سيادة الرئيس، تعمل جاهدة لتصفية هذا الوضع الجديد الذي ترتب على حرب أكتوبر. وبعض المراقبين يرون أن يد الصهيونية لعبت دورًا في إسقاط الرئيس نيكسون، كجزء من هذه التصفية.. فما رأيكم؟

قال الرئيس:

مما يؤسف له أن الصهيونية ليست وحدها التي تحاول تصفية ثمار أكتوبر. وأن بعض الأخوة العرب أيضا يقومون بنفس المحاولة، ويشككون في مغزى انتصار أكتوبر، وفي التغيرات الضخمة التي أحدثها محليًا وعالميًا. ولكن هذه الملاحظات هامشية. ولنعد إلى سؤالك.

إن الواقع الجديد الذي فرضته معركة أكتوبر لن يغيره سقوط هذا أو ذاك من الحكام فهذا الواقع صنعناه نحن. وكل تطور يطرأ عليه سنكون نحن العامل الأول والعنصر الأساسي فيه. إن أكتوبر قد وضع إرادتنا على خريطة الأحداث لأول مرة، وإلى الأبد.

قد يجعلني سقوط هذا أو ذاك من الحكام أغير خططي. وأنا في السياسة لا أضع أوراقي على المائدة دفعة واحدة. ولهذا لا أهتم كل هذا الاهتمام بموضوع سقوط نيكسون. ولن أحمل حملي لأحد.

< ماذا تعني بهذا التعبير يا سيادة الرئيس؟

قال الرئيس:

أعني أنه إذا غيرت أمريكا سياستها، أو تنصلت من وعودها، لن أعتذر بأن نيكسون تغير، وبأنه كان قد وعدني بكذا وكذا. أن قضية التحرير مسؤوليتنا، وليست مسؤولية نيكسون أو فورد أو كيسنجر.
 عندما كان إسماعيل فهمي (وزير الخارجية) في الولايات المتحدة، أكد له الرئيس الأمريكي جيرالد فورد، ووزير الخارجية هنري كيسنجر، أن أمريكا ستظل ملتزمة بسياسة نيكسون.

وهذا حسن. ولكننا أيضا مستعدون لأي احتمال آخر. لأن القضية كما قلت قضيتنا، ونحن مسؤولون عنها، لا الولايات المتحدة.

< أبعاد التغيير

الهدوء ما زال سائدا. وكوب الليمون فرغ، والرئيس يلاحظ هذا ويطلب كوبا جديدا لي. لا يريد أن يتخلى عن دور المضيف الريفي الودود الكريم.

< سيادة الرئيس.. لا تزال نظرتك إلى دور الولايات المتحدة في حاجة إلى تفصيل أكثر.. لقد صرحت أكثر من مرة، وكررت التصريح أثناء زيارة الرئيس نيكسون للقاهرة، بأن الولايات المتحدة قد غيرت سياستها نحو مصر.. فما المعنى الذي قصدته بالدقة، وما أبعاد هذا التغيير.. خاصة أننا نرى الولايات المتحدة مستمرة في تسليح إسرائيل، وبنفس الحماس القديم؟

قال الرئيس:

ومن قال إن أمريكا لن تواصل تسليح إسرائيل. لقد سلحتها قبل الحرب وأثنائها، وبعدها. إن الدبابات التي أسرعت من العريش إلى ميدان القتال رأسًا كانت أمريكية. وكل طائرة فانتوم أسقطناها أو أفلتت منا كانت أمريكية.
 لقد أكدت أكثر من مرة أن التغيير في السياسة الأمريكية ليس تحولا عن مساندة إسرائيل إلى مساندة العرب. ولست أظن أنه سيكون كذلك أبدا.. على الأقل في حياة جيلنا الحالي.
 إن التغيير في السياسة الأمريكية هو باختصار: رد فعل جديد أمام حقيقة عربية جديدة.. نحن غيرنا الصورة، فتغير رد الفعل. قبل أكتوبر لم تبال الولايات المتحدة حتى بالاستماع إلينا، ورفضت أن تحمل قضيتنا على محمل الجد، أو حتى أن تدرجها في جدول أعمال اهتماماتها، فلما عبر الجندي المصري القناة، وحطم خط بارليف، وحطم معه نظرية الأمن الإسرائيلي، وفوجئت الولايات المتحدة بمصالحها البترولية عارية بلا حماية.. كان لا بد أن تعيد النظر في سياستها، وأن تسرع إلى تغييرها. وهو تغيير مصدره نحن. ويجب أن نستفيد منه، ونطوره.

< إلى أي مدى تتوقع أن نطوره يا سيادة الرئيس؟ إن البعض يقولون إن مصر هي التي غيرت موقفها وليس الولايات المتحدة. وهم يستشهدون بحديث سابق لسيادتكم، قلتم فيه إنكم كتبتم إلى الرئيس حافظ الأسد تقولون إن أمريكا دخلت بثقلها في الحرب.. وأننا على غير استعداد لمحاربة أمريكا؟!

قال الرئيس:

نعم قلت هذا. وكانت أمريكا هي التي تحاربنا فعلا. ولكن كيسنجر كان في نفس الوقت يوقظ المستر هيث، رئيس وزراء بريطانيا وقتها، ليرجوه أن يتصل بنا لنقبل إيقاف القتال. حدث هذا في 13 أكتوبر، في عز انتصار قواتنا واندحار القوات الإسرائيلية، وفي الوقت الذي بدأت فيه أمريكا تدخل بكل ثقلها، وبأسلحة جديدة تماما، ميدان المعركة.

ماذا كنت تفعل أنت وقتها؟

أمريكا قررت أن تحاربك. وفي نفس الوقت تلح على وقف القتال. معنى هذا أنها بدأت تدرك ما لم تكن تدركه من قبل. وأنها مستعدة لفهم جديد، ولتبني سياسة جديدة.

هل كان عليّ وقتها أن أستمر في الحرب، بما يتبعها من دمار، أم أستفيد من هذا التراجع الأمريكي؟!

إنني واثق من أن التاريخ كان سيحاسبني لو واصلت القتال ضد أمريكا، بدلا من أن أستفيد من تراجعها، وأشجعه، وأعمقه. وهذا ببساطة هو ما فعلت. وأعتقد أننا حتى الآن كسبنا من هذه السياسة، ولم نخسر شيئا.

< هذا صحيح يا سيادة الرئيس.. ويكفي أن سبعة ألوية إسرائيلية، وأربعمائة دبابة، سحبت نفسها من غرب القناة بلا قتال بفضل هذه السياسة.. ولكن تصريحكم من عدم الاستعداد لمحاربة أمريكا أثار بعض القلق.. ولهذا أحب أن أسال: ماذا لو أن أمريكا غزت أرضنا غزوا سريعا بقواتها و....؟

فلم يدعني الرئيس أواصل. وقاطعني قائلا:

وهل هذا سؤال؟ هل تشك في أننا عندئذ سنقاتل جميعا.. ابتداء من رئيس الجمهورية، وانتهاء إلى أصغر طفل؟!

< الثغرة والحرب المحدودة؟

وكوب الليمون الثاني لم يفرغ بعد. والرئيس يتأمل الأضواء البعيدة في ظلام الليل، ويبدو واضحا أن حديثنا أثار في صدره بعض شجون المعركة وبعض ذكرياتها.

< سيادة الرئيس.. عندما وجهتم نداء إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لإرسال قواتهما إلى مصر، وإرغام إسرائيل على احترام وقف إطلاق النار..

هل كان وضعنا العسكري متدهورا بحيث احتاج إلى هذا النداء؟

قال الرئيس:

لم يكن متدهورا على الإطلاق. إنما أردت بهذا النداء أن اسجل التزام الدولتين الكبريين بحل القضية على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242.. الذي يقضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. وقد أحدث النداء أثره. وأجبرت إسرائيل على احترام وقف إطلاق النار والانسحاب من غرب القناة، ثم الارتداد شرقا في سيناء.

< ولكن.. يقال يا سيادة الرئيس إن إسرائيل كانت قادرة على احتلال السويس عسكريا، لولا تدخل رجال السياسة والضغط الدولي!

قال الرئيس:

يرد على هذا الزعم حطام 32 دبابة إسرائيلية، لا تزال موجودة على مشارف السويس. إن هذا الحطام هو حصيلة المحاولة الإسرائيلية لاحتلال المدينة. وأعتقد أنه رد كافٍ على السؤال.

< سيادة الرئيس.. ماذا كان يمكن أن تكون عليه الصورة العسكرية ما لم تحدث الثغرة؟

قال الرئيس:

كنت أفضل أن يكون السؤال: من الذي صنع الثغرة أصلا؟ إن أمريكا هي التي صنعتها، ولو لم تتدخل أسلحتها الجديدة ما استطاعت إسرائيل أن تخطو خطوة واحدة نحو الغرب، ومع هذا فالثغرة كان محكوما عليها بالتصفية، وكانت خطة تصفيتها جاهزة، لولا أن إسرائيل آثرت السلامة وانسحبت منها.

وسأجيب عن سؤالك، وأقول: إنه لو لم تحدث الثغرة لاستفدنا من الوقت في تطوير هجوم قواتنا ناحية الشرق.

< سيادة الرئيس.. أثار البعض كلاما حول هدف المعركة، فقالوا إنها كانت معركة للتحريك لا التحرير. وأنها كانت حربا محدودة. فما الحقيقة؟

قال الرئيس:

هذه عبارات من قبيل التلاعب واصطناع الشعارات. ما التناقض بين التحريك والتحرير؟!
 إن التحرير هو هدفنا من المعركة. والتحرير هو أحد وسائلنا، وهو يعني صدم العدو ومن يقف خلفه، والعالم كله، وإيقاظه بالنسبة لقضيتنا لإرغام العدو على التراجع.
 إننا نعلم وندرك أبعاد التوازن الدولي وحساسية منطقة الشرق الأوسط وأهميتها بالنسبة للغرب والشرق.
 ولذلك فإن حرب أكتوبر كانت حربا محدودة، نضرب نظرية الأمن الإسرائيلي في الصميم، لإدراكنا أن ذلك سيتبعه تغييرات مهمة تخطو بنا نحو التحرير الكامل للأرض.
 وفي الأمر الاستراتيجي الذي أصدرته للقائد العام للقوات المسلحة حددت له أهداف هذه الحرب المحدودة في أربع نقاط:
 إرغام إسرائيل على الحرب في جبهتين.
 إلحاق خسائر بها لم تتكبد مثلها من قبل.
 إلزامها بالتعبئة العسكرية أطول مدة ممكنة
 إيقاظ التضامن العربي، بحيث يستخدم العرب، لأول مرة، كل أسلحتهم في المعركة. وقد تحققت كل هذه الأهداف في حرب أكتوبر وأثبتنا للعالم فساد نظرية الأمن الإسرائيلية.

وابتسم الرئيس لحظة، ثم أضاف ضاحكا:

كنا ونحن أطفال في القرية نتصور أن الملك يلبس قبقابا من ذهب! وقبل أكتوبر كانت نظرية الأمن الإسرائيلية قبقابا ذهبيا من هذا النوع الموهوم. والآن يعرف العالم، كما يعرف أصحاب القبقاب أنفسهم، أنه من الخشب.. وأن تحطيمه ممكن!

قال الرئيس:

لا تستطيع أية قيادة أن تضع خطة تتجاوز الظروف والإمكانيات. إن الشرق الأوسط منطقة ساخنة جدا، ومجرد تحريك مشكلته يكفي لإيقاظ العالم كله، وكل خطة مسؤولة يجب أن تضع في حسابها الظروف الدولية، والإمكانيات.

 

< مصر والسوفييت

سرح الرئيس ببصره عبر حاجز الشرفة، وأحسست للحظات أنه نسيني، فانتظرت بعض الوقت قبل أن أستأنف سؤاله.

< سيادة الرئيس.. هل الإمكانيات التي تشير إليها هي السلاح؟

قال الرئيس:

نعم.. لم يكن تسليحنا على خير حال.. وسأقول لك سرا لم يعرفه أحد حتى الآن. لقد دخلنا المعركة ونصف طائرات الهليكوبتر التي عندنا معطلة، بسبب نقص في قطع غيارها.. وهي قطع كان يكفي لاستيعابها صندوقان تحملهما طائرة ركاب عادية، ولكن الأصدقاء السوفييت لم يسعفونا بها.

< يقودنا هذا، يا سيادة الرئيس إلى مسألة العلاقات المصرية- السوفيتية بصفة عامة. لقد سمعت كثيرين، أثناء جولة أخيرة قمت بها في عدد من بلدان العالم، يلقون تبعة الفتور بين مصر والاتحاد السوفيتي على عاتق مصر.. ويشيرون بوجه خاص إلى أن مصر سلطت الأضواء على كل من أسهم بدور في انتصار أكتوبر إلا الاتحاد السوفيتي.

قال الرئيس:

من قال إننا لم نسلط الضوء على الدور السوفيتي؟!
إن من يقول هذا يستطيع ببساطة أن يعود إلى الصحف، ليرى كيف تحدثت، وكم مرة تحدثت أنا عن دور السوفييت في مساعدتنا.
لقد صرحت، والمعارك قائمة، بأننا عبرنا بالسلاح السوفيتي، وأكدت أكثر من مرة، وفي قمة تجمد العلاقات بيننا، إننا نقدّر دور الاتحاد السوفيتي ومساعداته ومناصرته.

< ما المشكلة إذن؟

قال الرئيس:

المشكلة كانت دائما حول موقف الاتحاد السوفيتي من تسليحنا، ولهذه المشكلة تاريخ طويل سبق أن شرحته، ولا أجد فائدة في تكراره، وأثناء الحرب أمدت أمريكا الجيش الإسرائيلي بأسلحة تعوض كل ما فقده، وبأسلحة جديدة لم تكن لديه، بينما الجسر الجوي السوفيتي كان ينقل إلينا صفقات سبق الاتفاق عليها، وتأخر تنفيذها، وكان مفروضا أن تصل قبل 6 أكتوبر.

وقد رحبت، مع ذلك.. بهذا الجسر أروع ترحيب، وعندما زارنا كوسيجين أثناء القتال، قلت له: هذا حقا هو الأسلوب الذي ينبغي أن يسود علاقاتنا.. ولننس ما فات.

ولكن ما كان القتال يتوقف حتى توقف ورود الأسلحة، حتى المتفق عليها، والمتبقية من العقود السابقة، وبينما استمر الجسر الجوي الأمريكي يعوّض إسرائيل عن كل ما فقدته.. لم نحصل نحن على طائرة واحدة من الطائرات التي فقدناها، ولم يبدأوا في تعويض الدبابات إلا بعد أسبوع من وقف القتال.. رغم حاجتنا الشديدة إلى الدبابات أثناء معركة (الثغرة).

وسكت الرئيس لحظة.. ثم أضاف:

لقد جمد السوفييت مساعدتهم حتى في غير المسائل العسكرية.. هل تتصور أنهم طالبوني بثمانين مليون دولار من فوائد الديون في نفس الأسبوع الذي اعتمد فيه الكونجرس الأمريكي 2200 مليون دولار لإسرائيل؟

< ما السبب يا سيادة الرئيس؟

قال الرئيس:

إنهم حتى الآن لم يشرحوا السبب.


< لكننا نعلم أن من المبادئ المقررة في السياسة المصرية أن الصداقة المصرية- السوفيتية صداقة استراتيجية.. فهل تغير هذا، خاصة أن الأحاديث تتردد كثيرا عن سياسة أكثر توازنا ما بين الشرق والغرب؟
 قال الرئيس:
 - من جانبنا لم يتغير شيء.. وموقفنا من الصداقة مع السوفييت لا يزال نفس الموقف.. والدليل على هذا هو تجديدي للتسهيلات الممنوحة للأسطول السوفيتي عندنا.
 إن جوهر المشكلة هو موقف السوفييت أنفسهم وضرورة أن يتفهموا مضمون الصداقة بيننا، وحرصنا على طابع الندية فيها.
 إننا حريصون على الصداقة المصرية- السوفيتية وعلى تجاوز كل أسباب سوء التفاهم.. ومهما حدث، فلا جدال في أن هذه الصداقة قائمة ومجسدة في السد العالي في أسوان، ومجمع الحديد والصلب في حلوان، وفي تزويدنا بالسلاح منذ عام 1955.
 لكنني أكرر مرة أخرى.. ينبغي على السوفييت أن يتفهموا جوهر صداقتنا، وطابع الندية فيها.

< هل تحسنت العلاقات بعد مقابلة الدكتور حجازي للرئيس بودجورني، والرسالة التي حملها منه، خاصة وقد ذكرت الصحف أن الرئيس بودجورني قال للدكتور حجازي: إن الطريق إلى صداقة العالم العربي يجب أن يمر بمصر؟!

 قال الرئيس:

أعتقد أن التفاهم بيننا يتزايد.. وأن العلاقات الآن تتقدم وتتحسن.

< سياسة المحاور
< سيادة الرئيس.. ماذا عن علاقتنا العربية؟.. لقد نجحتم حقا في خلق وتدعيم أوسع جبهة بين الدول العربية قبل الحرب وأثنائها.. ولكن البعض يأخذ علينا أننا بدونا منحازين لدول عربية معينة، وتجاهلنا دولا عربية أخرى، فما قول سيادتكم؟

ابتسم الرئيس وقال:

 -إنني أعتبر التضامن بين العرب في حرب أكتوبر من أروع فصول هذه الحرب ومن أهم نتائجها. ويكفي اعتراف أساتذة الاستراتيجية في العالم بأن العرب قد أصبحوا يشكلون بعد أكتوبر (قوة عالمية سادسة) وهذا تعبيرهم، وليس من عندي.

 أما الذين تحدثوا ويتحدثون عن انحيازنا لدول عربية وتجاهل دول عربية أخرى، فهم ما زالوا متأثرين بنظرية (المحاور) القديمة.. ومن هنا حديثهم عن محور (مصر – السعودية) مثلا، وهو حديث لا يستند إلى أساس، وينطوي على خطأ في فهم الواقع وظروف المعركة.

 إننا جميعا نخوض معركة مصير عربي واحد، وقد فرضت ظروف هذه المعركة، وقدر التاريخ أن تكون مصر القاعدة العسكرية الأساسية، وأن تكون السعودية مالكة ستين في المئة من احتياطي البترول العربي.. فلما تساندت قدرة مصر العسكرية وسلطان السعودية البترولي بدا كل منهما أكثر فعالية.. ولكن النصر في أكتوبر كان للعرب جميعا.. وشاركت في إنجازه كل المساهمات العربية على اختلاف مصادرها وأنواعها وأحجامها.

 إن من حقائق المعركة أن السعودية، بحكم سيطرتها البترولية، تملك تأثيرا مهما على الحسابات الأمريكية وسأضرب لك مثلا: عندما جاء هنا هنري كيسنجر، خاطبني بإفاضة حول الحظر العربي على البترول، وكيف أنه يضر بالمصالح الأمريكية ضررا بالغا.. طبيعي أنه لم يكن يحدثني بشأن البترول المصري.. فمصر لا تملك بترولا.. وإنما السعودية هي التي تملك 60 في المئة من بترول العرب، كما قلت لك.. وقد تخاطبت بعد ذلك مع الملك فيصل في الموضوع، واتفقنا على موقف جديد، كان له بالفعل أثر بالغ.

 هل يمكن أن نطلق على شيء كهذا تعبير "محور مصر – السعودية"؟

 إننا لسنا من أنصار المحاور، ولا نؤمن بجدواها، وسياستنا هي السعي إلى تضامن عربي شامل وتنقية الجو العربي دائما من الشوائب. ولا أتصور أن هناك سياسة أخرى يمكن أن تخدم العرب في وقت يواجهون فيه معركة تحرير كبرى.

< ما حال التضامن العربي الآن في رأي سيادتكم؟

في أزهي صوره.


< كيف الحال مع العراق؟

-علاقتنا بالعراق طيبة جدا.. وتتحسن كل يوم.

< وليبيا؟

قال:

المشكلة الجوهرية في علاقتنا مع الجمهورية العربية الليبية، أنها تريد أن تلعب دورا أكبر من حجمها وطاقتها، وستظل هناك مشكلة طالما العقيد معمر القذافي مُصر على اتباع هذه السياسة.


< ماذا جرى في زيارته الأخيرة؟

قال الرئيس:

لقد جاء وصفينا الحساب معا.. بمعنى أننا حصرنا ما كان له عندنا من أسلحة وودائع.

 

< الانفتاح والتعمير

الوقت يمتد بنا.. وموعد العشاء قد فات.. ونائب رئيس الوزراء ممدوح سالم، وصل منذ فترة وانضم إلينا.. وأسئلتي لم تفرغ بعد.. والرئيس يصبر.. لأنني ضيفه.

< سيادة الرئيس.. هناك مسائل داخلية يلح الرأي العام في الاستفسار عنها، وفي مقدمتها موضوع (الانفتاح).. ما مغزى هذا الشعار؟ وما علاقته بالمعركة؟

قال الرئيس:

أظنني أوضحت في أحاديث سابقة أن سنوات الصمود الست، كانت قد هبطت بوضعنا الاقتصادي إلى مستوى سيئ جدا.. وبعد المعركة كان طبيعيا أن تطفو إلى السطح مشاكل اقتصادية جديدة كالتعمير مثلا.. وشعار الانفتاح يهدف بالتحديد إلى مواجهة هذه الظروف.

 إن العالم كله ينفتح على بعضه البعض.. الاتحاد السوفيتي ينفتح على الغرب ويتفق على قروض بمليارات الدولارات.. ودول عربية بترولية مثل العراق تحصل على قروض من فرنسا واليابان، فلم لا نتبع نفس السياسة نحن أيضا لنطور اقتصادنا، دون أن يمس ذلك بالطبع استقلالنا؟!

لقد أعلنا، وما زلنا نعلن، أننا نرحب في المقام الأول برؤوس الأموال العربية.. فهي أولى وأجدر بالمساهمة في التنمية على النطاق العربي كله.. وهي بذلك تساهم في خلق السوق العربية المشتركة، وفي تدعيم وتعزيز التضامن العربي.

ولا بأس لدينا، في نفس الوقت، من الاستعانة برؤوس الأموال الأجنبية وتشجيعها، خاصة في مشاريع التعمير.. ودائما بشرط عدم التفريط في استقلالنا أو في خطوط التنمية التي نضعها لبلادنا.. هذا هو مغزى الانفتاح ومفهومه.

 

< يقودنا هذا، يا سيادة الرئيس إلى قضية التعمير ذاتها، أن هناك من يتساءلون كيف تعمرون وتنفقون الملايين على مدن القناة، بينما الحرب لم تنته بعد، وما نبنيه اليوم قد يدمر غدًا؟

قال الرئيس:

سمعت هذا السؤال كثيرا.. وآخر من أثاروه معي كانوا الإخوة الصحفيين من الخليج العربي.. لكنني أراد على السؤال بسؤال آخر، هل يمكن أن أترك مليون مهجر يعانون التعاسة والغربة والضياع سبع سنوات، ثم أطالبهم بمزيد من الانتظار؟!
 ولنفرض أن الحرب اشتعلت من جديد، وهذا احتمال قائم طبعا، فقد سبق أن أعلنت أن مدن القناة أصبحت من مدن عمق الجمهورية.. وأن أي ضرب لها سأرد عليه بالضرب في مدن العمق في إسرائيل.
 ثم من قال إن الاستعداد للقتال أو توقعه ينفي المضي في البناء؟ لقد رفعنا من زمن طويل شعار (يد تبني ويد ترفع السلاح).. وتطور الأحداث يثبت أنه شعار سليم تماما.. فما بنيناه في سنوات الصمود كان دعامة معركة أكتوبر وبالذات القطاع العام المدني.. الذي لعب دورا أساسيا في كسبها وزودنا بمعظم احتياجاتها. إن المعركة لم تكن أبدا، ولن تكون، حجة للكف عن البناء والتراخي فيه.

 

< ولكن.. من أين المال؟

قال الرئيس بحسم:

من إمكانياتنا أولا.. من عرقنا وكدحنا ثم من التمويل الخارجي.

 

< الحوار.. والأحزاب

بقي سؤال لا أدري كيف أطرحه.. سؤال عن الحوار الساخن الدائر في هذه الأيام، حول التطوير السياسي. فكرت أن أمهد له بالإشارة إلى بعض ما تنشر "روزاليوسف"، فإذا به يعلق على عددها الأخير المخصص لعيد الفلاح.. ويبدي إعجابه بمقال صلاح حافظ الافتتاحي عن "مصر الأخرى".. مصر الفلاحين، ويقول لممدوح سالم: هذا هو الكلام الذي يجب أن يُقال.. هذه مصر الحقيقية، التي تعمل وتضحي وتطعم الآخرين، ولا يشغلها ما يشغلهم.

ووجدت الفرصة سائحة عندئذ لألقي بسؤالي.

< سيادة الرئيس.. ما رأيكم الشخصي فيما يدور الآن من حوار حول الاتحاد الاشتراكي، والأحزاب، والمنابر، ونسبة العمال والفلاحين في مقاعد المنظمات السياسية و....؟

وإذا بالرئيس يقاطعني:

هذا هو السؤال الذي لن أجيب عنه! إنني أتابع الحوار، وأقرأ كل ما ينشر حوله.. ولكنني أرفض أن أقول رأيي الآن، حتى لا تتأثر حرية المناقشة. وأن الحوار ظاهرة صحية.. والديمقراطية هي العمود الفقري للوحدة الوطنية، التي أثبتت وجودها، وتجلت كأروع ما تكون أيام المعركة.. ونحن في حاجة إلى هذه الوحدة.. لأن المعركة لم تنته بعد.. وأكرر: لم تنته بعد.

< سؤال أخير يا سيادة الرئيس، طرأ على ذهني الآن وأنت تقول إن المعركة لم تنته بعد.. لقد شاهدت مؤخرًا عملية عبور قامت بها قواتنا المسلحة في منطقة القناة ما هو انطباعكم بعدها؟

 قال الرئيس:

إن العالم الذي رأى حال جيشنا في يونيو 1967 قد ذهل عندما رآه في أكتوبر 1973... لقد نفذ جيشنا قرار وقف القتال وهو سليم وقوي، وبعد بيان العبور ثبت أنه ازداد قوة.. إننا بهذا البيان قلنا للعالم: ها نحن نمد يدنا للسلام، ونحن أقوياء.. وسنذهب إلى جنيف ونحن أقوياء.

إننا لسنا (ديماجوجيين) وليس لدينا ما نقول للاستهلاك المحلي.. فالمعركة لم تنته.

 وقرارات مجلس الأمن لتسوية عادلة، موجودة وضمان وتعهد الدولتين الكبريين موجود.. فإذا ركبت إسرائيل رأسها فسنحارب، ولن نكف حتى يخرج آخر جندي إسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة، وكل شيء في طريق هذا الهدف محسوب، وكل الاحتمالات نحن مستعدون لها، وقادرون تماما على مواجهتها.

< شكرًا سيادة الرئيس.. لم تبق عندي أسئلة!!

إذن.. تبقى للعشاء!

 





























التعليقات



سيعجبك أيضاً

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

انزل شارك

اعلان.. البنك المصري لتنمية الصادرات

امم افريقيا 2019

الشعب يجني ثمار الإصلاح

أقوى من المخدرات

امم افريقيا 2019

Rosa TV
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

شركة عربية العقارية

شركة المستقبل

شركة تطوير

سيتي ايدج

اعلان سيارة

الصحفييين

السيسي في واشنطن

يوم اليتيم