الأحد 7 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
سيكيولوجية الحشود

سيكيولوجية الحشود

بقلم : د. أماني ألبرت

بقلم: د. أماني ألبرت 



درس العالم الأمريكي إدوارد تي.هال حدود المسافات بين الأشخاص متخيلاً فقاعة غير مرئية من الهواء تحيط بجسد كل إنسان تعمل كمنطقة آمان نفسي تفصل بين الشخص والآخرين.

وأثبت بالدراسة زيادة مساحة هذه المسافة لدى من يعيشون في بيئة غير مزدحمة وصغرها لدى من يعيشون في بيئة مزدحمة ذات كثافة سكانية عالية.

لا يسمح الشخص للغرباء باختراق هذه المسافة الشخصية، ولكن الاستثناء لدخول المسافة القريبة يحدث مع أطباء الأسنان أو مصففي الشعر أو الحيوانات الأليفة لأن كل هؤلاء لا يشكلون أي تهديد.

كذلك يحدث الإستثناء في اختراق هذه المسافة في الحشود والتجمعات، فالحشد يحدث بطريقة تلقائية ليس شرطًا أن يكون أفراده متشابهين متجانسين إنما جمعهم سبب عارض وسيزول بزوال ظروفه تكوينه، مثلما يحدث مع مشجعي نادي أو عند التظاهر حول موضوع معين.

ففي الحشود تذوب المسافات ويختفي قانون المسافة الفاصلة، فيسمح الشخص لغرباء أن يسيروا بجانبة مخترقين المسافة الحميمية رغم أنه لا يعرفهم.

الاتفاق الوحيد الموجود بينه وبينهم يكون على القضية أو السبب وراء انضمامه لهذا الحشد. والملاحظ للواقع الفعلي فإن الشرطة في أي دولة تعمل على فض الحشود مبكرًا، ولا تمنحها أي وقت لأن سيكيولوجية الحشد تقول أن هناك عدوى تسرى بين أفراد الحشد وينتقل الحماس نحو قضية معينة بسهولة، مما يؤجج العواطف ويحول التحريض إلى فعل حقيقي، فالشخص هنا يستمد شعوره بالقوة من الجماعة، فتزيد نسبة عدوانيته وتقل نسبة شعورة بالخطأ ومحاسبة النفس.

وفي الحشود تختفي الآليات الإقناعية والعقلانية لتحل محلها المؤثرات العاطفية مما يفسر سبب تصديق الحشود للاشاعات بقوة وكأنهم واقعين تحت تأثير تنويم مغناطيسي.

أو كما يقول الكاتب غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير ’’الجماهير مجنونة بطبيعتها‘‘ فهي تتحمس لفريق كرة قدم فتهتف له وتدافع عنه ولكن قد يصل الحماس لمذبحة، وقد تهجم على شخص لتذبحه دون أن تتأكد أنه هو المخطئ، فانتقال الحماس ينقل لحظات من الهلوسة والجنون تؤدي إلى أضرار لم يكن أحد يتخيلها.

إن أحد أضرار ذوبان المسافة الشخصية أو ’’فقاعة الهواء‘‘ في الحشود هو ألا يصبح الفرد نفسه. إذ يقع فريسة التأثر بموجات التحريض والحماس وعدوى المشاعر فتتلاشى الشخصية الواعية وتهيمن الشخصية غير الواعية.