بوابة روز اليوسف

بوابة روز اليوسف

24 اغسطس 2019 - 45 : 15   Facebook twitter Youtube   RSS
بوابة روز اليوسف
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

أحمد المرشد يكتب: ناصر في ذكرى ثورته.. زعيم لا يموت وموال تحكيه الشعوب

29 يوليو 2019 - 10 : 14




يطيب لي في مثل الوقت من كل عام أن اكتب عن ثورة 23 يوليو المجيدة، فهي باقية أبد الدهر لن تمحي من الذاكرة مهما فعل الحاقدون والشامتون، فهو ثورة بمعناها الحقيقي أقامت الدنيا ولم تقعدها وقتها ويكفي إنها كانت ملهمة لكل شعوب العالم قاطبة للتحرر من الاستعمار والانعتاق من الرجعية والتخلف، فقائدها العظيم الراحل جمال عبد الناصر الذي أبي علي نفسه الخلود الي الراحة والسكينة قرر الوقوف إلى جانب الشعوب المظلومة ضد قوي الاستعمار والنهب والاستغلال، فكان ملهما وأصبح زعيما عالميا بدون أن يسعي لذلك ولكن الأقدار هي التي دفعته للعب هذا الدور المحوري آنذاك. إنها ثورة 23 يوليو العظيمة التي ما أن تأتي ذكراها السنوية حتي تأتي التحليلات والتقديرات والمعلومات التي تكشف لأول مرة عن تداعياتها وأثارها مصريا، وعربيا، وإقليميا، وعالميا، فالثورة لم ولن تنتهي حتي وإن وري صاحبها تحت الثري، فهو يعيش بيننا ويظل حيا فينا ما حيينا، فمنه نستلهم العبر والدلالات، ومن رحلة كفاحه نخرج بدروس تعيننا علي التعامل مع قضايانا الإقليمية الحالية.

 

لقد كـُتبت عشرات الألاف من المقالات والتحليلات عن ثورة ناصر ومئات الكتب عنها، ولم لا؟.. فناصر نفسه لم يكن مجرد شخصية عادية، بل شخصية محورية غيرت مجري التاريخ في مصر والمنطقة العربية والإقليم والعالم، فهو الذي جسد شخصية مصر وقتها فكان ضمير بلاده وصوتها وإرادتها، وكان ناصر الجسد الحي للتاريخ لأن هذا التاريخ انشغل به طويلا وسيظل مشغولا ومهموما بانجازاته وأفعاله حتي وإن تخللها بعض الانكسارات ولكنه انتصر عليها وتجاوزها بشجاعة يحسد عليها الأبطال، ويكفي ناصر أنه شغل قادة العالم وقتها ومنه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور الذي أعياه تفكيره في استمالة هذا الزعيم الذي شغل الدنيا كلها، فقال الرئيس الأمريكي عنه:"  أريد أن أفهم كيف استطاع عبد الناصر أن يلهب حماسة جماهير جاهلة في الشرق الأوسط ضدنا علي هذا النحو، أريد معرفة أكثر عما يسمونه (القومية العربية)"..ونترك إيزنهاور الي خلفه ليندون جونسون الذي عبر عن غضبه الشديد من السياسة المصرية التي ينتهجها ناصر الذي وصفه بأنه "ديك رومي يمشي مختالا بنفسه في منطقة الشرق الأوسط"، ولعل جونسون لم يوفق تماما في هذا الوصف لأن ناصر لم يكن مختالا بنفسه ولكنه كان قوي يفهم مدركات الأمور وتوابعها، ثم أنه – أي ناصر- لم يكن يملك منطقة الشرق الأوسط فقط وإنما شغل الدنيا كلها بشرقها وغربها. ولهذا لم يكن أمام جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الأشهر علي مدي التاريخ – الذي لم يقف معه في هذه الصفة سوي هنري كيسنجر – سوي التعبير عن كم غضبه من جمال عبد الناصر وسياساته وأفكاره التي شلت الأمريكيين والأوروبيين بقوله :" ليس أمامنا سوي أن نضع أمامه شكائر الرمل لتعيقه عن التقدم الي المواقع التي ننوي السيطرة عليها.

 

هذه العبارة الأخيرة لدالاس تكشف لنا مدي غضب الغرب والأمريكان من ناصر وسياساته وكيف وقف مدافعا عن حقوق الشعوب ضد الاستعمارين القديم (الفرنسي والبريطاني ) والحديث (الأمريكي)، فناصر كان الباعث لنهضة الشعوب والدول من سبات التخلف الناجم عن الاستعمار الغاشم، وهو الذي بعث الروح في مصر وغيرها من البلدان، وهو الضمير الحي الذي لا يموت للأمم، ولهذا نري كل القوي الاستعمارية وقد تكالبت عليه وتآمرت ضده لعرقلة مسيرة مصر والمنطقة في عصره، فما كان أمامهم سوي القيام بفعلين، الأول العدوان الثلاثي أو حرب السويس كما يعرفها الغرب، ثم حرب 1967 التي قادها الأمريكيون وغيرهم انتقاما من ناصر في  محاولة لتركيعه وإخضاعه لسياساتهم وأهوائهم وثنيه عن التقدم والرقي بمصر لتكون في مصاف الدول المتقدمة، بعد أن بعث فيها الروح والنشاط والإنتاج الزراعي والصناعي وكاد يبلغ درجة تصنيع السلاح في مصر.

 

وربما نركز هنا تحديدا علي  العدوان الثلاثي الذي كشف ضعف نظامي الحكم في بريطانيا وفرنسا، وهو ما تكشفه عنه الكثير من الكتب التي صدرت لكشف النقاب عن حرب السويس، ويكفي القول إن إدارة ناصر لهذه الأزمة كشفت لمدي بعيد مدي ضعف جهاز الاستخبارات البريطانية التي قررت حكومة لندن وقتها تسريح قادته وإعادة تشكيله علي أسس جديدة، خاصة بعد أن أصيب في مقتل بسبب ضعف معلوماتهن  فالأزمة مثلت  لحظة حاسمة في تاريخ بريطانيا السياسي والاستراتيجي امتد تأثيرها الي المخابرات البريطانية، حسب ما ورد كتاب "الاستراتيجية البريطانية والاستخبارات فى أزمة السويس" الذي حلل أنشطة وأدوار جهاز المخابرات السرية  خلال حرب السويس والعلاقة بين الاستخبارات والإستراتيجية مركزا على تأثير الأزمة على أداء وبنية  أجهزة الاستخبارات. ويكشف الكتاب في النهاية فشل المخابرات البريطانية في إدارة الأزمة رغم دورها الكبير في تأجيج نيران التحيز تجاه عبد الناصر قبل الأزمة. وإذا كان قيمة المخابرات البريطانية الشهيرة تكمن في قدرتها على جمع وتحليل المعلومات الخارجية لدعم الأمن القومي البريطانى، إلا أن الواقع وقتها أثبت ضيق حكومة رئيس الوزراء أنتوني إيدن بدور ومعلومات الجهاز غير الدقيقة، وكان من دواعي فشل هذه المخابرات في دعم الحكومة بالقرارات والمعلومات الصحيحة، أن فشلت بريطانيا في خطتها لاغتيال عبد الناصر. ولم يكن هذا الفشل من نصيب المخابرات البريطانية وحدها، بل امتد إلى السياسة الخارجية البريطانية برمتها التي تراجعت وتآكلت قوتها العالمية لتفسح الطريق أمام بروز الولايات المتحدة كقوي عالمية عظمي.

 

بالإضافة إلى ما سبق، فإن كتاب "تحليل أزمة السويس: دراسة تفاعلية في الأزمات والحرب وصنع السلام" يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن حرب السويس كشفت ضعف الإدارة السياسية في كل من فرنسا وبريطانيا ومدي حقد حكومتي البلدين علي عبد الناصر وما أنجزه في بلاده ودبلوماسيته العالمية وأخيرا إعلان قراره تأميم قناة السويس. فمواجهة دول العدوان مع مصر نتج عنها إعادة تشكيل المنطقة والعالم لسنوات طويلة قادمة فيما قضت الأزمة بالفعل علي ما ما تبقي من قوة لبريطانيا وفرنسا علي الساحتين العربية والعالمية. فقرارا ناصر شراء الأسلحة السوفيتية وقتها والابتعاد عن التسليح الغربي ثم إعلان مصر مصر فرض كامل سيطرتها علي أهم مجري مائي في العالم أصاب باريس ولندن بالصدمة والذهول قبل أن تنضم إليهم إسرائيل، فهذان القراران وضع هذه الدول علي المحك أمام صراع القوي العظمي علي استقطاب دول العالم الثالث، لأن بروز نجم عبد الناصر الذي مارس النفوذ خلال استغلال العديد من النزاعات الإقليمية المتوترة من شأنه التأثير علي نجاح عملية الاستقطاب ما بعد ثورات التحرر العالمية.

إن قيمة جمال الناصر ستبقي خالدة طوال ما بقي التاريخ، فهو كان تجسيدا حيا لمصر في فترة مهمة في تاريخها، وجسد تاريخ العرب وإفريقيا ودول أمريكا اللاتينية، ورغم هذه القيمة فلم يكن ناصر من نوعية الزعماء الذين يتحدثون أمام شعوبهم عن أحلام وأوهام صعب تحقيقها، بل كان زعيما طالب شعبه بالعمل وبذل المزيد من الجهد للتقدم من أجل كتابة مستقبل باهر له يليق بهم وبحقهم في الحياة التي يستحقونها، وفي ذكري ثورة 23 يوليو المجيدة وباعثها وملهما لا نقول مات جمال عبد الناصر بل عاش جمال عبد الناصر الذي نزل الي شعبه مواطنا بسيطا يعرف عاداته وظروفه، فهو الذي رفض تخفيض ميزانية استيراد الشاي من الخارج لعلمه مدي أهمية هذا المشروب الساحر لشعبه الذي لا يستغني عنه، فقرر الإبقاء علي نفس المبلغ المخصص لاستيراد الشاي من الخارج، وهو الذي عاش مواطنا بسيطا مع عائلته في منزل عادي بعيدا عن قصور الرئاسة الفارهة في بلاده وكانت جميعها مهيأة لاستقباله وأسرته ولكنه رفض إلا أن يعيش إنسانا مصريا عاديا بعيدا عن مغريات المنصب وغروره، وهو الإنسان العملاق الذي تحدي الغرب وأمريكا ليشتري السلاح من الكتلة الشرقية، وهو الذي ترك مصر دولة صناعية رغم هزيمتها في حرب 1967، وهو الذي تحمل كافة أعباء الهزيمة وأعلن مسؤوليته عنها في قرار شجاع لا يتخذه سوي العظماء، وهو الذي قضي علي سياسة الأحلاف في منطقة الشرق الأوسط فما كان من أمريكا سوي التآمر ضده ومحاربته بيد إسرائيل ولكن بسلاح وطيران أمريكي، وهو الذي أعاد ترتيب وتنظيم الجيش المصري قبل وفاته وهيأه تماما لمواجهة إسرائيل وأمريكا لولا أن وافته المنية قبل أن يحقق النصر بنفسه.

 

وختاما..نعيد ما قاله عنه عبد الرحمن الأبنودي في "موال" فناصر من بين بعض الأشخاص الذين حبهم لا يحكي ولا يُكتب:

وألْف رحمة على اللى لِسَّه "قلْنا وقال"\اللى مَضَى وذمِّته.. مَثَل جميل.. يتقال.\ما هى نادْرة فى مصر حاكم.. يطلع ابن حلال\حاكم.. يِدادى الجميع.. ويبوسْ رقيق الحال\وده عِشْقِتُه: فلاحين.. طلَبة.. جنود.. عُمّال\وخاض معارك جِسام.. مين طلّع الاحتلال\مين اللى صحَّى الشعوب.. تكسَّر الأغلال؟\أسطورَة حيَّة.. ما زالت عاصْية ع الموّال!!\أبو النضال.. بانى سَدّ العزّة فى أسوان.\ولِسَّه صُوتُه الجميل… بِيدوّى فى الميْدان\حارب.. وصنّع بلاده.. بَقى لْها صُوت.. وكيان\وزّع على الفلاحين.. دوَّقْهُم الفَدَّان\وقالْ لُهم: "حقُّكُم.. لا مِنَّه ولا إحسان"\وزرعْها منارات ثقافة.. تضوِّى للإنسان\قال: "الوطن للجميع.. والدين للدَّيان"\مش قام عَرَضْ أمِّتُه ع الدنيا فى الدكّان\لأ.. مات فداها وْما زالت تذكره للآن

للآن.. وبكره.. وبعدُه.. (وردة الأوطان)

 

كاتب ومحلل سياسي بحريني











التعليقات



سيعجبك أيضاً

مجلة روز اليوسف
مجلة صباح الخير
روز اليوسف اليومية

كرة اليد

انجازات في المحافظات

العدالة الاجتماعية

Rosa TV

القدس عربية

الشائعات
  • الأكثر قراءة
  • إخترنا لك

تطوير مصر

اعلان مراتب سوفت