الجمعة 27 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

السينما المصرية ومكافحة الفساد

السينما المصرية ومكافحة الفساد
السينما المصرية ومكافحة الفساد

كتبت - د.مريم وحيد

لطالما كان للسينما دور تنويرى إصلاحى من خلال رصد المفاسد وتسليط الضوء   عليها . حينما يُعرض الفيلم السينمائى كصورة مضيئة فى قاعة مظلمة يُنير أذهان المشاهدين ويخاطب عقولهم ويمس قلوبهم . تلك السينما التنويرية تمثل سلطة سياسية ومجتمعية فإن كانت السلطة التشريعية هى السلطة الأولى والسلطة التنفيذية هى السلطة الثانية والسلطة القضائية هى السلطة الثالثة فالسلطة الإعلامية هى السلطة الرابعة . وبينما يتم النظر إلى الصحافة بوصفها السلطة الرابعة ولكن يمكننا توسيع مفهوم السلطة الإعلامية لتشتمل على السينما بجانب الصحافة . فالسينما تمتلك خصائص تهيئها لبحث القضايا السياسية ونقد الواقع وإصلاحه وتوجيهه نحو الأفضل بل وتغييره .



فالسينما تتميز عن الصحافة بعنصر الخيال من خلال الجرأة فى طرح القضايا . فعلى سبيل المثال حين تتناول السينما قضية فساد كبرى فهى تتناولها بصورة غير مباشرة من خلال طرح رؤية خيالية، هنا تترك حيزاً للمشاهد لأن يُسقِط ما يراه على أقرب قضية أو موضوع يدور فى خلده . فالسينما يمكن أن تتنكر بأدواتها وأساليبها للإسقاط على أنماط من الفساد لا يمكن للوسائل الإعلامية الآخرى التطرق إليها . فأحياناً ما تطرح السينما رموز  حتى لا تطرح القضايا بصورة مباشرة . بالإضافة إلى ذلك تمتلك السينما آلية تسليط الضوء على موضوعات وحجب موضوعات آخرى . تلك الخصائص تمكن السينما كأداة ناعمة فى الحرب ضد الفساد.

وإنطلاقاً من أهمية دور السينما فى مكافحة الفساد نسلط الضوء على السينما وعلاقتها بالفساد تحديداً من خلال طرح مجموعة من التساؤلات والإجابة عليها : هل تناولت السينما قضية الفساد ؟ ما هى أشكال وأنماط الفساد التى سلطت السينما المصرية الضوء عليها ؟ ما هى أبرز قضايا الفساد التى رصدتها السينما ؟ هل قدمت السينما حلولاً للقضاء على الفساد أم اكتفت فقط بعرضها ؟ ما إذا كان هناك دور للسينما فى نشر الفساد أو المساعدة على توليد أنماط معينة فاسدة على الشاشة الفضية وبالتالى يتأثر بها المشاهدون خاصةً الشباب ؟ ويتم الإجابة عن تلك الأسئلة من خلال المحاور التالية .

أولاً : السينما سياسة :

تعتمد السينما بالأساس على تقديم صورة عن الواقع فهى لا تنقل الواقع بكل حذافيره . فالواقع هنا هو مادة للسينما، ولا يعنى هذا أن الواقع مطابق للسينما لأن السينما هى الصورة والتصور والخيال، فالصورة السينمائية هى تسجيل للحظة واقعية برؤية مبدع . و تلك الصورة قد تصور واقعاً اجتماعيا ما وقد يكون هذا الواقع سياسياَ  . وهنا قد يتماهى الواقع والصورة السينمائية بحيث تنقل الصورة الواقع بكافة حذافيره أو قد تكون هناك مساحة بين الواقع والخيال السينمائى مما يجعل الصورة مغايرة للواقع أو قريبة من الواقع ولكن غير مطابقة له . وتأتى أهمية الصورة السينمائية لأسباب عدة منها قدرتها على التأثير على المشاهدين. فالشاشة الفضية لما تمتلكه من خصائص  لها قدرة كبيرة على جذب قطاع واسع من الجماهير. ما يميز السينما أن العالم المعروض مختلف عن العالم الواقعى . فالأفلام تمثل أحياناً غطاءً على بعض المفاهيم والصور، وفى المقابل يمكن الاهتمام ببعض المفاهيم والقيم الآخرى . فالصور فى الأفلام يمكن أن تتعلق بالحقيقة ولكنها ليست بالضرورة حقيقية .السينما هنا تضحى أداة كشف وتعرية كما أنها قد تقدم غطاءات على بعض الأخطاء والتجاوزات . وللسينما سلطة كبيرة على الجماهير نظرا للبريق الذى تقوم الشاشة الفضية بإشاعته. وتختلف وظائف السينما فهناك من يرى أن هدفها السياسى يتمثل فى طرح الموضوعات وتسليط الضوء عليها، فى حين يرى البعض الآخر أن وظيفة السينما كفاحية تتعلق بطرح حلول لمواجهة المشكلات.

 بالإضافة إلى ذلك يمكن للفيلم أن يكون له علاقة وطيدة بالسياسة ليس بسبب موضوعات تلك الأفلام فحسب ولكن لتركيز على تسلسل الأحداث، فالصورة المتحركة التى تعرضها الأفلام تعكس التغيير والمقاومة السياسية .  فبالتالى يمكن للسينما أن تكون أداة للتنظير السياسى أى أداة لخلق وضع سياسى أفضل. يملك السينمائى الحركة فالسينما بالأساس هى صورة متحركة والحركة هى أهم عنصر فى تكوين الكادر السينمائى .فتلك الحركة قد توحى بامكانية التغيير وعدم بقاء الأحوال كما هى . فيمكن أن يحدث تقدم وتغيير وتتابع نحو الأفضل .

أما عن تأثير السينما فنتساءل كيف يمكن أن تؤثر الصور المتحركة لا ارادياً على الجماهير تجعلهم يقبلون الفساد أو يتمردون عليه . رأى مجموعة من علماء السياسة فى جامعة نوتردام بانديانا فى الولايات المتحدة الأمريكية فى سبيل استكشاف قوة الرسائل السياسية فى الأفلام الجماهيرية أن السينما تمتلك إمكانية تغيير الاتجاهات خاصةً حول القضايا غير المؤطرة فى وسائل الإعلام . ترى الدراسة أن الأدبيات التى تناولت تأثير وسائل الإعلام قد أهملت إمكانية تأثير الأفلام السياسية على الاتجاهات السياسية وذلك بعض استطلاع رأى حوالى نحو 300 طالب بجامعة نوتردام ثم سؤالهم حول توجهاتهم السياسية قبل وبعد مشاهدة الأفلام السياسية . رأى الباحثون أن الطلاب الذين شاهدوا الأفلام التى تحتوى على رسائل سياسية أكثر عرضة لأن يستوعبوا تلك الرسائل ويتأثروا بها بصرف النظر عن مواقفهم قبل ذلك . يتوقع المشاهدون أن يستمتعون بالأفلام بافتراض أنها مصدر للمتعة فقط ولا يكونون مهيئين أنفسهم لتقييم الرسائل السياسية فى الأفلام ومواجهتها فكريا كما يحدث حين يتعرضون للدعاية الانتخابية أو الأخبار، من هنا تأتى القوة السياسية للأفلام الجماهيرية ( Popular movies ) . تؤكد أبحاث الرأى العام إمكانية التأثير الأعلى لسبيين أولهما  عدم إدراك المستجيبين للرسائل السياسية التى يتم إرسالها نظرا لعدم مباشرتها . ومن ناحية آخرى أن وسائل الإعلام الترفيهية قد تغير الرأى العام . لهذا فإن الأفلام السياسية تحتوى على رسائل سياسية تمتلك إمكانية التأثير على الاتجاهات . وكانت المنهاجية المتبعة فى تلك الدراسة هى " تجربة معملية " يعرض فيها الأفراد لمشاهدة فيلم معين ليس به أية رسائل سياسية، وفيلم آخر يحتوى على رسائل سياسية غير مباشرة، وفيلم آخر يحتوى على رسائل سياسية قوية وواضحة .انتهت الدراسة إلى أن الأفلام الشعبية تمتلك إمكانية تغيير الإتجاهات السياسية. ذلك التأثير يستمر عبر الزمن ولا يتم إدارته من خلال الأيديولوجيا  أو التحزب أو التوجيه المباشر  .

ثانياً : صور الفساد المختلفة فى السينما المصرية :

تتنوع صور الفساد فى مصر . فهناك الفساد السياسى الذى يتمثل فى مصر فى تزوير الانتخابات على سبيل المثال وكذلك الفساد الأخلاقى ويتمثل فى التخلى عن التقاليد والأعراف المجتمعية . بالإضافة إلى الفساد الإدارى من خلال المجاملات والخلل فى نظم الحوافز والترقيات واستغلال الوظيفة لتكوين الثروات، والفساد المالى مثل الاختلاس ونهب أو إهدار المال العام  أو الرشوة . وقد تناولت السينما المصرية كافة أشكال الفساد إما فقط بعرض تلك المشكلة أو تقديم حلول لها أو أحياناً العمل على مفاقمة بعض صور الفساد كما سيتم تناوله لاحقاً فى الدراسة .

تمحورت قضية الفساد كفكرة رئيسة ( Plot-theme  ) فى العديد من الأفلام المصرية . فكانت الأحداث الرئيسية فى الفيلم لطرح تلك القضية . ركزت الأفلام على الفساد الذى انتشر فى كل زمان ومكان بصور مختلفة من الاستيلاء على المال العام والمحسوبية والرشوة واستغلال النفوذ والقتل والسرقة والتعدى على الآخرين  . ظهرت تلك الأفلام تحديداً فى المرحلة الواقعية للسينما المصرية . فقبل ذلك كانت الأفلام لا تتناول بالأساس القضايا التى تتعلق بالواقع المصرى فكانت بدايات السينما المصرية تتصف بالاستعانة بالقصص الأجنبية . فى هذا الوقت كان المنتجون وصناع الأفلام الأوروبيين غير مهتمين بتناول الموضوعات الاشكالية التى تتعلق بالواقع السياسى والمجتمعى المصرى . فيما بعد ثورة 1952 ازدهرت السينما لتعبر أكثر عن هذا الواقع .

ثالثاً : تشريح السينما لبنية الفساد فى مصر :

لم تكن السينما تسلط الضوء على قضية الفساد فى مرحلة تاريخية دون غيرها . فمع كل نظام سياسى طرح مبدعو الأفلام آرائهم ورؤاهم النقدية مهمومين بالتنوير وإصلاح الخلل المجتمعى والسياسى .

تم تجسيد الفساد فى العديد من الأفلام المصرية ليس لقطاع محدد أو لفئة دون الآخرى . ولكن بتصوير كيف ظهر الفساد واستشرى فى العديد من القطاعات والمؤسسات . فيمثل الفساد مشكلة هيكلية . وتطالعنا بين الحين والآخر الجهاز المركزى للمحاسبات والإدارات واللجان المختلفة لكشف الفساد فى كافة الوزارات والمؤسسات  بتقارير كثيرة عن حجم الفساد فى مصر مما كان دافعا لكثير من الفنانين للتعبير عن تلك القضية فى أعمالهم .

ولم تتطرق السينما المصرية لقضية الفساد فى فترة زمنية دون الآخرى . وإن زاد الميل نحو تناول السينما للقضايا السياسية والاجتماعية  منذ العهد الناصرى منذ إنشاء مؤسسة دعم السينما . فقد اعتبرت معظم الأفلام السينمائية أن ثورة 23 يوليو قد أنهت عصراً من الفساد السياسى والاجتماعى .  بعد ثورة يوليو 1952 ظهرت العديد من الأفلام التى تحلل بنية وماكينزمات الفساد والتى تركزت بالأساس حول تسليط الضوء على الفساد خاصةً الذى سببه النظام الملكى والمحتل الخارجى . فتناولت بعض الأفلام صفقة الأسلحة الفاسدة والتى كانت من الأسباب الأساسية لاندلاع ثورة يوليو 1952. فتم انتاج مجموعة كبيرة من الأفلام التى تصور مفاسد العهد الملكى إبان فترة الاحتلال الأجنبى لمصر مثل " رد قلبى " (1957) و" بور سعيد "(1957 ) و" أنا حرة " ( 1959 ) و" فى بيتنا رجل " (1961)، والأيدى الناعمة" (1963)  و" لا وقت للحب " (1963) و " القاهرة 30 " (1966) و " شىء فى صدرى " (1971) و" غروب وشروق " (1970) . تلك الأفلام وغيرها كانت تُعَد أداة أيديولوجية للنظام السياسى لاقناع الرأى العام بحجم فساد الملك وحاشيته والتى لم تكن حقيقية بالضرورة وبالتالى كان الفيلم أداة فى عهد النظام الناصرى لإسباغ الشرعية إليه . فعلى سبيل المثال يدور فيلم " القاهرة 30 " ( 1966 )  حول أشكال كثيرة من المفاسد التى ظهرت فى أثناء الاحتلال الأجنبى لمصر . أحد صور تلك المفاسد هى الفساد الأخلاقى للموظف ( محجوب عبد الدايم ) الذى ينتقد الفساد من حوله من أصحاب السلطة والنفوذ . فى أحد مشاهد الفيلم يسخر محجوب من ذوى النفوذ مثل إكرام هانم أثناء خطبة لها فى إحدى الحفلات التى نظمتها . تنطق إكرام هانم كلمات بلغة عربية غير سليمة فتقول " وليس هذا جريباً عليكم ( غريباً عليكم ) يا أهل الكير ( الخير ) . يعلق هذا الموظف " محجوب عبد الدايم " : " يا أهل الفساد والقمار وشرب الويسكى الأسكتلندى وأكل اليتامى " ( ضحك )   هذا الموظف البسيط يدخل فى دوامة الفساد فيُحجب عن القيم النبيلة  وسرعان ما يُعرض عليه الزواج من عشيقة المدير فى مقابل الحصول على وظيفة . فيغريه للقبول بهذا الواقع المهين فيقول له " ما هو الإنسان يا محجوب يا خويا له فرصة واحدة . واحدة بس فى حياته .. بس المهم الفرصة دى تحتاج الفهومية، اللباقة ، الكياسة، الفتاكة " . 

ثم ظهرت موجة آخرى من الأفلام فى أواخر العهد الناصرى تحديداً بعد نكسة 1967 وفى العصر الساداتى تنتقد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية . من أبرز تلك الأفلام المذنبون ( 1976 ) إخراج سعيد مرزوق . يدور الفيلم حول قصة ما يقرب من  خمس عشرة شخصية لكلٍ منها قصص الفساد التى تحياها والحبكة أن الجميع متهمون فى مقتل راقصة . هنا الفيلم يعرض لانتقاد مبدعى الفيلم للمجتمع ككل وبتسليط الضوء على أشكال فساد مختلفة فى العديد من المؤسسات والهيئات فى الدولة  .

ومن الأفلام التى أبرزت فساد المجتمع " الزوجة الثانية " ( 1967 ) والذى جسّد تحديداً فساد عمدة القرية . كما جسّد فساد أحد الشيوخ الذى يتستر على مفاسد العمدة . الفيلم يحكى عن عمدة يريد أن يتزوج زوجة أحد الفلاحين البسطاء غصباً لإراده هذا الزوج وزوجته . انتهى الفيلم بانتصار الزوجة المقهورة على العمدة ويموت العمدة . ويسترد الفلاحون حقوقهم وتعلو أصواتهم " دنيا وفيها كل إشى . وكل من جاها مشى وكل ظالم إنخسف . والحق هو اللى إتنصف ... وتوتة توتة فرغت الحدوتة " .

ومن زاوية آخرى تطرقت السينما للفساد والانحلال الاخلاقى . ففى فيلم " أرض النفاق "( 1968 )  يتم مناقشة الفساد الأخلاقى فى المجتمع بصورة كبيرة إيماناً من صناع الفيلم بكيف يستطيع المجتمع أن يتسلط على الفرد ويُفسده أخلاقياً ولا يكون للفرد أية مساحة للحركة سوى أن يكون ترساً فى آلة المجتمع . يجسد يوسف السباعى بكل دقة الصراعات النفسية لفرد يعيش فى مجتمع يتصف بالفساد الأخلاقى فيتناول حبوب النفاق من أجل أن يستطيع التعامل مع الآخرين .  كما انتقدت أفلام آخرى فساد الأخلاقيات المجتمعية مثل فيلم " ثرثرة فوق النيل " ( 1971 )  الذى كان رواية لنجيب محفوظ . يقدم الفيلم بانوراما ممتعة لشخصيات المجتمع المصرى المهزوم يتجلى فيها الذكاء الخارق والرؤية الثاقبة لنجيب محفوظ . في الفيلم تتصارع المبادىء والمثل مع المفاسد  كما يتصارع الحق مع الباطل  . فى العوامة التى تدور فيها معظم أحداث الفيلم نجد نماذج من الفساد والاستهتار الانحلال الأخلاقى  .الضحية الوحيدة فى الفيلم فتاة ريفية  وهى رمز لمصر . يشعر عماد حمدى أنيس الموظف الحكومى الذى لا يفيق من الحشيش طوال الفيلم ان تلك المجموعة التى تتقابل فى العوامة هى المسئولة عن مقتل الفتاة الريفية  - وظل يقول فى نهاية الفيلم " الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا " أما صوت الضمير الوحيد فى الفيلم هو للصحفية الجادة ماجدة الخطيب التى تحاول إيقاظ هؤلاء المغيبين .

وفيلم يتعلق بالفساد السياسى تناولت بعض الأفلام فساد النظام السياسى بصورة غير مباشرة فيلم " القضية 68 "  ( 1968 ) للمخرج صلاح أبو سيف وقصة لطفى الخولى  . يهاجم الفيلم سلبية وبيروقراطية وانتهازية أعضاء الاتحاد الاشتراكى فى ظل حكم عبدالناصر  .

ومن أبرز من شرّح الفساد فى كلٍ من القرية والريف  يوسف إدريس الذى تخرج فى كلية الطلب . فنجد أنه قد جسد لنا فى رواية " الحرام " الذى تحول إلى فيلم سينمائى  (1965)   أبشع وأشنع مآسى الفقر وما يمكن أن يؤدى اليه بدوت خطابية أو مباشرة ولكن على العكس تماما فان توغله لطرح الموضوع جاء برقة و شاعرية إلى أن يفضى بنا إلى تراجيديا و مأساة أقرب إلى التراجيديات اليونانية الخالدة . عمل غير مسبوق اتخذت عناصره من مفردات وعناصر مصرية خالصة  . فقد أشار بنظرته الفاحصة  والمتأملة إلى مأساة الفقر وغياب العدالة الاجتماعية و ما يمكن أن يترتب عليه من انهيار للقيم و الخلق و الدين بل والإنسانية نفسها. فجاء فيلم الحرام كملحمة إنسانية و شعرية عن الفقر و الاضطهاد و الظلم الاجتماعى . عاملا ترحيلة زوج وزوجته سعيدان هانئان . قروش الترحيلة القليلة رزق و بهجة . يداهم المرض الزوج . تكافح المصرية البسيطة و لا تسقط و لا تلين لكن يعتدى عليها و يصير الجنين الحرام رمزا لكل القهر و انتهاك الآدمية . ثم الأم تحول إجهاض نفسها فتقتل الجنين و تقتل نفسها  فهذه الحلقة الأخيرة للجهل و الفقر التى يصورها لنا يوسف ادريس.

و فى مقابل الحرام تأتى العيب التى تحولت إلى فيلم (1967) . تدور أحداث " الحرام" فى الريف أما " العيب " فتدور أحداثه ى المدينة. الشخصية المحورية فى الحرام فلاحة "عزيزة " وفى العيب موظفة " سناء" . كلا من عزيزة وسناء تسقطان أخلاقياَ تحت ضغط الحاجة و العوز . هذا السقوط الجنسى يعبرعن سقوط حقيقى و فقدان احترام  الذات . فبينما تموت عزيزة فيما يشبه الانتحار، تقرر سناء الاستمرار فى السقوط بعد فقدان القدرة على المقاومة .   و بذلك يغوص بنا مشرط الدكتور يوسف إدريس متوغلا داخل جرح المجتمع مستخرجا أحشائه كاسرا كل المحاذير و المناطق التى لا يجرؤ فنان عادى طرق أبوابها و استخراج ما بها من حرمات ليصدم و يدهش المتلقى من هول الحقيقة و بمنطق يجعلنا معقودى اللسان و مكتوفى الأيدى أمام بكارة الموضوع وحدته و صدقه . كان يوسف إدريس طبيباً يبتر من الجسد العنصر الفاسد الذى سرت فيه غرغرينا الفقر .

تلى ذلك فترة السادات ومبارك التى تم تناول الفساد فيها بصورة أكثر جرأة من فترة حكم الرئيس الراحل عبد الناصر . فعند طرح قضايا الفساد لم يضطر الفنانون إلى الاستعانة بالرموز فى توجيه النقد لرجال السلطة الفاسدين .  فى فيلم "طائر الليل الحزين " ( 1977 ) يجد عازف موسيقى شاب نفسه محكوماً عليه بالإعدام فى جريمة قتل لم يرتكبها، ويتمكن من الهرب ليتخفى فى مسكن رئيس النيابة الذى ترافع فى قضيته ممثلاً للاتهام إلى أن صدر الحكم بإعدام الشاب، وكانت براءة الشاب تتوقف على شهادة المرأة التى قضى الليل بين أحضانها، ولأن المرأة هى زوجة الرجل صاحب أعلى مناصب النفوذ، فإنها ترفض هذه الشهادة وتهدد رئيس النيابة الذى يحاول الدفاع عن الشاب البرىء بنفوذ زوجها الذى يفعل كل ما فى وسعه وأن يستغل سلطته فى إثناء رئيس النيابة عن دفاعه عن الشاب ولكن يفشل فى ذلك .

فى أفلام آخرى تم تجسيد صور آخرى من فساد صاحبى النفوذ مثل فساد رجل الشرطة فى فيلم " ملف فى الآداب " ( 1986 ) للمخرج عاطف الطيب فيبحث رجل الشرطة الفاسد عن مكسب شخصى له حتى ولو عن طريق التضحية بالأبرياء . يحكى الفيلم عن ثلاث فتيات عاملات بوسط القاهرة . فى وقت الراحة أثناء يوم العمل يذهبن لكافيتريا لتناول الشراب أو المأكولات البسيطة، ويعشن ظروف اقتصادية صعبة للغاية والمتنفس الوحيد لهن هو وقت المرح الذين يقضونه مع بعضهم البعض وأحياناُ ما يذهب معهم زملائهم فى العمل ورئيسهم لتناول الغذاء معهم فى تلك الكافيتريا. يبحث الضابط الفاسد عن قضية آداب ويدله أحد الأشخاص على تلك المجموعة . ويريد هذا الضابط تلفيق قضية آداب لهم بأية طريقة فيستغل تناولهم الغذاء معاً فى أحد الأيام فى شقة ويداهم المنزل. لا يتصف هذا الضابط بأية رحمة فيلوث سمعة الجميع فى سبيل مصلحته الشخصية وليترقى فى عمله . كما يتناول فيلم آخر فى ذات الفترة تقريبا صورة آخرى لفساد جهاز الشرطة فى فيلم "الهروب" ( 1988) لنفس المخرج عندما تدبر الأجهزة الأمنية هروب أحد مجرمى الصعيد الشهيرين بعد القبض عيه لتبعد أنظار الناس عن الصراعات والمشكلات التى تسببها الجماعات الدينية .

فى أفلام آخرى تم تجسيد الموظف الفاسد فى فيلم " السادة المرتشون "  ( 1983 ) للمخرج على عبد الخالق . يدور الفيلم حول موظف الجمارك الفاسد الذى يتلقى رشوة من تاجر بلوبيف فاسد . يتزوج الموظف من محامية شريفة كان يحبها قبل أن تتزوج من شخص آخر . يتورط هذا الموظف فى قضية الرشوة وتظن المحامية أنه برىء، لكن عندما تتأكد من تلقيه للرشوة تغلب الواجب على العاطفة وتنصر الحق على الباطل وتكشف فساده . وكان هذا الفيلم من أبرز الأفلام الذى تعرضت للفساد بصورة مباشرة من خلال طرح قضية الأغذية الفاسدة . هنا أبرز المخرج والمؤلف قضية البولوبيف الفاسد وكيف يدفع الموظف ثمن فساده .

في عصر الانفتاح، كان شكل الفساد مغايراً واختلفت الفئات التى تقترف الفساد . في فيلم  " الحناكيش " ( 1986 )   تم استعراض كيف خفت نجم لصوص الناصرية من رجال الدولة ليعودون للسرقة والنهب بطرق آخرى فى عصر السادات . أما فى فيلم "أهل القمة" ( 1981 )  لعلى بدرخان يتم تسليط الضوء على المفاسد التى ظهرت فى عصر الانفتاح عندما بدأ اللص زعتر النورى فى رحلة الصعود السريع بتهريب البضائع من الجمارك من المنطقة من الجمارك من المنطقة الحرة فى بورسعيد . وفى فيلم " الغول " ( 1983)   يتم استعراض جوانب كثيرة من الفساد وسيطرة المادة وجبروت رجال الأعمال . هنا الصحفى عادل يرفض أن يدور فى فلك رجل الأعمال الفاسد فهمى الكاشف . فلا يقبل أن يكتب مقالات لمحاباة الكاشف . القضية الأساسية فى الفيلم هى القتل المتعمد من الشاب المدلل ابن فهمى الكاشف لأحد العاملين فى بار بعد رفضه أن يغتصب هذا الشاب راقصة . كما يصيب الراقصة بسيارته فى ذات الحادثة التى قتل فيها العامل . يحاول الصحفى كشف فساد الكاشف وابنه ولكنه يفشل ويزداد فسادهم ولا تستطيع النيابة إثبات جريمة ابن الكاشف مما يمثل " غياب للدولة " فى ردع الفاسدين . فى نهاية الفيلم ينتقم عادل من الكاشف بقتله فى شركته معقل جبروته وسلطانه وسط بطانته وأمن مؤسسته حيث ظن أنه فى مأمن من الدولة  .

فى فترة لاحقة ركزت بعض الأفلام من الأفلام التى توضح الفساد الإدارى وقضية الأغذية الفاسدة مثل فيلم " أبو كرتونة " الذى تم إنتاجه عام ( 1991 )  .

إلا أن العديد من الأفلام تناولت فساد الحكومة والنخب السياسية . فى فيلم "طيور الظلام" ( 1995 ) إخراج شريف عرفة . يصور الفيلم مصر كرة تتقاذفها أقدام فاسدى السلطة والجماعات الإسلامية فى لعبة وصراع بين طرفين من أجل المصالح المتبادلة فيما  بينهما . 

و فى فيلم " ضد الحكومة " ( 1992 )   يتحول محامى التعويضات الفاسد " أحمد زكى " إلى محامى شريف يقرر أن يترافع فى المحكمة ضد مجموعة من الوزراء وجهات متفرقة من الدولة وقع فى عهدهم حادث أليم عندما اصطدم قطار بأتوبيس مدرسى للرحلات  وهو المشهد الذى تكرر فى مصر كثيراً حتى هذه اللحظة  .  ينقلب المحامى من محامى  فاسد - ترعرع فى هذا الفساد فى العهد الناصرى - إلى محامى شريف متأثراً بإصابة إبنه فى ذلك الحادث الأليم . فى الفيلم لا يتحرج المحامى فى الاعتراف على نفسه بأنه فاسد  أثناء المحاكمة الشهيرة فى قضية حادثة البحيرة. فيقول : "سيدي الرئيس أنا مثال للمحامي الفاسد، بل أكثر فسادًا مما تتصور، سقطت في بئر سحيق من اللامبالاة والإحساس بالعجز وقلة الحيلة، تاجرت في كل شيء في القانون والأخلاق والشرف" كانت كلمات الراحل أحمد زكي واصفًا بها الحال الذي وصل إليه كل فاسد وأصبح "قليل الحيلة" لا يملك التراجع.  ثم يتابع متحدثاً عن حادثة البحيرة : "صبي من الذين حُكِم عليهم أن يكونوا ضمن ركاب أتوبيس الموت، رأيت فيه المستقبل الذي يحمل لنا طوق نجاة حقيقي، رأيتنا نسحقه دون أن يهتز لنا جفن نقتله ونحن متصورون أن هذه هى طبائع الأمور".  لابد لي أن أقف. هذه جريمة كبرى لابد أن يحاسب من تسبب فيها، وأنى لا أطلب سوى محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن قتل عشرين تلميذًا لم يجنوا شيئًا سوى أنهم أبناؤنا  ...  الآن حادثتين مروعتين راح ضحيتهم أبناؤهم ولا أحد يحاسَب ولا تحقيقات تجرى ..  ليست لي سابق معرفة بالأشخاص الذين أطلب مساءلتهم. لكن لدي علاقة ومصلحة في هذا البلد، لدي مستقبل هنا أريد أن أحميه، أنا لا أدين أحدا بشكل مسبق، ولكني أطالب المسئولين عن هذه الكارثة بالمثول أمامكم فهل هذا كثير؟".ويختتم هذا المشهد بمقولة ظلت راسخة فى أذهاننا جميعاً : " كلنا فاسدون .. كلنا فاسدون، لا أستثنى أحدًا، حتى الصمت العاجز الموافق قليل الحيلة".

ومن الأفلام الآخرى التى تصور فساد المحامين فيلم " الأفوكاتو " ( 1984 )  لرأفت الميهى . فيوضح هذا الفيلم مغامرات محامى مستعد للتلاعب بالقضاة وبالنظام القضائى ككل كما يتلاعب بأباطرة الفساد أيضاً .

كما تناولت العديد من الأفلام فساد نواب البرلمان مثل فيلم " بخيت وعديلة .. الجردل والكنكة " ( 1997 )  الذى يوضح الكيفية التى يصل إليها العديد من نواب البرلمان إلى مناصبهم من خلال الإشارة إلى المعركة الانتخابية الفاسدة التى يخوضها اثنان من الانتهازيين لقبة البرلمان . ومن خلال فيلم " الواد محروس بتاع الوزير " (1999)  . البطلان هما محروس أو الوزير ويستعرض الفيلم أشكال مختلفة من الفساد مثل الرشوة و الفساد الأخلاقى       والانتهازية وكلاهما يسعى لمنصب النائب البرلمانى .   وفى فيلم "مرجان أحمد مرجان" (2007 )   البطل مرجان هو رجل الأعمال شهير يلجأ إلى طرق غير مشروعة لتسهيل أموره مثل تجنيد أفراد بالأموال كى يفعلون ما يحلو له . يصل مرجان للبرلمان، وفي خلال إحدى جلساته، وأثناء حديث العارضة عن حريق القطارات، ومشاكل الشعب، يحاول مرجان أحمد مرجان التقرب لذوي السلطة بطريقة كوميدية ساخرة، حيث يحاول الإشارة إلى أنه ليس هناك من مشكلات، وأن كل شئ على ما  يرام . وفى فيلم " الجزيرة " (2007)   المرشح البرلمانى يعمل لدى العائلات الكبرى لمساعدتهم فى تهريب المخدرات ويقوم باستغلال حصانته لمساعدتهم فى التهرب من القانون . 

وفى العقد الأخير تناولت مجموعة  أفلام بصورة كبيرة  فساد رجال الأعمال مثل " بلطية العايمة "   و" وواحد من الناس " . يتناول فيلم " واحد من الناس " ( 2006 ) كيف يتم تهميش الطبقة العاملة والشباب البسطاء . ويتم تسليط الضوء على فساد الشباب الأغنياء الذين ينشأون على القيام بما يرغبون فيه دون محاسبة حتى لو وصل بهم الأمر إلى قتل ودهس الفقراء . بطل الفيلم هو الحارس البسيط فى إحدى الجراجات الذى يرى ابن رجل أعمال يقتل غريمه فيرفض ألا يقول الحقيقة . وبالتالى يقتل رجل الأعمال زوجة هذا الحارس ويُسجن الحارس فقط لقوله الحق ثم يخرج الحارس من السجن لينتقم . أما فيلم " بلطية العامة " ( 2008)  فقد أوضح كيف يستولى رجال الأعمال على مصادر رزق البسطاء وبيوتهم فأصبحوا لا يملكون شيئا ً حتى المأوى البسيط. ومن تلك الأفلام أيضاً التى تكشف الفساد فى عهد مبارك فيلم " بوبوس " (2009)   الذى يوضح فساد رجال الأعمال وغياب دور الحكومة، وتغلغل رجال الأعمال داخل الدولة المصرية وزيادة نفوذهم واستغلال مكانتهم وتفحل الفساد .

وقد جسد فيلم " هى فوضى " ( 2007)   أيضاً بدقة وحرفية عالية فساد من نوع آخر هو فساد رجال الشرطة من خلال شخصية أمين شرطة فاسد يعذب المواطنين ويقمع المساجين، ويستولى على قوت الغلابة ويقع فى دائرة الفساد من سلب ورشوة وانتهاك لأعراض الناس والتعدى على حرماتهم ظناً منه أنه فوق المحاسبة . بالإضافة إلى فيلم " البلد دى فيها حكومة " (2008)  الذى يسلط الضوء على عدة مظاهر لفساد جهاز الشرطة من تورط الضباط فى عمليات غسيل أموال واسعة لصالح تجارة المخدرات .

وقد أبرز فيلم " الثلاثة يشتغلونها "  ( 2010 )  - وهو ما تم انتاجه قبل ثورة 25 يناير 2011 بعام واحد فقط - صور متفرقة وتكاد تكون متضادة من الفساد . فيدور الفيلم حول قصة الفتاة الشاطرة المتميزة دراسياً نجيبة المتفوقة فى الثانوية العامة بمجموع 101 % . تبدأ رحلتها الجامعية وتواجه بمجتمع جديد لا تعرفه فتقابل نماذج من الفاسدين سواء من أحد شيوخ الفضائيات أو الاشتراكى المدعى أو الشاب الغنى المستهتر .

رابعاً : السينما وإفساد الذوق العام:

من زاوية آخرى مغايرة يمكننا أن نتطرق إلى السينما  كأداة للإفساد . فالأفلام أحياناً ما تُعد سلعة فاسدة . هنا يكون المُنتج السينمائى وجبة فاسدة تفسد الذوق والمزاج والثقافة والشخصية . هنا الإفساد يكون من الناحية السمعية والبصرية . فيعتاد المشاهد على رؤية مشاهد لا تراعى الآداب العامة وعلى الاستماع لألفاظ بذيئة وأغانى هابطة . هذه الوجبة الفاسدة تنخر فى الجسد. فيُصبِح الفرد مشبعاً بهذا المُنتَج الفاسد وينعكس تحديداً على الشباب فى مظهرهم ومصطلحاتهم والأغانى التى يستمعون إليها . فنجد الشباب مثلا ً يتأثرون بصورة البطل الشعبى المهمش فى أفلام مثل عبده موتة  (2012)   والألمانى ( 2012)   وقلب الأسد ( 2013)   فيرتدون نفس الأزياء ويتحدثون بنفس ألفاظه ومفرداته ويستمعون إلى  أغانى سُميت بالمهرجانات مثل أغنية " أديك فى الجركن تركن " من فيلم " قلب الأسد " أو أغنية " أولاد سليم اللبانين " مفيش صاحب يتصاحب " فى فيلم " عيال حريفة " ( 2015)  ومن كلمات تلك الأغنية " دنيا موانى على الملأ قلوبنا فيها بتنحرق ... غلبان وعايش فى الغلا ... تعظيم سلام من غير كلام عزبة محسن ناس تمام .. مفيش صاحب يتصاحب مفيش راجل بقى راجل ... هنتعامل ويتعامل طلع سلاحك متكامل .. هتعورنى أعورك هنبوظك منظرك ... جايب ورا تصبح مرة ملكش قيمة وسط البشرية "فلا شك أن مثل تلك الأغنيات تحض على العنف وإهانة المرأة ونشر الجريمة بجانب إفسادها للذوق العام ومخالفة الآداب العامة.

خاتمة :

السينما أداة سياسية بامتياز . فقد تطرقت السينما المصرية للعديد من القضايا السياسية ولا سيما قضية الفساد . تم تناول الفساد فى السينما إما فى إطار جاد أو ساخر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة . وقد قدمت السينما تحليلاً متميزاً وأحياناً مغايرا لما يتم طرحه فى الصحافة السياسية والكتابات الأكاديمية لبنية وماكينزمات الفساد . فقد تنوعت تكنيكات السينما فى تجسيد الفساد أو محاربته أو حتى فى طريقة مفاقمته فى بعض الأحيان .

طرحت السينما دوماً منظوراً جديداً فى تشريح وتحليل قضية الفساد فى المجتمع المصرى وسبل الإصلاح . ولكن السينما فى أحيان كثيرة أو الفن بصورة عامة قد يعبر عن الفساد فى المجتمع بدون الإشارة بالضرورة إلى سبل مكافحة ذلك الفساد. هنا لا يتم تصوير الفساد بأنه مشكة تحتاج إلى حل بل أنه قد يكون هدف فى حد ذاته . فليست وظيفة السينما تقديم حلاً للمشكلات الاجتماعية والسياسية فى مصر . ولم تكن السينما تقدم حلولاً لقضية الفساد فى كل الأوقات . فقد انتهت كثير من الأفلام بمعاقبة الفاسد مثل فيلم "السادة المرتشون "  أو " الزوجة الثانية " و " ضد الحكومة " و"رد قلبى " و" الغول" . تلك كانت محاولات سينمائية للتأكيد على أن الشر يُعاقب والخير يستمر وهى حلول الدراما اليونانية الكلاسيكية . وإن فضلت بعض الأفلام أن تأتى بنهاية مفتوحة لإعمال عقل المشاهد مثل " طيور الظلام " و" ثرثرة فوق النيل " و"أرض النفاق " .

من ناحية آخرى إذا كانت السينما قد أنتقدت الفساد كثيراً، لكن لا يمكن إنكار ما يمكن أن تفعله بعض الأفلام من إفساد للذوق العام والحياة السياسية خاصةُ فى الوقت الحالى وتلعب الجهات المنتجة دوراً أساسياً فى ذلك . وهذا على النقيض من الجهات المنتجة للأفلام فى العهد الناصرى مثل " المؤسسة المصرية السينما " التى كانت تسعى فى انتاجها للأفلام إلى تسليط الضوء على المشكلات المجتمعية والسياسية والوصول بالمجتمع إلى الأفضل . فهل حان الوقت لأن يكون للدولة دورأ أكبر فى إنتاج الأفلام السينمائية مرة آخرى لكى تطرح الأفلام قضايا أعمق وبجودة أعلى ؟ وهل حان الوقت لأن تدعم  الدولة بصورة أكبر الشباب الذين يقدمون " السينما المستقلة " التى تعتبر منفذ إبداعى للشباب لصنع أفلامهم بعيداً عن السوق السينمائى الذى تحتكره شركات بعينها ؟

إجمالاً، تراءى لنا كيف ركز السينمائيون فى تناولهم لظاهرة الفساد على عدة أشكال ومستويات للفساد . فأحياناً ما طرحت السينما فساد نماذج فردية مثل محامين، مهندسين، أطباء، موظفين،  صحفيين، رجال الشرطة . كما تناولت فساد الحكومة ورجال الدولة والنخب السياسية بالإضافة إلى فساد المجتمع . وبذلك استطاعت السينما عبر فترة زمنية طويلة أن تقدم خريطة وصورة كلية للفساد فى مصر ولتشرح كثيرا من المفاسد المجتمعية والسياسية بجرأة أكبر مما تم تناوله فى الوسائل الإعلامية الآخرى والكتابات الأكاديمية . لكن بينما ركزت السينما على صور مختلفة من الفساد إلا أن ظلت هناك تابوهات  من شخصيات وهيئات لم تستطع الأفلام أن تشير إلى فسادهم إلا عن طريق الرموز وبصورة غير مباشرة أو عن طريق التغافل عن اقترافهم أية صورة من الفساد .

* مدرس مساعد، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.