الأحد 12 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
رسائل «سيفان» إلى السفاح «إردوغان»

رسائل «سيفان» إلى السفاح «إردوغان»

بقلم : طارق مرسي

بين مسرح الهناجر فى برنامج السينما المستقلة التابع للمركز القومى للسينما برئاسة د.سعاد شوقى وقصر السينما الذى يرأسه الفنان تامر عبدالمنعم تداولت قضية الإبادة الجماعية للأرمن من خلال الفيلم الروائى القصير «سيفان»..الذى يفتح ملف واحدة من الجرائم الكبرى  وهى «مذبحة الأرمن»، التى راح ضحيتها 1500 روح بشرية وهى من أكبر مذابح القرن العشرين فى جريمة لا تدين الحكم التركى؛ بل تؤصل للتاريخ الدموى للحكّام الأتراك وهواجسهم التى لا تتوقف عن الخلافة والزعامة حتى على جثث الشعوب، إنه تاريخ موصوم بالعار فى حق  الإنسانية ورغم مرور 104 أعوام على المذبحة، فإنه يلقى الآن اعترافًا دوليًا من فرنسا ثم أمريكا وأيضًا محور اهتمام صناع السينما وامتداد لما قدموه من أعمال تكرس الدور المصرى الممتد عبر التاريخ .



هذا الفيلم القصير،  الذى قام ببطولته عاطف عبداللطيف وليلى عز العرب سيناريو جوزيف فوزى وإخراج سيف يوسف، والذى يبدأ بكابوس سيفان وينتهى بحلم شاهين، يحمل رسائل كبيرة بخلاف ملف المذبحة القذرة. وفى مقدمتها  قضية الانتماء لمصر.

فشاهين «عاطف عبداللطيف» المهاجر للخارج والذى يعود بعد 30 عامًا من الغربة إلى الوطن وبداخله حنين لتراب مصر وهو يتحدث مع السائق الذى  يمنحه درسًا بقيمة مصر وحضنها الدافئ، فالسائق يرى فى السفر خروجًا آمنًا وهروبًا من واقع يرفضه بينما يرى شاهين أن العيش فى حضن الوطن أغلى من كنوز الدنيا، وعندما يصل شقته فى مصر الجديدة  يكتشف أن كل شيء قد تغير وأن فروق التوقيت قد قالت كلمتها وأن من تبقى هى جارته سيفان «ليلى عز العرب»السيدة العجوز الأرمنية التى فقدت أسرتها فى مذبحة الأرمن ولم تجد لها وطنًا يحميها سوى مصر  وترفض أن تهجرها، لإيمانها بأن هذا البلد هو وطنها الذى احتضنها وتعيش فيه على أمل تحريك دعوى قانونية فى المحكمة الدولية ولكنها وقبل أن تموت تمنح شاهين ملف إدانة الحكم التركى ليكون وصيتها لها لتحقيق حلمها..وهنا يرسخ الفيلم لفضيلة الانتماء..انتماء شاهين لوطنه وعدم انفصاله عنه لاستمرار المذابح فى سوريا والعراق ومحاولات هدم الاستقرار الذى تنعم به مصر ورعاية تركيا للإرهابيين.ويقابله انتماء سيفان لوطنها وتأكيد انتمائها لمصر الحضن الكبير ..وهو نفسه الذى يدفع شاهين لمواصلة المشوار ولفضح العدوان التركى وكشف ملفه الإجرامى ضد البشرية من أجل أطماع زائلة. وفى الوقت نفسه إدانة المذابح التى تدور فى العراق وسوريا وليبيا وسرطان الدواعش الذى ينحر فى جسد الشعوب، ويلمح الفيلم لهذا من خلال الفتاة السورية التى احتضنتها الأرمنية تأمينًا لها ولأنها تواجه نفس مأساتها وفى الحالتين مصر هى الحضن الدافئ لهما وهو الدور التاريخى الذى تتحمله مصر.ولا يفوت شاهين أن يواجه الشبح التركى فى حلم ويحاكمه على ذنوبه بينما يدافع الشبح التركى عن نفسه بأنه كان فى معركة الدفاع عن الذات بدعوى وشاية روسية للتخلص من الأرمن. إنه حُلم ممتد ضد الحكم التركى وإدارة إردوغان فى نفس الوقت.

فى الدقيقة الـ 16 من زمن الفيلم الذى يستعرض المذبحة الكبرى فى 18 دقيقة يحلم البطل بمحاكمة السلطان عبدالحميد على جريمته وكأنه يوجه إنذارًا لإردوغان ولكل الحكام الطغاة فى العالم، بأن التاريخ لن يشطب جرائمهم وأن المستقبل لمن ينشرون السلام فى الأرض والرفاهية لشعوبهم. هذا المشهد  يذكرنى بنظرية الكهف  الأفلاطونية  لصاحب  المدينة المثالية الفاضلة «أفلاطون» الفيلسوف اليونانى الشهير ويتصور أناسًا يعيشون سنوات فى كهفهم أن ما يرونه هو الحقيقة التى هى خيالات وأوهام وعندما يخرجون من الكهف لا يستطيعون رؤية شمس الحقيقة لأنهم اعتادوا رؤية الأوهام ..

ليلى عز العرب فى الفيلم نجحت باقتدار فى رسم ملامح المأساة، أما عاطف عبداللطيف فقد قدم أداءً متمكنًا واتضح من تجسيده الصدق والإيمان بالقضية فى صوته كراوٍ للمذبحة ومحرك للأحداث وبنفس الإحساس كانت لغة الحوار لجوزيف فوزى والمخرج سيف يوسف.

 وأخيرا فإن مثل الأرمن يتعرض الفيلم الروائى القصير للاضطهاد والذبح فى مصر والسؤال المطروح هنا: لماذا لا تعرض فى دور العرض مثل الأفلام الطويلة لإتاحة الفرصة للجمهور لمعرفة أصحاب الإبداعات الخاصة. وفى مصر قبلة المبدعين نقتلها بينما تتعامل معها المهرجانات المصرية من باب الواجهة السينمائية مثل المهرجانات العالمية   ..نعم تمنحها جوائز ولكن يبقى العمل فى منطقة الظل الحميم ..ولماذا لا نحلُم بأن يراها الجمهور مثلما كان يحدث فى العصر الذهبى للسينما وفقا للقوانين قبل عرض الفيلم الروائى الطويل.

السؤال لا يملك الإجابة عليه سوى وزارة الثقافة وأصحاب دور العرض.