بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

25 مايو 2019 - 46 : 11   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

رمضان زين الزمان ( 3 )

15 مايو 2019 - 46 : 11




كتب - د. عزة بدر

"يا أمة خير الأنام.. صيام.. صيام"

 

يا قمر طالع.. إيوحا.. بفانوس والع.. إيوحا.. انت حبيبي املالي جيبي

 سكر أحمر.. وزبيب أسمر.. وأنا أدعيلك وفي يوم عيدك.. امتى أجيلك؟

وحوي وحوي

بالأغاني والأناشيد، بالأحاجي والفوازير، بليالي ألف ليلة وليلة يستقبل المصريون دائما شهر رمضان المبارك وفى لياليه الساحرة تتجلى روح هذا الشعب الأخاذة التي تاسر الألباب وتستأثر بالقلوب، منذ القدم وحتى الآن لشهر رمضان، هذا البهاء وذلك السحر الذي يجتليه المصريون بحكمتهم البالغة (ساعة لقلبك وساعة لربك) ولذا فلا عجب أن تكون ليالي رمضان الساحرة مقسمة بين مشقة الصوم والتفاني في أدائه والإخلاص فيه وبين لذة الإفطار والاحتفال بموائده وحلواه والتمتع بأطايب الطعام والشراب ولا عجب في أن يكون ليله مقسمًا بين جلسات الِذكر وصلاة التراويح وبين وصلات الطرب وحفلات الغناء فهو شعب فنان فرض تقاليده وعاداته على حكامه كما فرضها على الغزاة، فهو رمضان رغم أنف الاحتلال الإنجليزي ورغم أنف ظروف الحرب العالمية الأولى، وهو رمضان رغم ظروف الحرب العالمية الثانية، وهو رمضان الحرية وأيام الثورة ورمضان النصر، وهو ثورة أمة وفرحة شعب، تمردها وعنفوانها، إيمانها وعيدها، لتظل ليالي رمضان الساحرة ديوان المصريين نفتحه فنقرأ آيات الفكر والفن تتجلى منذ القدم وحتى الآن.

 

مجتمع ألف ليلة وليلة

الأحياء البلدية في القاهرة هي بقايا لا تزال حية لمسرح ألف ليلة وليلة كما يقول المؤرخون وإذا كان كثير من حوادث هذا العمل القصصي العظيم قد وقع في بغداد فإن المجتمع الموصوف فيه هو مجتمع القاهرة ولا يزال كثير من سمات الحياة كما تبدو في ألف ليلة وليلة باقية فيه حتى اليوم.

فكيف احتفلت مصر برمضان أول القرن؟

كيف احتفل الناس في البيوت والأسواق والمحال وفي دور اللهو والمسرة بعد الإفطار وكيف أحيوا ليالي الصوم في المساجد والزوايا؟

 

الاحتفال برؤية الهلال

تسمى الليلة التي يترقب فيها الناس هلال رمضان بليلة الرؤية، وفى ذلك اليوم الذي وصفه إدوارد لين في كتابه (المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم) يسير موكب المحتسب ومشايخ الحرف المتعددة: الخبازون والطحانون والجزارون وباعة الفكاهة وغيرهم بالإضافة إلى فرق من الموسيقيين وفرق من الجنود، فيسير الجميع من القلعة إلى مجلس القاضي وينتظرون عودة أحد المرسلين لرؤية الهلال وتزدحم الشوارع التي يمر منها هذا الموكب بالمشاهدين على الجانبين، وجرت العادة أن تقاد خيول مسرجة بأجمل السرج وتعزف الموسيقات وعندما يصل خبر رؤية الهلال إلى مجلس القاضي يقسم المجتمعون أنفسهم إلى عدة فرق تعود إحداها إلى القلعة ويجول الآخرون في الأحياء المختلفة: (يا أمة خير الأنام.. صيام.. صيام) وإذا لم يظهر الهلال هذه الليلة يقولون: (غدا من شهر شعبان فطار.. فطار).

تلك هي ليلة الرؤية التي تعود المصريون الاحتفال بها على هذا النحو وقد ظل هذا الاحتفال يحمل هذه البهجة وتلك المراسيم مع بعض التغييرات في التفاصيل فرؤية هلال رمضان في 29 شعبان 1319 هـ الموافق 11 ديسمبر 1901م، كانت كما وصفتها جريدة الأهرام كالتالي: (في الساعة الثالثة والنصف يجتمع أرباب الطرق في محافظة القاهرة ويسيرون موكبًا يهلل ويكبر إلى المحكمة الشرعية لإثبات رؤية الهلال ويسير في الموكب أورطة من البيادة تتقدمها موسيقاها وعند ثبوت الرؤية تطلق المدافع تبشيرًا برؤية الهلال، ويصبح المسلمون في الغد صائمين، وظل موكب أهل الحرف طقسا من طقوس موكب ليلة الرؤية، خاصة في المحافظات وقد ظل الموكب أحد تقاليد شهر رمضان التي يحاول المصريون إحياءها فكان يخرج الموكب بمجرد رؤية الهلال من قصر ثقافة الغوري حاملا الإعلام والبيارق طوافا بشارع المعز لدين الله فيبدأ تجواله من عند باب زويلة إلى قصر الغوري فيعزف العازفون ويرقص أصحاب (التنانير) رقصة التنورة المشهورة حيث تتشكل الرقصات على هيئة فانوس ويقوم بهذه الرقصة نجوم الفرقة: عبد النبي الشهير ببندق ومصطفى الغريب الشهير بأنوس وحسين الضو وغيرهم، إلا أن تمثيل أصحاب الحرف ونماذج من آلاتهم والتي كان يتم استعراضها في الموكب قديمًا في القاهرة ومحافظات مصر فلم يعد يتم وأصبح في عداد ما انقرض أو اختفى من طقوس احتفالات الموكب في رمضان.

 

محلات القاهرة في أول القرن

أما محلات القاهرة فكانت تحتفل بالشهر الكريم احتفالًا بهيجًا، فهي تعلق الفوانيس المضاءة على أبوابها وتنشر إعلانات في الصحف الشهيرة حول ما توافر من بضائعها خلال الشهر الكريم فهذا هو (نقولا يكيتابيدس) البقال والحلواني الشهير بالموسكي ينشر إعلانا كبيرا في جريدة الأهرام بتاريخ 16/1/1900م يتحدث فيه عما استحضره بمناسبة شهر رمضان فعنده كمية وافرة من الحلويات التركية وأنواع الملبس والحلوى كلها أفرنجية وتركية وعربية حيث لا يماثل محله آخر لا في الجودة ولا في مهادوة الأثمان.

أما شركة (وولكر ومباراكي) التي رأس مالها 250 ألف جنيه إنجليزي كما نشرت في أهرام 9 يناير 1900 م فقد استوردت كثيرا من الحرائر والملبوسات والأصواف بمناسبة حلول شهر رمضان وجعلت لقسم المودة: سيدة باريسية مشهورة لتشرف عليه لمساعدة السيدات في اختيار ما يناسبهن هذا بالإضافة إلى جميع أصناف الملابس وفضيات السفرة من معمل (كريستوفل) وذلك بالثمن الذي يباع به في أحسن محلات باريس، وينوه الإعلان بأن للمحل فروعا كبيرة في الإسكندرية ووادي حلفا وبرير، ورغم الغلاء الذي أصاب جميع نواحي الحياة في ذلك الحين، بسبب تكاثر الشركات الأجنبية وسيطرتها على النواحي الاقتصادية وما ألحقته هذه الشركات من الأضرار الاقتصادية بالمواطنين والعاملين وأصحاب الأعمال من المصريين بل شملت الأزمة أصحاب المال من الأجانب من سكان البلاد ورغم ارتفاع أسعار السلع فقد زادت أجور المساكن بنسبة 35% وزاد كل صنف من صنوف المأكول والمشروب حوالي 33% وكان الغلاء حينذاك كالحلقة المفرغة يتبع بعضه بعضا من أصغر الأشياء إلى أعظمها مما أشعر الناس بالضيق، فكتبت الصحف في شهر رمضان 1319 الموافق 31/12/1901م مدافعة عن الفقراء ثائرة على مظاهر الغلاء قائلة: (رجال الحكومات في العالم يدافعون عن ثروة الفقير كل الدفاع فهل نرى ذلك في حكومة مصر؟ إن حكومات الأرض تفتخر بفقرها وغنى الأهالي ولكن حكومة مصر تفتخر بغنى خزانتها ولو افتقر الأهالي). وقد نادت جريدة الأهرام حينذاك بضرورة سن قوانين تحفظ حقوق العاملين وتحفظ البلاد من استفحال سيطرة الشركات الأجنبية صارخة: (كأن لم يكفنا ما أصابنا في الإدارة والسياسة جراء الاحتلال حتى تستخدم قوانين لإنشاء تلك الشركات لفعل ما تريده في بلادنا). ورغم ذلك فقد حاول الخديو وقتها احتواء الناس فقد حرص على أن يكون إفطاره في أول يوم رمضان مع العلماء في سراي عابدين، كما كان يحرص على الصلاة في الجامع، حتى إن موكبه الذاهب للصلاة كان مشهودا فكانت الصحف تسميه (حفلة الصلاة).

وفي حفلة الصلاة كان يأتي الجناب العالي بموكبه الحافل وتطلق المدافع 21طلقة تحية له وكان الجند المشاة يصطفون ليحيوه التحية العسكرية ويقابله عند مدخل الجامع أصحاب الدولة: الأمراء وحضرات النظار والعلماء ومحافظ العاصمة ومدير الأوقاف والأعيان حيث يكون الناس حول الجامع جمهورا غفيرا لا يدرك الطرف آخره، ويكون بينهم كثير من السياح الذين كانوا يتوافدون لرؤية هذا الحفل الكبير حيث يخرج الجناب العالي بعد الصلاة فتطلق المدافع 21 طلقة وتصدح الموسيقى ويشهر الجنود السلاح تحية وتعظيما حيث يعود الجناب العالي بموكبه الحافل إلى سراي عابدين.

 

صيام الخديو

هكذا كان صيام الناس وكانت ظروف الغلاء في أول القرن فقد اشتدت وطأة الأزمة الاقتصادية على الناس بسبب سيطرة الشركات الأجنبية على الاقتصاد الوطني ولولا أرباح القطن لكانت العاقبة أعظم ضررا، كان الخديو يقضي نهار صيامه في النزهة والصيد والقنص، فرمضان ليس من الأشهر الحرام التي يحرم فيها الصيد، ولذا كان الجناب العالي يسافر إلى تفتيش مشتهر ليقضي نهار رمضان في الصيد وبمعيته خاصته الملكية ثم يتناول إفطاره في سرأي التفتيش ويعود مساء إلى العاصمة، وعندما وصل بقطار خاص إلى محطة طوخ في الساعة السابعة وخمس وخمسين دقيقة مساء تشرف بمقابلته إبراهيم فخري عمدة البلدة ولثم راحته الكريمة، فتلطف سموه بسؤاله عن بعض الشؤون ثم سار القطار وجنابه الفخيم يحيي الواقفين باللطف والبشاشة، كما نشرت جريدة الأهرام أخبار الخديو بتاريخ 13/1/1900م في 12 رمضان 1317هـ

وبينما عانى المصريون من انخفاض منسوب النيل بشكل غير اعتيادي عام 1900م فأصيبت الأراضي بالشراقي حيث عانى المصريون من هذه الأزمة الاقتصادية، كان الخديو يحتفل بعيد جلوسه في حفل ضخم كان يتم الإعداد له من قبل لجنة خاصة تقضي ليالي رمضان في العكوف على ترتيب حفلة جنابه العالي وما يستلزمه الحفل من زينة وألعاب وأسهم نارية وأنوار وحرائق وبهلوانات وألعاب بلدية وزوارق مزدانة بالرايات للتنزه في بحيرة الأزبكية بالإضافة إلى الطبل والمزمار والألحان الموسيقية التي يقوم بها عبده الحامولي ويوسف المنيلاوي وحيث يمثل الشيخ سلامة حجازي رواية بديعة في تياترو الحديقة، يتخللها أدوار طرب تقوم بها الست ملكة سرور، وحيث تكون جميع اللوجات الخاصة بالفرجة محجوبة بأغطية قاصرة على الحريم فقط، وأما الكراسي فتكون للرجال والحمد لله أن الخديو قد خصص إيراد الحفلات لتوزيعه على الجمعيات الخيرية في القاهرة ليكون للفقراء نصيب من أفراح عيد جلوسه السعيد!

وبينما نشرت الصحف أخبار الحفلات الخديوية ونزهاته الرمضانية التي كان يقضيها في الصيد والقنص، نشرت هذه الصحف أيضا بتاريخ 19 رمضان 1319هـ الموافق 31/12/1901م قصة المرأة التي ضربها زوجها ضربا مبرحا حتى رض عظامها رضا فتقرر علاجها 13 يوما لأنها طالبته بما يستلزمه عمل الكعك من دقيق وسمن وسكر وعسل، ووصفت الصحف أمنيات الزوج الذي ندم لأنه لم يضرب زوجته أكثر لتكون مدة العلاج أطول فلا يرى وجهها في شهر رمضان وأسف لإمساكه عن ضربها لأنه فقير جدا لا يملك ما يشتري به خبزه.







التعليقات



سيعجبك أيضاً

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

افطارا شهيا

دنيا ودين

Rosa TV

انزل شارك

امم افريقيا 2019

الشعب يجني ثمار الإصلاح

اعلان.. البنك المصري لتنمية الصادرات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

اعلان مراتب سوفت

شركة المستقبل

شركة تطوير

بيع شقة بالمزاد العلني

الصحفييين