بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

21 اغسطس 2019 - 1 : 11   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

القراءة النقدية لمشروع الجناح المصري في بينالي فينيسيا الدولي 58

13 مايو 2019 - 24 : 21




كتبت - سوزى شكرى

تنفرد "بوابة روز اليوسف" بنشر القراءة النقدية المصاحبة للمشروع الجناح المصرى بينالى فينسيا 58، والتى أعدتها الناقدة التشكيلية وعضو المجلس الأعلى للثقافة الدكتورة هبة الهوارى، التى تنابعت المشروع منذ بداية الفكرة إلى خطوات الإعداد بالقاهرة، والتى تم نشرها بالكتالوج البينالى، حيث شارك بتمثيل الجناح المصرى كل من القوميسر الفنان القدير أحمد شيحا، وكل من الفنان إسلام عبدالله، والفنان أحمد عبدالكريم، والفنان معتز عبدالله .

 ذكرت الدكتور هبة الهوارى فى الدراسة النقدية، تحت عنوان "(خنوم : ذلك الراوي الحكيم) : " في المعرض الدولي الثامن والخمسين للفنون (بينالي فينيسيا)، وتحت شعار "لعلكم تقضون أوقاتًا مشوقةً" يمثل جمهورية مصر العربية فريق مكون من ثلاثة فنانين:هم أحمد شيحا وأحمد عبد الكريم وإسلام عبد الله ، حيث يقدم الفريق المصري عملًا فنيًا تجهيزيًا في الفراغ يحمل سمةً تعبر عن استلهام التاريخ المصري القديم متمثلاً في شخصية الراوي الذي يقوم بدور الصدارة في هذا العرض، وهو تمثال لأحد المعبودات المصرية القديمة "خنوم" إله الأشمونين في الثامون المقدس (هيرموبوليس)؛ حيث كانت نظرية الخلق تنبني على أربعةِ عناصر مذكرة، وأربعة عناصر مؤنثة، وكما ارتبط خنوم بقصة الخلق الأول، ارتبط أيضاً بالخصوبة والقدرة على الإبداع، حيث نشاهده على جدران معبد الملكة حتشبسوت، وهو يجلس على عجلة الفخراني و يصنع الحياة، وجه الكبش وجسم الأسد الذي يضجُّ بالخصوبة، تكمن فيه بذرة الحياة، يربو حيث تختمر المعزوفة في وعي الإله، وكما تدب الحياة في الأرض بعد الفيضان، ولقد كانت روح الرب ترف على الماء حين تصطخب اللجة الأولى بالمعنى بالفكرة بذلك الوعد بالميلاد الجديد، ينتظر العماء تلك النفخة المقدسة التي تحيي صنع يديه.

يرتحل بنا الفنانون الثلاثة في مسيرة تشكيلية مثيرة مشوقة، حينما نتعرف على أنفسنا، ونتواصل عبر الفنون التشكيلية التي يقدمها الجناح المصري حينها سنكون أناسًا أفضل، وعندها فقط سوف نستحق تلك الأوقات المشوقة، يأخذنا تمثال خنوم الهجين الذي تحول إلى راوٍ على يدي أحمد عبد الكريم و إسلام عبد الله، وفي رحاب لوحات أحمد شيحا التصويرية ، التي تتردد فيها أصداء الفن المصري القديم بمثالياته و جمالياته الأنيقة، يصحبوننا إلى مواجهة تفاعلية نشهد فيها جلبة التاريخ تلك الحياة الصاخبة بالبطولات والإنجازات والمآسي والمذابح والجرائم المخزية، يتخذ الفنان المصري المعاصر قناعًا يشبه ذلك الحكيم النذير الذي كان ينذر الملوك في أوائل الدولة الوسطى "إيب ور" (الرجل ذو القلبِ العظيم)، ذلك الفطن الذي كان يكتب تحذيراتٍ، ونذرٍ تنبئ بالنهايات المحتومة لقوى الشر، يقدم لنا أحمد وإسلام عملًا تجهيزيًا في الفراغ بلغة تشكيلية تستقي مفرداتها من الفن المصري القديم، فنشاهد البوابات و التخطيط المعماري المتماثل على المحور الرأسي لفراغ العرض والمسلة والهرم والتماثيل، وتلك الأصوات التي تنبع من النهر وحفيف الأشجار، حيث الأحراش القديمة في الدلتا تنبئ عن قدوم حتحور، صليل الذهب والصنوج في كفوف خادمات المعبد الساحرات، عبق البخور وخشب الصندل، في ردهات المجهول القادم، يقولون لعلكم تقضون أوقاتًا مشوقةً بصحبتنا في رحلتنا عبر تاريخ الإنسانية الحافل بالإنجازات والخيبات، ذلك التعبير الاستلهامي لفكرة التراث الحضاري المصري القديم، الذي يذكرنا بتلك الحوليات الديموطيقية في الأسرة الحادية والعشرين، وهي تردد، أيها الملك احذر وتحرَّ الميزان كي تبارك الأرضُ بالعدل.

يمتزج في العمل الفني الذي يقدمه الفنانون الثلاثة استخدام المحاكاة الفنية الساخرة parody. وكذلك الحنين إلى الماضيnostalgia.، كما نجدُ خلطاً للأساليب والخامات pastiche. المتنوعة،إلى جانب التقنيات الأكثر تعقيداً وتركيباً التي تظهر في فن التصوير والنحت.واستخدامات الصوت و تصميم و بناء المجال الصوتي للعرض،و الإضاءة الموظفة بشكلٍ واعٍ يحتوي المشاهد مع استخدام قصص رمزية غامضة المعنى enigmatic allegory. واستخدام الشفرة المزدوجة double - coding.لشخصية خنوم و أيضاً تلك الرسالة التي تعد بقضاء أوقاتٍ مشوقةٍ في هذا العالمِ الغريب،تلك التورية الساخرةirony. حيث الغموض والتباس المعنيambiguity والتناقضcontradiction .

فالتجهيز في الفراغ هنا لدى الفنانين المصريين يرفض التركيز على محور أحادي للأفكار الجمالية والفلسفية في سبيل التفكير في الوحدة القائمة بين عدد من التكوينات المختلفة والتفاعلات بين العناصر الفنية وسياقها العام، و إذا لم يستوعب التجهيز في الفراغ هذه الرؤية أصبح تقنيةً أو استعراضًا مفرغًا من أي معنى.

وهذا النوع من الفن يحتوي علي مفردات كثيرة من مجالات الممارسة الفنية، كالنحت كما يتضح في منحوتات خنوم، التي أضيف لها ذلك البعد الإلكتروني كنذيرٍ يقوم بالبث والتفاعل عن بعد مع المتلقي للعمل الفني الذي يعيش في سياق جديد خلقه العرض المتكامل بين التصويروالعمارة، وكذلك قد يشتمل على فن الأداء Performance Art  والذي يستخدم فيه العنصر الآدمي الحقيقي، ليصبح أحد مفردات الكل الفني، والفنون التفاعلية التي يختبرها المتلقي أثناء دخوله ثم تفاعله مع خنوم ثم خروجه من الجناح المصري، أو تواصله مع انعكاسات جسده أو انعكاسات الآخرين خلف الجدار الشفاف كخيال الظل أو السيلويت، وتنشط علاقة العمل الفني بالمشاهد، حيث تتم المواجهـة بينهما، وبذلك لا تتكشف المعاني بشكل مكتمل، وتظل خافية إلى أن يتوصل المشاهد إلى حقيقتها المتعددة الأوجه بنفسه، فارتباط العمل الفني وتحديد صلته بالمشاهد لم تعد له صفة تأمليـةContemplative  بـل له قوة فاعلة تزج بهليكون عنصرًا فاعلًا من خلال تواجده الجسدي في فضاء التشكيل، وحرية اختياره للتواجد داخل رحاب العمل الفني، فالعمل الفني هنا لابد أن يدعونا للتأمل ويثير فينا كمتلقين العديد من التساؤلات، والتأويلات لفك تلك الشفرات المتعددة الأوجه الكثيفة المعاني.

والجانب الآخر المهم هو ( جغرافية المكان ) في التجهيز في الفراغ الذي قدمه الفنانون المصريون؛ إذ لم يعد العمل سجيناً للجدران؛ بل ينطلق في جميع أبعاد " المكان " رأسيًا وأفقيًا، ليشملها كجزء منه، وهي تحتويه كجزء منها وهنا تتضح أهمية هذا العمل  ذي الشخصية المصرية المعاصرة الممتزجة بروح الحضارة المصرية القديمة ، حيث أصبح المكان عنصرًا آخر من مكونات العمل الفني تراعى فيه معمارية وجغرافية المجال، وبذلك تتقارب مجالات الممارسة الفنية المختلفة كالنحت، التصوير و العمارة، في سبيل الوحدة والتفاعل بين جميع وسائط التعبير المستخدمة، سواء كانت أشكالاً نحتية، أعمالاً تصويرية، أفلاماً وثائقية ،وموسيقي، أو صورًا فوتوغرافية وغيرها، ومن هنا تتضح قوة الفراغ الذي يستخدمه الفنانون المصريون كحدود تشكيلية للعمل حيث يقوم الفنان بتنظيم عناصره داخل فراغ محدود، أما مـن جانب محتوى التشكيل، فانه يحاول أن يخرج المعاني الكامنة في العناصر المكونة للعمل، ونوعية صلتها بالمكان فيزيائيًا (الصوت و الصورة و الرائحة و الملمس) ومعنويًا. فهو ينحو إلى ما يسمي " بالجغرافية النفسانية " للمشاهد والتي تهتم  بعملية التلقي و أصولها المعرفية والإدراكية، من حيث إنشاء المعاني بصورة حيوية من خلال استقباله للأعمال الفنية، و تفاعله إنسانيًا  خلال مروره ببيئات مختلفة صنعها أحمد وإسلام وشيحا، بحيث تتولد بذلك ملايين العلاقات وتتشابك وتتعدد بتعدد المتلقين للعمل الفني، وعدٌ جديد بميلادٍ أكثر إنسانية للعالم يقدمه الجناح المصري في بينالي فينيسيا الدولي الثامن و الخمسون.

خنوم ذلك الراوي الحكيم ، ذلك الخصبُ المبدع ، تنبت به الأرضُ من جديد، تلك الأرض  التي مستها يداه في صباح العالم لن تحيا حياةً عادية بعد قُبلَتِهِ تلك، ستغدو خطوتُها كونيةً وترفرف على الماء، وكلما مست يدُه طميها؛  ينبتُ القمحُ و ستصبحُ أمَّاً للعبادِ وربةً للمساكين، ستسكن جسَدَها السامقَ أطيافُ الملائكة، وتمتلك صولجانَ البركةِ في بذرته، وتلمُّ في نطاقها البريِّ كلَّ الجراح و تصنعُ من الألمِ تمثالاً تبثُّ فيه الورود، صرحًا جميلَ الخلقِ يصدحُ باسمها المقدسِ، تذكارَ مسةِ النور الذي ملأ الوجود ذات صباح.

 

 
 
 
 
 


















التعليقات



سيعجبك أيضاً

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

كرة اليد

انجازات في المحافظات

العدالة الاجتماعية

Rosa TV

القدس عربية

الشائعات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

المعهد العالي للغات بالمنيا

تطوير مصر

اعلان مراتب سوفت