السبت 26 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ميتافيزيقا «يوم وليلة»

ميتافيزيقا «يوم وليلة»

بقلم : طارق مرسي

لا يمكن تقدير هذا الفيلم من خلال إيراداته أو إقبال الجمهور عليه فى شباك التذاكر بعد أن استباح قراصنة السينما تسريبه فى مواقع التواصل الاجتماعى، ليس فى نفس أسبوع عرضه، بل ربما فى «يوم وليلة» عرضه! وبناسخ محترف وضليع فى قواعد سرقة الأفلام.. ولا أعرف هنا هل أصابع الاتهام تشير إلى سرقته بالخارج بعد أن سبق عرضه فى مهرجانى «الدار البيضاء» بالمغرب وفى ختام «مالمو» بالسويد أم أن السرقة واستحلال عرضه جزء من قضية الفيلم نفسه الذى يستعرض أمراض الشخصية المصرية وفساد الفقراء.



فيلم «يوم وليلة» وهو ليس له علاقة بأغنية المطربة الراحلة «وردة» ورائعة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وتحمل نفس الاسم رغم أن بطل الفيلم «خالد النبوى» يغنيها فى بدايته لابنته المصابة بمتلازمة داون ليعكس ارتباطه الشديد بها، لخص مشاعره نحوها بمقطع «أنا لما صحيت على حبك وشفت الدنيا من عندك أتمنى لو كل العشاق يحبوك زى ما أنا بحبك»، فى مجتمع يسىء لمعاملة هذه الحالات، ويتعامل معها بعنف كما هو الحال فى الفيلم المتمثل فى معاملة والدة البطل التى ترعاها بعد رحيل أمها أو سخرية كما حدث مع الأطفال فى سنها بالشارع الذى يعيشون فيه. «يوم وليلة» تدور أحداثه أيضا فى «يوم وليلة» واحدة هى الليلة الكبيرة لمولد السيدة زينب، وتتصاعد أحداثه داخل الحى الشعبى والتاريخى، ويرصد المؤلف «يحيى فكرى» فيه أمراض النفس البشرية التى تفجرت من ازدواجية المجتمع واختلال معاييره وقيمه نتيجة متغيرات كثيرة عبر عصور طويلة من خلال شخصية «أمين الشرطة «منصور الذهبى» (خالد النبوى)، الذى بطبيعة الحال يعلن حالة الطوارئ ليلة المولد ويمنح تعليماته بالسيطرة حتى لا يتعرض دراويش ومريدو السيدة زينب للخطر وتمر الليلة بسلام، ويبدو أنه متمكن من عمله ويمتلك الرؤية الشاملة لعناصر الخطر والجريمة وكيفية التعامل معهم بشرف، ولهذا يواجه بذكاء فتوة الحى «بجاتى» (خالد سرحان) الذى يفرض سيطرته على المنطقة وعلى صبيانه ويمثلهم «حودة» (أحمد الفيشاوى) بجانب عناصر النفوذ فى حى السيدة وفى مقدمتهم «محاسن». ويبدو أن فلسفة الفيلم ورؤية مؤلفه تداخلت فى شخصية محاسن حتى التشويه التام غير المبرر ما بين شخصية المعلمة صاحبة النفوذ فى محلات المأكولات والداعرة التى تقيم علاقة مع فتوة الحى الذى يخطط لاستخدامها لإسقاط أمين الشرطة وإغرائه، ولكنه يقع هو فى مصيدة «الأمين» فى النهاية الذى يرفض أن يكون هو فى خدمة شعب يهين ابنته وأنه ليس خداما لأحد فى واحد من أخطر مشاهد الفيلم فى إشارة لتغير هذا المفهوم بعد ثورتى مصر. ووسط هذه الشخصيات يطرح الفيلم نماذج من المجتمع أهمها نموذج الفتاة المسيحية «آرينى» التى تجسدها «حنان مطاوع» التى تمثل نموذج البيروقراطية كموظفة، وفى الوقت نفسه تعانى من غياب زوجها وتحملها عناء رعاية أمها المريضة والإهمال الذى تعانى منه فى مستشفيات التأمين الصحى ومراهقة شقيقها الأصغر الطالب الغارق فى علاقة ممنوعة مع فتاة محجبة محكوم عليها بالفشل والأزمات، وفى المقابل نرى نموذج الممرضة «درة» المطلقة التى تسعى للاستيلاء على الأدوية المجانية وبيعها للصرف على ابنتها، أما نموذج الشاب فيمثله «محمد عادل» الذى يرسم ملامح الشباب الضائع، فضلا عن نماذج المدرس الملتحى الذى يعكس صورة رجل الدين الذى يحرم السلام على طفلة، بينما يستحل منحها الدروس الخصوصية.. والإعلام المغيب فى صورة المذيعة.. ونجح المخرج «أيمن مكرم» فى الاجتهاد فى نقل النماذج الاجتماعية ورسم أمراضها رغم عدم اكتمال صورتها. «الخالدان» النبوى وسرحان أجادا باقتدار فى تقديم نموذج أمين الشرطة والفتوة.. وساعد خالد النبوى فى أداء أمين الشرطة موهبته الكبيرة وثقافته العالية فى فهم الشخصية وأبعادها النفسية وخبراته الواسعة، بينما تألق «خالد سرحان» فى شخصية الفتوة وتاجر السلاح المركبة، بعمق وفهم يؤكدان حالة النضج والتمكن التى وصل إليها... أما «أحمد الفيشاوى» فلم يخدمه الدور أو مساحته فظهر مشوهًا.. فى المقابل نجحت «درة» فى دور الممرضة المطحونة، أما «حنان مطاوع» فهى قديرة بالفطرة وجريئة فى دور صعب تهرب منه الكثيرات.. وتظل الطفلة الصغيرة «ميرنا» هى إحدى نجمات الفيلم بأداء طبيعى وخالٍ من التصنع وروعة أداء النبوى معها. فيلم «يوم وليلة» يدين فساد مجتمع ويرسم نماذج ازدواجيته رغم أنه يتسم بالطابع الميتافيزيقى «غير الطبيعى».