الأربعاء 15 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حكايات الغريب 2000

حكايات الغريب 2000

بقلم : محمد عبد السلام

علي.. فتي صغير، جاء من احدي قري "نزلة البلشة" شرق النيل بمحافظة المنيا، وجدته جالسا أسفل سلم احدي العقارات المطلة علي شارع منصور ليستريح قليلا بعد عناء معركة طويلة طاحنه استمرت طيلة ليلة كاملة، واجه فيها الكثير من العناصر البلطجيه التي اندست وسط تظاهرات طالبت باحتياجات مشروعة، انهمك في تناول بعض من الطعام ويرتشف قليل من الماء.



 

علي.. عسكري الأمن المركزي، شاب لم يتعدي عمرة 21 عاما مثل أي شاب مصري بسيط، وجهه مألوف تشعر وكأنك تعرفه أو انه احد أقاربك أو أصدقائك... شاب تجده في كل شارع وكل حارة وكل قرية في مصر.. ورغم ذلك لا تكد تتحدث إليه حتي يشعرك بالغربة، اقتربت منه عسي أن احصل منه عن إجابة لحالة العداء الغريبة التي يحملها شعب مصري لرجل الأمن المركزي، فبادرته باسما قائلاً "ماذا تأكل ولماذا لا تدعوني لتناول الطعام معك.. شكلك بخيل".

 

لا اعلم من أين جاء ذلك الفتي الصغير بتلك الإبتسامة الجذلة، فما يحيط بنا لا ينطق سوي بالألم والرعب، صوت الرصاص لم يتوقف بعد، رائحة الغاز أزكمت الأنوف، ورغم ذلك وجدته يسرع بالنهوض مرحباً فارداً ذراعه قائلا بلهجته الصعيدية الأصيلة: "أتفضل يا ابن عمي جابر الزاد لجمة علي جد حالنا"، لم تكن سوي فطيرة صغيرة وقطعة جبن لا تكفي رجل واحد، ولكنها في وجهة نظرة غدوة "تمشي الحال لحد ما يرجع لست الحبايب".

 

جلست بجوار "علي"، بل تناولت من يده قطعة الخبز، كان سعيدا لأبعد الحدود، لم يتصور في يوم من الأيام أن يشاركه "بيه من بهوات مصر" علي حد تعبيره شطيرته البسيطة، "يا علي الناس بتكرهك وعاوزة تموتك زى ما بتموتهم"، أخرجني سؤالي من تلك اللوحة الرائعة التي رسمها وجهة البشوش، تصبب العرق علي وجنتيه، لمعت عيناه دماً، اضطربت شفتاه السمراوين، نحا الطعام جانباً قبل أن يمسح فيه من أثر الجبن، ثم قال بصوت متهدج باك: "يجتلوني ليه يا باشا انا مجتلتش حد.. هما اللي عمالين يرمونا بالحجارة.. وأنا بدافع عن نفسي زى ما إنت شايف.. هما شوية عيال بياخدوا مصروف من أهاليهم.. وأنا عيل غلبان علي جد حالي بصرف علي أمي".

 

حاولت كثيراً تهدئة الفتي الصغير، فلم يكن له أي ذنب مما يحدث، وضعت يده علي كتفيه أهدئه، ثم سألته: "من أين أنت يا علي".. ظهر التوتر علي فتي الأمن المركزي فجأه، وكأنه يخشي أن يخبرني بموطنة، تلفت يميناً ويساراً كثيرا خشيه أن يلاحظه أحد ثم تناول زجاجة مياة يرتشف بعض منه، قبل أن يقول: "من نزلة البلشة بمحافظة المنيا وعندي 21 سنه اقضي الخدمة العسكرية من سبتمبر 2014 يعني باقيلي حوالي 7 أشهر وهرجع البلد تاني.. وصدجني يا باشا أول ما هخلص هعاود البلد وأرجع للمحجر اللي كنت بشتغل فيه أكسر الحجر في الجبل".

 

غريبة هي تلك الدنيا، تجعل من البريء مجرم، ومن الطيب شرير، ومن المسكين طاغية، قل ما شئت من تلك الأوصاف، فستجدها تنطبق علي ذلك الفتي، يوما ما اعتقدنا أنه قاس القلب، ولكنه ها هو ذا يرتجف بمجرد أنه سمع تساؤلي العفوي، والكارثة إنني لم أرحم تلك الحالة التي أوجدته عليها، فرحت أتقمص شخصية ريهام سعيد وأسلوبها المُستفز مع ضحاياها: "إنت مش ندمان يا صغيري علي ما فعلت.. أصبت وقتلت بعض ممن ليس له ذنب"، هذه المرة لم تُصدر من الفتي رجفة، بل انتفاضة عنيفة جعلتني أظن أن ماساً كهربياً قد أصابه، فراح يستنكر قائلاً بصوت مرتعش: "يا باشا محدش سأل الناس دي شعورها اية لما انا بقع علي الأرض... إحنا كمان يموت منا ناس ملهاش في الطور ولا في الطحين"، نهض فجأة "علي" ثم رفع صوته ينادي علي احد زملائه قائلا "محمود تعالي خلي الباشا يشوف الإصابة اللي في بطنك.. خلية يعرف إننا إحنا اللي بنموت"، فرفع ذلك الفتي قميصه ليكشف عن إصابة طولية أسفل البطن نتيجة أله حادة.

 

محمود.. جندي يقضي خدمته العسكرية، يلقبه زملائه بالفتي المرح، للأسف كما يقول "لا يعرف الكتابة أو القراءة"، جاء من مركز بيلة كفر الشيخ، يعمل نجاز مسلح وينفق علي والدة وأمه وأخ وأخت صغيرة، رغم إختفاء معالم وجهة الأسمر من أثر الغبار ودخان الغاز والاشتباكات لم تختفي ابتسامته الطيبة، وكما فعل "علي" استقبلي "محمود" لعبر عن ما يقاسياه في هذه الأرض الغريبة، فقال لاهثاً: "الحمد لله يا باشا هروح بلدي الشهر اللي جاي وهستريح بقي وارجع اشتغل، "والله يا باشا انا مليش دعوة بكل ده انا راجل غلبان وفي حالي وعمري ما تسببت في ازية أي مخلوق خلقة ربنا.. تقوم الناس عاوزة تموتني بالسيف لولا ستر ربنا وعشان خاطر ابريا وأمي الغلابة".

 

اقتربت من محمود أدعوه ليستريح قليلاً من عناء ما يكابده منذ أن استيقظ هذا اليوم، وما أن هدأ قليلاً حتي بادرته قائلاً: "ولكنك يا محمود تقتلهم بالخرطوش والرصاص وتضربهم بالعصاية وهم يدافعوا عن أنفسهم بالطوب عاوزهم يعملوا اية"، هب محمود وقفا مرة ثانية، ثم راح يكشف عن بطنه للمرة الثانية صارخاً: "ده طوب يا باشا.. ده سيف.. بقي في ايد كل البلطجيه دلوقتي.. وأنا في الأخر مليش دعوة.. انا عبد المأمور هما جابونا هنا وحطونا أدام الناس ولما بيبدأوا الضرب بنحمى نفسنا".

 

الملاحظ أن ذلك الفتي عسكري الأمن المركزي الذي يخشاه المتظاهرين كان يتحدث وهو يلهث من الخوف، وتشعر انه صادق في حديثة.. والأغرب انه شعر بمدي الصراعات النفسية التي تملكتني حول مدي المأساة التي يعيش فيها عسكري الأمن المركزي في مصر، فاقترب مني قائلاً بلهجة صعيدية هادئة: "شكلك مش مصدقني يا باشا.. طيب تعالي معايا وأنا هوريك شباب زى الورد في الاستراحة.. مشكلته بس انه ربنا خلقة فقير ومعرفش يتعلم عشان يبقي زيي الناس اللي بتقولوا عليهم محترمين... وعشان هو غلبان وجاهل لموه وحطوه في معسكرات الأمن المركزي يضرب في خلق الله".

 

قطعاً كانت دعوة محمود فرصة ذهبيه لم أكن لأفوتها لدخول استراحة عساكر الأمن المركزي خلف الجدار بشارع نوبار، فتقدمنا انا محمود وعلي من شارع منصور وتجاوزنا جدار قامت القوات المسلحة ببناءة لعزل وزارة الداخلية عن المتظاهرين وخلف الجدار العازل صُعقت بمشهد لمئات من الجنود في لحظة استراحة.. بعضهم جلس يحتسي الشاي، والبعض وقف يتحدث ويحكي عن البطولات التي قام بها وهو يشرب سيجارة، والبعض الثالث افترش الأرض يتناول بعض من الطعام الذي لم يخرج عن الفطائر وقطع الجبن والبصل والجرجير".

 

كقائد عسكري تقدم محمود فارداً قامته حتي يبدو أطول قليلاً، ثم ضم قبضته ورفعها إلي السماء صارخاً، وبنفس لهجته الصعيدية: "أحسن وحوش الأمن المركزي.. ليهم ضربة تهز الأرض.. لا بيخافوا الظلام ولا بيحسوا بحرقة الشمس"، لم يكن ما فعله هو مبعث دهشتي، ولكنها رده الفعل التي قابلها جنود الأمن العسكري لصرخاته الحماسية، فقد تناسي الجميع أنهم يخلدون إلي استراحة قليلاً من عناء يوم دامي، هبوا فجأه علي أقدامهم، تركوا كل ما بأيديهم، كهدير رعد هبت من سماء مظلمة انطلقت قبضاتهم تضرب علي صدورهم بإيقاع منتظم، وبصوت صارخ رددوا "عاااااش جنودنا عاااااش".

 

حظي العثر لم يحالفني بالإلتحاق كجندي يقضي الخدمة العسكرية، فرغم اختياري كضابط إحتياط لإجادتي نوعاً للغة العبرية "يومها"، لكنهم تخيروا مجموعة ونحوني جانباً، لا أعلم لماذا تذكرت هذا الأن، ولكن مشهد هؤلاء الفتيه جعلني أندب هذا الحظ بعد خمسة عشر عام، فما أشاهده من هؤلاء الجنود لا يمكن أن يأتي من فتيه انتهوا توا من معركة شارك فيها بعض من عتاة البلطجة، ويبدوا إنهم لاحظوا ما أصابني من صدمه ما فعلوا، فتقدم مني أحدهم مقدما لي كوبا من الشاي قائلاً بصوت مرح: "تفضل يا باشا كوباية شاي في الخمسينه تعدل المزاج"... فأجبته بصوت حاولت أن أجعله مازحاً: "بس الغاز اللي انتوا بتضربوه بيعمل أحسن مزاج.. وانتم لا تتأثرون بالغاز".

 

وكأنني أطلقت نكتة لا أدري أنها مُضحكة إلي هذا الحد، أو أنهم تصنعوا الضحك عله يطرق باب أفواههم التي تعودت البؤس، راحوا يضحكون ويضحكون، حتي تقدم أحدهم قائلاً: "الغاز ده أتعودنا علية يا باشا.. لدرجة إني لما بروح بلدنا بحس إن دماغي فيها حاجة غلط.. وبحس إني لا استطيع الحياة بدون الغاز، وبمجرد عودتي للمركز واشم رائحة اشعر إن حياتي تعود إلي.. تصدق بالله يا باشا انا أمي لسه مكلماني دلوقتي وحلفت ليها علي المصحف إني بعيد عن الضرب عشان متخافش عليا... دي ممكن تموت لو عرفت.. تفتكر ربنا هيسامحني يا باشا عشان حلفت علي المصحف كذب؟".

 

كيف يمكن أن أجيبه علي هذا السؤال الصعب؟، هل يمكن أن يكون له إجابة حقيقية؟، هذا الفتي لا أدرك هل ألقي سؤالاً ليعرف إجابته؟ أن أنه فقط يلقي سؤالا استهجاني مما يتداول هنا وهناك؟، وأي شيخ أو قس أو حتي حاخاماً يمكن أن يجيبه علي مثل هذا التساؤل؟، رغما عني أطلقت من صدري تنهيدة بدت مسموعة، فاستدركت قائلا بصوت هامس حاولت أن لا يخرج مسموعاً: "هذا بينك وبين الله يا فتي.. دعنا نحلم بمستقبل أفضل"، اقترب الفتي من أذني قائلا بصوت هامس وكأنه سيلقي سرا لا يريد أن يسمعه أحد: "إحنا مبنحلمش يا باشا.. إحنا سيبنالكم الحلم.. إحنا بنتولد وبنعيش وبنموت ومفيش حلم بيتحقق.. ومفيش حد بيعرف عنا أي حاجة.. أتولدنا فقرا وعيشنا علي أد حالنا.. واتحرمنا من كل حاجة.. اتحرمنا من الفرحة واتحرمنا من العلم.. وعشان إحنا جهله بيجبونا هنا.. بيلمونا في صندوق المصفحة أو المدرعة ويحطونا أدام النار نضرب وننضرب.. ولو مات فينا واحد محدش بسال فينا".

 

هل تعتقدون أن العبقري "أندري تاركوفسكي" ملك الدراما الروسية يمكنه أن يُخرج مل هذا المشهد المأساوي كما فعل في رائعته "نزهة علي الطريق" منذ خمسة عقود، هل ترون أن "فيديريكو فليني" فتله الدراما الإيطالية أو حتي "أكيرا كيرو ساوا" فتي الدراما اليابانية، يمكنهما أن يتعاملا مع هذا المشهد الأسطوري، أظن أن أعظم مخرجي السينما العالمية سواء البريطاني "ألفريد هيتشكوك"، أو الايطالي "بيير باولو بازوليني" أو حتي مبدعنا المصري "يوسف شاهين" لن يكن ليتمكن من صناعة مشهد هذا الجندي الصغير بتلك الواقعية المأساوية، لا اعلم كيف تسمرت في مكاني هكذا، وكيف لم انتبه أنهم جميعاً تركوني بمفردي.

 

تلفت يمينا ويسارا بحثا عن الفتيه، ولكني لم أجد أي منهم، فقط بعض طلقات الخرطوش البعيدة، وصرخات البعض متأثراً بجراحة، نفضت رأسي علني أخرج تلك الكلمات من هؤلاء الفتية، ولكنني فشلت، فقد أسرتني عبارتهم، إحتل كياني صوتهم، كثيراً ما رأيتهم مجرمين واليوم أرهم مجني عليهم، تحركت مغادرا أرض المعركة بعيداً عن رائحة الغاز الخانق بحثاً أن هواء نظيف، نما إلي مسامعي جلبة تأتي من خلفي، فالتفت لأجد مجموعة من الجنود يحملون زميلهم الذي تدلت رأسه يسيل منها الدماء أنهاراً، فأسرعت الخطى نحوهم علهم يجدوا في شخصي خير مُعين، وما أن وصلت إليهم هالني أن رأيته جثة هامدة، عاش طويلاً يكذب علي أمه ويخبرها انه بعيد عن المعارك، واليوم مات دون أن يعلم هل سيسامحه الله علي تلك الكذبة البيضاء أم سيعاقبه عليها، مات دون أن أعم اسمه أو أرضة.. هكذا وبمنتهي البساطة مات غريباً بعيدا عن أرضة وموطنة..........