

د. شريف درويش اللبان
.. وسقطت دولة "الخرافة"..! (14)
بقلم : د. شريف درويش اللبان
استعرضنا فيما سبق الاستراتيجية الإعلامية لتنظيم داعش، وقمنا بوضع عدد من الآليات التي نراها فاعلة في مواجهة هذه الاستراتيجية، ولعل أولها تفكيك البنية الاتصالية والإعلامية للتنظيم وهو ما تناولناه في مقالنا السابق، أما الآلية الثانية التي نتناولها في هذا المقال فهى المتعلقة بعدم الوقوع في فخ الترويج الإعلامي للتنظيم؛ يجب على وسائل الإعلام سواء المحلية أو العربية أو الدولية ألا تقع في فخ الترويج الإعلامي لتنظيم داعش، وهو الدور الذي لعبته باقتدار طوال المرحلة الماضية قبل بدء انهياره في سوريا والعراق.
ولعل من أبرز حملات الترويج المجانية التي مارستها وسائل الإعلام بلا وعي أنها استسلمت لما يمكن أن نطلق عليه "حرب المصطلحات" War of Expressions التي أطلقها تنظيم "داعش" باقتدار؛ حيث أطلق التنظيم على نفسه "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، فأخذ الإعلام يردد المصطلح بلا وعي، بل أحياناً ما يُسدي هذا الإعلام خدمة جليلة للتنظيم باختصار مُسماه إلى "الدولة الإسلامية"، ليروج الإعلام للتنظيم على أنه مؤسس للدولة الإسلامية الحديثة أو على الأقل يقوم بإحيائها، وهو ما يساعد التنظيم في جذب المتعاطفين مع هذا المسمى الذي يداعب فيهم العواطف الدينية، والحنين إلى العصور الإسلامية الأولى، كما أن هذا المسمى عندما يتم ترويجه في الغرب فإنه يُلصق كل البشاعات والفظائع التي يرتكبها تنظيم داعش بالإسلام، مما يؤدي إلى تشويه الإسلام كدين وتشويه من يدينون بهذا الدين، وهو ما لايصب في صالح الدول العربية والإسلامية على المدى الطويل.
وينطبق ذلك أيضاً على تسمية زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي بمسمى "الخليفة"، فهو يستطيع أن يسمي نفسه ما شاء، ولكن يجب على الإعلام ألا ينساق وراء المصطلحات التي يروجها التنظيم، ولا سيما أن مشروع الخلافة الإسلامية يداعب عواطف ومشاعر كل المسلمين في العالم لارتباط الخلافة بعصور الإسلام الأولى.
ومن بين الفخاخ التي وقع فيها الإعلام أيضاً والمرتبطة بمصطلحات مثل "الدولة الإسلامية" و"الخلافة" و"الخليفة"، الترويج للعُملة الجديدة التي ينوي التنظيم سكها والتعامل بها في المناطق التي تخضع لسيطرته، أو أنه لاينوي سكها ولكنه يداعب خيالات المسلمين في العالم؛ حيث اعتبر تنظيم "داعش" نفسه وكأنه الوكيل الوحيد لدولة الخلافة، ولذلك فقد أعلن عن سك عملة تستعيد الدينار والدرهم القديم الذي سُك في عهد الخليفة "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، وهي عملة من الذهب والفضة، أحد جوانبها يحمل شعار الدولة الإسلامية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" والجانب الآخر يحمل تاريخ صك العملة، واسم الخليفة الذي سُكت في عهده.
كما نشر الإعلام قائمة بأسعار السبايا من المسيحيات والإيزيديات ليعيدنا الدواعش إلى عصر الرق والعبودية وأسواق النخاسة وهو عصر لا يشاهده المعاصرون سوى في الأفلام الدينية القديمة. وفي الوقت الذي يعاني فيه الشباب من البطالة ينشر الإعلام عن "وظائف خالية" لدى تنظيم داعش، وبمرتبات خيالية؛ حيث يعاني التنظيم الإرهابي حالياً من مشكلة في العمالة في آبار البترول التي سيطر عليها في الدولتين، والتي هرب منها أغلب المهندسين خوفاً من بطش "التنظيم" بهم، مما أدى إلى انخفاض إنتاج الآبار التي وضع "التنظيم" يده عليها بمقدار النصف في العراق، وهو ما جعلهم يعلنون عن الحاجة إلى وظيفة مهندس بترول، يكون مؤمناً بأفكار التنظيم الإرهابي الشهير وفق موقع "تايمز"، وقد عرض راتب شهري يبدأ من 170 ألف دولار ويصل حتى 255.000، نظراً للمبلغ الضخم الذي تساهم به الآبار في تمويل "داعش" والذي يصل إلى 2 مليون دولار يومياً.. فهل هذا إعلام يتصدى لتنظيم داعش أم يجند له العملاء؟!.
وبالإضافة لذلك، قام الإعلام بالترويج لصور ذبح الأسرى من الشيعة والقبائل المعارضة للتنظيم والجيش العراقي والرهائن الأجانب، وهو ما خلق حالة من الذعر والهلع، وهو مايجعل أية دولة تفكر ألف مرة قبل أن تزج بقواتها في حرب مع تنظيم داعش، رغم أنه على الجانب الآخر عانى التنظيم من عدم قدرة مقاتليه هزيمة الأكراد وعدم تمكنه من دخول مدينة "عين العرب" أو "كوباني" رغم أنه يقاتل هواة وليسوا محترفين، وهو ما يشكك في القدرات القتاية الخيالية التي رسمت صورتها الذهنية وسائل الإعلام.
لذا فإن ما نطلبه من الإعلام هو عدم الترويج المجاني لتنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية التي تتخذ من الإسلام ستاراً لها ومقاطعة أخبارها حتى لا يساعدها في تجيد عملاء جدد وجذب مزيد من المتعاطفين من الشباب المسلم عبر العالم. وحسناً فعلت صحيفة "اليوم السابع" بإطلاق مبادرة لمقاطعة أخبار التنظيمات الإرهابية قالت فيها:" لم يعد خافيا على أحد، أن التنظيمات التكفيرية والإرهابية تكتسب الكثير من قوتها وتأثيرها عبر كتائبها الإلكترونية التى تنشر البيانات والفيديوهات والصور، وتهاجم من خلالها جيشنا الوطنى، مستخدمة آيات القرآن الكريم والسنة النبوية استخداما منحرفا، للتأثير على البسطاء لتعطى لنفسها حجما أكبر بكثير من حجمها وتأثيراً يفوق قدرتها على التأثير.
من هنا بادر موقع "اليوم السابع" بعدم نشر أى فيديوهات أو صور أو تسجيلات للتنظيمات الإرهابية؛ وفى مقدمتها "أنصار بيت المقدس"، لتفويت الفرصة على من يخطط لها، بإحداث التأثير السلبى فى المجتمع، وتصوير الإرهابيين المحاصرين فى جحورهم ومخابئهم على أنهم جبهة قوية لها مواقعها على الأرض، وتستطيع أن تدير مواجهة مستمرة مع الجيش والشرطة الوطنيين. ويدعو "اليوم السابع" جميع الصحف ووسائل الإعلام إلى عدم نشر البيانات والفيديوهات والصور التى تبثها الجماعات الإرهابية، حتى لا نمنحهم ما يريدون من انتشار وتأثير، خاصة أن كثيرا من هذه الفيديوهات والصور مزيف ومصنوع من قبل محترفين على برامج الفوتوشوب، لإحداث التأثير الهدام فى إطار ما يعرف بحروب الجيل الرابع".
وقد لاقت هذه المبادرة ترحيب قراء ومتابعى الصحيفة المصرية، ذات الترتيب المتميز على موقع "أليكسا"، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة. وأكد القراء أن القرار سيكون له أثر كبير على مواجهة الحرب النفسية، التى تحاول هذه التنظيمات الإرهابية إشعالها بين أبناء الشعب المصرى، عن طريق بثها لمثل تلك الفيديوهات والأخبار، معتبرين أنها خطوة ومبادرة مهمة على طريق مواجهة حروب الجيل الرابع والتى تتبناها هذه التنظيمات وتفويت الفرصة عليهم.