

إيهاب كامل
حرب الكتب
في بيتي حرب صامتة لا تحتاج إلى سيوف ولا بنادق.. زوجتي ترى أن الكتب «زحمت الدنيا»، مجرد عبء ورقي يلتهم المكان والهواء، بينما يرى ابني الصغير أنها كنز حقيقي لو حملها لعم عبده بتاع الروبابيكيا يمكن تتحول إلى نقود مقابل بيعها بالكيلو، أما أنا فأقف متشبثًا بها كما لو كانت آخر قلاع اليقين في زمن لا يرى القيمة إلا فيما يوضع على كفة الميزان.
أحيانًا أتصور أن ابني، بدافع «المراهقة الاقتصادية»، يبدأ بتهريب الكتب خلسة كتابًا تلو آخر، ثم يكتشف أن الغنيمة ستكون أوفر إن هو أقام مزادًا بين بائعي الروبابيكيا، يرفع فيه أعمال يوسف إدريس ويصيح: «مين يزود»، وإن ملّ من السوق التقليدي، فلا مانع عنده من أن يفتح جروبًا على «الواتس» ويعلن: «مكتبة كاملة للبيع بالجملة.. مع خدمة توصيل مجانية»، وأعود أنا من عملي لأجد الرفوف خالية، وزوجتي تصفق فرحًا وكأنها تبارك أول عملية تحرير للبيت «جحافل الورق».
الغريب أن هذه المعركة الصغيرة ليست شأنًا عائليًا بقدر ما هي صورة مكثفة لزمن كامل، نحن نعيش في عالم يفضل بيع الكتب بالكيلو على قراءتها، ويستبدل «الأطلال وقارئة الفنجان» بأغنية مهرجانات عابرة، ويمنح الشهرة بين الأجيال الجديدة لـ"بندق وعنبة" بدلًا من أم كلثوم وفيروز، مفارقات تبدو مضحكة، لكنها في جوهرها كاشفة.. لقد غلب العبث على المعنى، واللحظة على التاريخ، والصوت العالي على القيمة.
هنا تذكرت الكاتب الأيرلندي صموئيل بيكت في مسرحيته «في انتظار جودو»، حين يقف بطلا العمل "فلاديمير واستراجون" ينتظران من لا يأتي.. انتظار عبثي، ومع ذلك يواصلان الانتظار، لأن لحظة اليأس المطلقة أخطر من أي وهم، ربما نحن أيضًا في هذا الموقف ننتظر يقينًا لا يأتي، لكننا نواصل التشبث بفكرته لأنه يمنحنا سببًا للبقاء.
وكأن العبث الذي صوّره بيكت على المسرح وجد صداه الواقعي عند عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، حين تحدث عن الحداثة السائلة، ووصف عالمًا يفقد فيه كل شيء ثباته، العلاقات، القيم، حتى الحقائق، كل شيء عابر، سريع الذوبان، ومع ذلك، يبقى هناك شيء واحد عصيٌّ على التبخر.. ما نؤمن به في أعماقنا، اليقين ليس سلعة تشترى ولا ورقًا يباع بالكيلو، بل هو الخيط الأخير الذي نمسكه وسط فوضى السيولة.
والمفارقة أنني- وسط انشغالي بهذه الأفكار- ابتسمت وأنا أرى ابني يحلم بميزانية خيالية من بيع الكتب، وأسمع زوجتي تتنفس الصعداء وهي تتخيل بيتًا بلا رفوف ولا أكوام ورق، ضحكت في سري.. كأن اليقين نفسه أصبح «أزمة مساحة» في بيت صغير، لكن الحقيقة أن هذه الحرب الصغيرة ليست إلا انعكاسًا لأكبر معاركنا جميعًا.. كيف نصنع معنى ثابتًا في عالمٍ يتقن صناعة العبث؟
ربما نفقد أشياء كثيرة.. كتب تباع بالكيلو، فنون تستبدل بالصخب، أو حقيقة تتوارى خلف الفوضى اليومية، لكن الخسارة الأخطر أن نفقد ما يجعلنا متمسكين بالمعنى وسط كل هذا العبث، لأن الإنسان بلا يقين، يشبه كتابًا مهملًا في ركن مظلم، لا أحد يكترث بقراءته، ويباع في النهاية بثمن بخس، مع أنه ذات يوم كان يحمل بين طياته حياة كاملة، ربما لا يظهر جودو، وربما يظل العالم سائلًا كما هو، لكن الحقيقة البسيطة أننا ما زلنا هنا.. نكمل الحكاية بما نستطيع، ونترك أثرًا صغيرًا يكفي ليشهد أننا مررنا في هذا العالم يومًا ما.