بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

20 اغسطس 2019 - 27 : 0   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

رمضان زين الزمان (6)

21 مايو 2019 - 58 : 16




كتبت - د. عزة بدر

أشهر جوامع القاهرة في ليالي رمضان

 

"اصحي يا نايم، اصحي وحد الدايم/ وقول نويت بكرة إن حييت الشهر صايم والفجر قايم/ دي ليالي سمحة.. نجومها سبحة  رمضان كريم"

 لعله لا يزال صوت المُسحر يُسبح ويوقظ النائمين للصلاة والقيام والصيام، فإذا لم يكن يطوف في الحي الحديث الذي تسكنه فربما لا يزال يتردد صوته بخيال بهيج، جزء من ذكرى طفولة أوصبا، أو ينبعث صوته على البازة من راديو مجاور، بصوت سيد مكاوي، ويصدح بكلمات مسحراتي الشعب الشاعر فؤاد حداد" أصحى يا نايم أصحى/ السعى للصوم خير من النوم / دى ليالى سمحة / نجومها سبحة / وحد الدايم.

 

ألم أقل لك عزيزي القارئ أني من السعيدين الذين رأوا رمضان طاقة نور، لازلت أراها كما رأيتها في الحلم وارفة الضوء، ولازلت أسمع صوت المُسحر.

يتردد مؤنسا في الحي الذي أسكنه بمدينة نصر فلا حرمني الله منه، وأنا أنصت إليه وهو يُسحر، وأسمع أصوات الأطفال وهم ينادون عليه بلهفة، ليهتف بأسمائهم العزيزة في ليالي رمضان، يكتبها بحروف من سحر على بازته، ينادونه: "قول محمد، قول مصطفى قول نهلة، قول ليلى، فينادي ويسحرهم متغنيا بأسمائهم، فتستيقظ طفولتي، أتأملها في ضي القمر، وأهتف:

 

قول: عزة! ، فلا يسمعني ، لكنني أنا أسمع بازته، ونقراته عليها وأستعيد في التو واللحظة طفولتي، وفانوسي أبو شمعة ، وأذكر أنني أحببت فانوسا في صباي كان اسمه "عفركوش"، وكان اسمه على مُسمى فيضيء وحده، وينطفئ وحده كما لو كان عروسا تغمض عينيها وتفتحهما وفقا لطبعها الخاص فلم يكن فانوسي هذه المرة بشمعة لكنه ببطارية ، يضيء ما شاء له الضوء، ويُطفئ كلما عَنَّ له السكون والخلود إلى الراحة، كنت أقبض عليه بيدي، وأنا أسير من شارع الشرباصي إلى شارع التجاري في دمياط، وفي عيني فرحة رمضان، لا تزال مآذن جامع البحر تتراءى لي، وهو الجامع الذي تقول عنه د. سعاد ماهر أن عمارته من روائع العمارة في القرن العشرين، كنت مسحورة به، وأنا أدلف إليه من السوق المسقوفة التي تتميز بوجود محلات العطارة، والعطور، لازلت أذكر القرائين المُذهبة والمُفضضة في أمكنتها في خزانات خشبية، والمصلون يعمرون الجامع مع كل صلاة.

وتتميز دمياط بوجود جوامع عديدة من أشهرها جامع المعيني، وكان من كبار التجار في دمياط وله أيضا مدرسة باسمه، وتوفى عام 860 ه، وذكر اسمه في الخطط التوفيقية لعلى مبارك، وفيها مسجد أبو المعاطي، وهو من أقدم مساجد دمياط، وهناك أيضًا مسجد المدبولي، وهو المدرسة المدبولية التي أنشأها قايتباي لسيدي إبراهيم المتبولي، وجاء ذكره أيضًا في "الخطط التوفيقية"، ووصفت معماره سعاد ماهر في كتابها "مساجد مصر وأوليائها"، زوايا وأضرحة تميز المدينة منها: زاوية الرضوانية، وضريح جمال الدين شيحة، وزاوية البدري.

من دمياط إلى القاهرة كانت رحلتي في ثمانينيات القرن الماضي للالتحاق بالجامعة، وأيضا للعمل بالصحافة، ولا تزال كلمات يحيى حقي حلقة في أذني "من لم ير جامع السلطان حسن وجامع الرفاعي لا يكتب شعرا جميلا"، وكنت أريد أن أكتب شعرا جميلا، فزرت العديد من مساجد القاهرة ووقر في قلبي أن فنون العمارة كالشعر لها ماله من جمال البنيان وسحر المعنى، وتأكدت لي علاقة الشعر بفنون العمارة عندما قرأت كتاب د. سعاد ماهر عن مساجد مصر، وتطلعت إلى معمارها، كان الشعر جزءا لا يتجزأ من العمارة فعلى قبة سيدنا الحسين الداخلية كان الشعر حاضرا كجزء من ملاحة البناء، فقد كتب فوق الباكية الشريفة أبيات من الشعر منها:

 

"ركن هذا المقام جنة عدن / من أتاه يفوز بالمأمول

ركن هذا المقام ركن سديد / نال فيه الداعون حسن القبول".

هل للمعمار روح تشابه روح الشعر، هذا الانفتاح النفسي على أجواز الفضاء، هذه المآذن التي تعانق السماء، أقواس القباب التي تحتوي النظر، المحاريب، التوجه نحو قبلة، والتوجه نحو معنى، حالة من محاولة جمع شتات النفس في صلاة أو في قصيدة بعد أن يقلب المرء بصره في سماء الحيرة، بحثا عن قبلة يرضاها، عن معنى للحياة، والشعر، والجمال.

صدق يحيى حقي، زرت العديد من المساجد، وبالذات في رمضان، حيث يعمرها المصلون.

وأذكر أنني في إحدى زياراتي لمسجد السيدة زينب رضى الله عنها، قابلت الشاعرة الراحلة علية الجعار، وكانت لها قصائد دينية جميلة ومن أشهرها أغنية "خد بإيدي التي غنتها شادية في احتفال من احتفالات الليلة المحمدية، وتقول كلماتها: "قلت يا شموع الفرح حواليه قيدي / جه حبيبي وخد بإيدي / قلت له أمرك يا سيدي/ لما جه سلمت له عقلي وقلبي / من حنانه ورحمته وعطفه عليا / هو نعمة من السما / أرسلها ربى بالهدى / بالخير لكل الإنسانية / يوم ما جه حسيت بإن اليوم ده عيدي / جه حبيبي وخد بإيدي / قلت له أمرك يا سيدي.

عند المقام التقينا، وكانت في يدها قطعة من الحرير الأخضر من كسوة المقام إذ يحب زوار المقام الحصول على جزء منها أثناء تجديد كسوة المقام، قطعة من حرير أخضر بهي، مثلثة مطوية، وأذكر أنني سعدت بها كما نسعد بحبات مسبحة جديدة، وأسمعتني علية الجعار يومها قصيدة دينية جميلة.

 

 

 

جامع السيدة زينب

تعلق أهل مصر بالسيدة زينب حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي عقيلة بني هاشم، أمها فاطمة الزهراء بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبوها علي بن أبي طالب، وهي أخت الحسن والحسين سبطيّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والسيدة زينب هي بطلة موقعة كربلاء التي استشهد فيها الحسين، فقد استبسلت في الدفاع عن أخيها، وأنقذت ابنه عليا زين العابدين من يدي عبدالله بن زياد أمير الكوفة، وكان يود قتله كما قتل الحسين وضربت مثالا للشجاعة في مواجهة يزيد بن معاوية فسمح لها بالمسير معززة مكرمة إلى المدينة المنورة هي وأهلها، وجامع السيدة زينب في الميدان الذي يعرف باسمها الآن، قد اكتشف أثناء توسعة الميدان عام 1315هـ - 1898م، وأول من جدد الجامع كان الوالي العثماني على باشا عام 915هـ - 1547م، ثم أعاد تجديده الأمير عبدالرحمن كتخدا سنة 1170هـ، ومنذ اكتشاف واجهة الجامع في القرن التاسع عشر، أصبح يطلق على الميدان بل على الحي كله اسم السيدة زينب ، والمسجد الموجود حاليًا يتكون من سبعة أروقة موازية للقبلة يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة، ويقابل القبلة قبة ضريح السيدة زينب ويقابل ضريحها رحبة مماثلة للصحن، وفي الطرف الشمالي الغربي يوجد ضريح سيدي العتريس، حيث يسمى الشارع المجاور باسمه.

ويتألق الجامع دائما فهو مهوى الأفئدة، التي تتطلع في شوق إلى مسجد حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تتعلق نفوسهم بحبها وبحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتأملون في عظمة شجاعتها وفي قوة خطابتها، وكانت فصيحة خطيبة، وكان لها مجلس علمي حافل تقصده جماعة من النساء اللواتي يردن التفقه في الدين، وهي تلقب في مصر باسم "أم العواجز"، والطاهرة، وأم هاشم ويأتي أحبابها بالملايين من كل حدب وصوب، وقد تعلق بها المثقفون والأدباء أيضا وليس العوام فقط، فها هو يحيى حقي في روايته "قنديل أم هاشم" يصف ليالي رمضان على أهل السيدة زينب عقب قدوم بطله إسماعيل من إنجلترا فيقول "وحلت ليلة القدر فانتبه لها إسماعيل، ففي قلبه لذكراها حنان غريب، رُبى على إجلالها والإيمان بفضائلها ومنزلتها بين الليالي، لا يشعر في ليلة أخرى حتى ولا ليالي العيد بمثل ما يشعر فيها من خشوع وقنوت لله، هي في ذهنه غرة بيضاء وسط سواد الليل، ثم يهتف "أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهرًا؟"، وغاب لحظة في أفكاره، لقد زالت الغشاوة، لا علم بلا إيمان، وهكذا أصبح مسجد السيدة زينب ملهمًا للأدباء والمبدعين يستلفتهم الجامع وسيرة صاحبته وتعلق الناس بها وبحبها، ورغم كل هذه العواطف الجياشة وما ورد في بعض الكتب من أن السيدة زينب قدمت إلى مصر في شهر شعبان سنة 61هـ، وأقامت فيها عامًا حتى توفاها الله، ومن هذه الكتب ما قالته د. سعاد ماهر في كتابها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون"، فإن هناك بعض الدارسين يقولون، بأن السيدة زينب لم تأت إلى مصر أبدًا، فيقول المؤرخ فتحي حافظ الحديدي "إن قبر السيدة زينب في المدينة المنورة يراه أي حاج يذهب إلى المدينة المنورة، كما أن هذا الكلام والذي روج له حسن قاسم في كتابه "أخبار الزينبات"، وقال فيه أن السيدة زينب جاءت إلى مصر ودفنت فيها لا أساس له من الصحة، لأنه اعتمد على مخطوط وجده في سوريا يذكر هذا، وأن هذا المخطوط تبين بالبحث في قوائم فهارس المخطوط أنه لا وجود له، كما يقول فتحي حافظ الحديدي، والذي أكد في مقالتين نشرهما في جريدة الدستور بتاريخ 5/11/1997م، و12/ 11 / 1997 م أن وجود قبر السيدة زينب في مصر كان أحد أحلام سيدي علي الخواص، والذي رأى في منامه أن في منطقة قناطر السباع قبرًا للسيدة زينب، وكان هذا الحلم حتى جاء عبدالرحمن كتخدا، والذي اهتم بتجديد الجامع الذي أنشئ بعد ذلك مكان الضريح المتوهم، ورغم أن على باشا مبارك في خططه التوفيقية قد رجح أيضًا أن السيدة زينب لم تدفن بمصر فإن الناس تؤمن إيمانًا عميقًا بوجود رفات السيدة زينب في مصر تشوقًا لآل البيت وحبًا فيهم، ويبدو أيضا أن رؤية د. بنت الشاطئ هي الأصوب حين قالت "إنه قد ظهر في أوقات المحن والحروب التي لا تجد فيها الشعوب من تلوذ به غير الواحد القهار أن يلتمسوا أضرحة آل البيت والأولياء للزيارة والبركة والدعاء، ليكشف الله عنهم السوء ويرفع البلاء، ومن ثم ظهر ما يعرف باسم أضرحة "الرؤيا"، فإذا رأى ولي من أولياء الله الصالحين في منامه رؤيا مؤداها أن يقيم مسجدًا أو ضريحًا لأحد من أهل البيت أو الولي المسمى في الرؤيا فكان عليه أن يقيم الضريح أو المسجد باسمه" وعلى الرغم من التخريجات، التي قال بها أولئك الذين اعتقدوا في إقامة السيدة زينب في مصر، وهي أن والي المدينة المنورة لم يكن ليتركها تعيش فيها، حتى لا يلهب مشاعر الناس للأخذ بثأر الحسين، وأنه طالبها بالخروج من المدينة إلى أي مكان تشاء فاختارت مصر، وتخريجات الذين قالوا بأنها لم تأت إلى مصر أبدًا تظل سيرة السيدة زينب ماثلة في القلوب حاضرة في المشاعر وفي السرائر، فهي بطلة كربلاء وحفيدة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأينما كانت فإن ذكراها العطرة تستحق أن يُحتفل بها سواء أكانت قدمت إلى مصر أو لم تأت إليها أبدًا ولا يزال مسجد السيدة يتألق خصوصًا في ليالي رمضان، وكنت وقت زرت الجامع كان القارئ الشيخ أبو العينين شعيشع هو الذي يقيم الأذان في صلاة الفجر، وأجريت حوارا مع الشيخ إبراهيم جلهوم وكان إمام جامع السيدة زينب حينذاك، وكان يستقبل أسئلة الناس فيفتيهم في أمور دينهم ودنياهم.

 

 

 

الجامع الطولوني

تستلفت مئذنة الجامع الطولوني المميزة كل مار بمنطقة ابن طولون وقلعة الكبش والخضيري، ويستأثر هذا الجامع بعدد كبير من الزوار الأجانب، فهو أثر تاريخي وجامع يعد من أكبر جوامع مصر الإسلامية، وسر المئذنة التي تستأثر باهتمام الناظرين والمؤرخين معا، هو إنها المئذنة الوحيدة في مصر ذات السلم الخارجي، وقد ربط المؤرخون بينها وبين منارة المسجد الجامع في سامراء العراق المشهورة باسم الملوية، رغم أن الأخيرة تتميز بقاعدة اسطوانية وبدرج يدور ست مرات صاعدا بانحدار قليل إلى أعلى، على النقيض من المنارة الطولونية ذات السلم والقاعدة المربعة، ولكنهما يتشابهان في كون المئذنتين لهما سلم خارجي على عكس المألوف من المآذن، والتي يكون درجها من الداخل، وللجامع منزلة كبيرة في نفوس الناس، فهو جامع مبارك أسسه ابن طولون على جبل مرتفع يقال إن أسمه جبل يشكر، وأن سيدنا موسي عليه السلام ناجي ربه من عليه، كما أنه كان مشهورا بإجابة الدعوات، وقد شيد أحمد بن طولون مسجده فوق هذا الجبل حتى يكون بمنأى عن فيضان النيل في عصره، كما أن هذه المنطقة التي شيد فيها جامعه الطولوني كانت تقع في الجزء الفاصل بين مدينة العسكر ومدينة القطائع العاصمة الجديدة لمصر حينذاك، والتي أسسها ابن طولون عام 256 هـ/ 870 م، أما الجامع فقد بدأ في بنائه عام 263هـ/ 876م وانتهي منه في شهر رمضان عام 265هـ الموافق مايو 879م، حسب ما جاء في اللوحة التأسيسية المثبتة فوق إحدى دعامات رواق القبلة، وهذا يعني أن عملية التشييد استغرقت حوالي ثلاث سنوات.

يعيد هذا الجامع الطولوني إلى الأذهان مجد الأسرة الطولونية، والجهد الذي بذله أحمد بن طولون ليجعل لمصر كيانا حقيقيا وخاصا داخل الكيان الإسلامي العام، بل كان يحاول أن ينقل عاصمة خلافة العباسيين إلى القاهرة بدلا من دمشق، ورغم أنه لم يوفق في مسعاه الأخير، إلا أنه استقل هو وأولاده بولاية مصر، وأصلح أحوال المصريين وحكم مصر زهاء ستة عشر عاما.

ويظل لجامع ابن طولون هذه المحبة في نفوس المصريين تذكر برائحة المجد الذي حققته مصر في عهده، ولذا فقد حرص كل حاكم أن يضيف إليه تبركًا به وحبًا فيه، وفي الجامع ظاهرة معمارية تدل على هذا، وهي ظاهرة تعدد المحاريب، ففيه ستة محاريب أقدمها المحراب الرئيسي في منتصف جدار القبلة، ومنها محراب السلطان المملوكي لاجين، الذي نذر لله إن نجاه من أزمة مر بها، إذ طارده أعداؤه في فتنة مقتل الأشرف خليل بن قلاوون أن يعمر المسجد وينفق عليه بسخاء، وقد اختفى لاجين في المسجد الطولوني زمنًا حتى أمن بعد خوف، وآتاه الله حكم مصر، فأنفذ وعده وعمر المسجد الطولوني، ويقول د. أحمد عبدالرازق أحمد في كتابه "تاريخ وآثار مصر الإسلامية": "إن تعدد المحاريب بالمسجد نوع من تجديد وإحياء الذكرى والتقرب إلى الله".

 

ووقت أن زرت الجامع كنت أرى الأطفال والسياح والزوار يستأذنون إمام الجامع وكان حينذاك، الشيخ أحمد عبدالظاهر، لزيارة الجامع ورؤية تلك النافورة الأثرية الجميلة، والتي أنشاها لاجين عام 696هـ، حيث تقوم قبة على مربع يرتكز على أربعة عقود، وفي أركان المربع توجد مقرنصات تعلوها قبة، يحيط بها شريط من الكتابة "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ، وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا"، وهي الآية القرآنية التي تبين طريقة الوضوء، وكنت أرى الأطفال يتوضأون بينما تحلق أكثر من يمامة على حصباء المسجد، ولما سألت الشيخ أحمد عبدالظاهر إمام الجامع حينذاك والشيخ هشام المؤذن عن طقوس احتفال الجامع في رمضان، فقالا إن أهم ما يتمتع به الزائرون هو راحة النفس في صلاة التراويح، حيث يفد أهالي قلعة الكبش والخضيري وابن طولون بغزارة إلى المسجد الذي تتعلق قلوبهم بحبه، والذي كان يحاضر فيه حينذاك العلماء مثل د. طه عبدالسلام خضير والشيخ منصور الرفاعي عبيد، كما اهتمت وزارة الثقافة بترميم المسجد الذي يصور عصرًا زاهرًا في حياة مصر.

 

 

 

مسجد الحسين

يعتبر مسجد الحسين هو أكثر المساجد استئثارا بأكبر عدد من الزائرين ولا عجب في ذلك، فالحسين هو سبط النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد شهداء الجنة إليه تهفو نفوس الناس وتحن إليه الأفئدة فهو الذي واجه عنفوان زيد بن معاوية بن أبي سفيان ووقف في وجهه معارضًا ورافضًا مبايعته، وقد ظل كفاح الحسين وشجاعته واستبساله مضرب الأمثال، وقد قتل الحسين في مدينة "كربلاء" بالعراق ودفن هناك، أما باقي الجسد وهو الرأس فترجح آراء العلماء والدارسين أنها نقلت من مدينة "عسقلان" في مكان قريب من بيت المقدس إلى القاهرة – حيث المشهد الحسيني- ويؤيد وجود الرأس بعسقلان في العصر الفاطمي نص تاريخي منقوش على منبر المشهد الذي أعاد بناءه بدر الجمالي، وأكمله ابنه الأفضل في عصر الخليفة المستنصر كما تقول د. سعاد ماهر، وكما قال سبط الجوزي ففي أي مكان كان رأس الحسين أو جسده، فهو ساكن في القلوب والضمائر قاطن في الأسرار والخواطر، وليس أدل على ذلك من كتابات الأدباء المعاصرين الذين استلهموا حياة الحسين فكتب العقاد عنه في كتابه "أبو الشهداء الحسين" واستلهمه عبدالرحمن الشرقاوي في مسرحه فكتب "الحسين شهيدًا" و"الحسين ثائرًا"، اما القدماء فقد حفت كتبهم بأخبار مناقبه وشجاعته وأخباره ومنها كتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة و"لواعج الأشجان" لحسين عبدالكريم الحسيني، و"مناقب آل الرسول" لأبي أحمد الانباري، ويتألق جامع الحسين في شهر رمضان بشكل خاص فمنذ أقدم العصور تزدهر فيه الاحتفالات بليالي رمضان ، ويكون ذلك بإحياء لياليه بقراءة القرآن الكريم، وكانت ليلة رؤية هلال رمضان يومًا مشهودًا يتم الاحتفال به في مسجد الحسين، ويصف نجيب محفوظ في روايته "خان الخليلي" هذا الاحتفال فيقول "وجاء مساء الرؤية، وانتظر الناس بعد الغروب يتساءلون، وعند العشي أضاءت مئذنة الحسين إيذانًا بشهود الرؤية، وازينت المئذنة بعقود المصابيح مرسلة على العالمين ضياء لآلئ فطاف بالحي وما حوله جماعات مطبلة هاتفه "صيام.. صيام، كما أمر قاضي الإسلام فقابلتها العلماء بالهتاف والبنات بالزغاريد، وشاع السرور في الحي كله.                                 

 

ورغم أن أحداث الرواية تدور إبان أحداث الحرب العالمية الثانية، ورغم إطلاق المدافع لظروف الطوارئ فإن الرواية تسجل أن الأهالي كانوا يضيئون الأنوار ويحتفلون بإحياء ليالي رمضان في مصر، وكانوا يجبرون الاحتلال الانجليزي على مراعاة طقوس شعائرهم الدينية وخصوصًا في رمضان، فتنقل لنا الصحف طرفًا من أخبار هذا، فقد نشرت جريدة "الأهرام" بتاريخ 29 مايو 1919م الموافق 26 شعبان عام 1337هـ خبرًا يقول "نظرًا لحلول شهر رمضان، الذي قضت الأوامر الدينية والعادات المألوفة عند المسلمين بإحياء لياليه، بالتقرب إلى الله بالصلوات والدعوات إلى ما هنالك من صلة الأرحام والتزاور بين الناس، فقد رأى صاحب الدولة وزير الداخلية تمهيد الوسائل للاحتفاظ بهذه السُنة الحميدة، والعمل على استمرارها حتى انتهى إلى الاتفاق مع السلطة العسكرية على إزالة بعض القيود لأجل زيادة التسهيل على المسلمين في التفرغ أثناء الشهر المبارك إلى إحياء لياليه بقراءة القرآن الكريم، والاستماع للذكر الحكيم، وعلى ذلك صدرت الأوامر إلى رؤساء المناطق العسكرية المختلفة في القطر المصري بعدم التضييق على المسلمين في استعمال الأنوار بمساكنهم، وعدم التعرض لهم في غدوهم ورواحهم، واجتناب أي عمل يكون من شأنه الحيلولة دون قيام المسلمين بشعائرهم وفروضهم"، وتؤكد الجريدة أنه قد صدرت الأوامر المشددة بإفهام الجنود ما لهذا الشهر الكريم عند المسلمين من المكانة الممتازة والحرمة الخاصة.                                                                   

وظل المشهد الحسيني في نفوس الناس رمزًا للشعور بالأمن والطمأنينة، وهذا شعور أصيل يساكن قلوب المصريين الرهيفة تجاه أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صور الأدب مثل هذه الأحاسيس تصويرًا فنيًا راقيًا، ففي رواية "خان الخليلي" لنجيب محفوظ نراه يصور انتقال أسرة بطل القصة "عاكف أفندي" من حي السكاكيني إلى حي الحسين هربًا من غارات الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، قائلًا على لسان رب الأسرة "هذا الحي في حمى الحسين - رضوان الله عليه – وهو حي الدين والمساجد، والألمان أعقل من أن يضربوا قلب الإسلام وهم يخطبون ود المسلمين.

 

وقد ظل المشهد الحسيني في قلوب المصريين حبيبا، وعزيزا، حتى أن عالم الاجتماع د. سيد عويس قد سجل في كتابه "هتاف الصامتين" رسائل البسطاء وشكاواهم لسيدنا الحسين، ملاذ البسطاء، ففي المشهد الحسيني رأس الحسين سبط رسول الله صلى عليه وسلم ، حيث أنشئت للرأس النبيل خصيصًا قبة هي المشهد الحالي وكان ذلك سنة 549هـ، وقد عني الخلفاء والحكام في العصور المختلفة بالمشهد الحسيني في عهد الدولة الأيوبية، وفي العصر المملوكي، وفي العصر العثماني توالت محاولة توسعة المسجد وتجديده، وورد في تاريخ الجبرتي وصفًا للاحتفال بتوسعته، وبعض الإضافات التي جرت في عصره، إذ نقل إلى المشهد تابوت أبنوس مطعم بالصدف والعاج، وجُعل عليه سترًا من الحرير المزركش، ومشت أمامه طائفة الرفاعية بطبولهم وأعلامهم وبين أيديهم المباخر الفضية وبخور العود والعنبر، وقماقم ماء الورد يرشونه على الناس، وساروا بهذه الهيئة حتى وصلوا إلى المشهد الشريف، ووضعوا ذلك الستر على المقام، وفي عهد الخديو اسماعيل أمر بعمارته على أتم شكل وأحسن نظام، تنفيذًا لأمر السلطان عبدالعزيز الذي زار المقام الحسيني عام 1279هـ، وقد وصف علي مبارك في خططه مسهبًا في وصف الانشاءات، وفي وصف الفرش النفيسة، وتنويره بالشموع والزيوت الطيبة في قناديل البلور، وما رتبوا للجامع من الأئمة والمؤذنين والمبلغين والبوابين والفراشين والوقادين والسقايين ونحو ذلك، هذا عدا ما تبرع به الأمراء وعلية القوم، فقد أحضرت له العمد الرخام من القسطنطينية، وثلاثة أبواب مبنية من الرخام الأبيض جهة خان الخليلي، ومثلها الباب الأخضر الذي بجوار القبة وللمسجد مئذنتان إحداهما قصيرة وقديمة بناها أبوالقاسم بن يحيى المعروف بالزرزور سنة 634هـ فوق القبة والمئذنة الثانية تقع في آخر المسجد وهي مرتفعة ورشيقة على الطراز العثماني، الذي يشبه المسلة وعليها لوحان بخط السلطان عبدالمجيد خان كتبها عام 1266هـ بأحدهما سورة الأنعام آية 90 "أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ"، والآخر " أحب أهل بيتي إلى الحسن والحسين"، وبشرقي المسجد باب يوصل إلى قاعة الآثار النبوية، التي أنشأها عباس حلمي الثاني عام 1311هـ، وهي قاعة متسعة الأرجاء مفروشة بالسجاد الدقيق الصنع المستورد من إيران وتركيا تضاء بالمصابيح والثريات النادرة أما دولاب الآثار الشريفة ففيه قطعة من قميص النبي، صلى الله عليه وسلم، ومكحلة ومرود، ومصحفان كريمان بالخط الكوفي أحدهما بخط سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، والآخر بخط سيدنا الإمام علي كرّم الله وجهه.

 

ومازال الولاة والحكام يعنون بهذا المسجد الجامع، وقد زيد في مساحته في عهد ثورة يوليو 1952م، ونمت به الكثير من التوسعات والإنشاءات فيما بعد ذلك، ولايزال المسجد يلقى الحفاوة والاهتمام من الدولة، وقد زرت المسجد، وتحدثت مع إمام المسجد حينذاك وكان الشيخ أحمد عرفات، وكان هناك برنامجا حافلًا في رمضان تتمثل في الدروس العلمية التي تعقد من بعد صلاة الظهر إلى العشاء، ومن هذه الدروس ما هو خاص بالسيدات قبل صلاة الظهر، وفي المسجد لجنة خاصة بالفتاوى ترد على اسئلة الناس يوميًا، وفي الجامع مكتبة ثرية يقصدها العديد من القراء، وتحتوي على العديد من الكتب الثقافية والدينية المتنوعة، والشيخ أحمد فرحات كان أيضًا من سكان الحسين، وحكى لي أن أعز الذكريات الرمضانية إليه هي مشاركته للجنود – في حرب أكتوبر عام 1973م من خلال التوجيه المعنوي، إذا كان يتواجد معهم على الخطوط الأمامية للجبهة.

وإلى حلقة قادمة.

 











التعليقات



سيعجبك أيضاً

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

انجازات في المحافظات

العدالة الاجتماعية

Rosa TV
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

المعهد العالي للغات بالمنيا

تطوير مصر

اعلان مراتب سوفت