الإثنين 21 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

اغتصاب البراءة فى حضانات المنتقبات

اغتصاب البراءة فى حضانات المنتقبات
اغتصاب البراءة فى حضانات المنتقبات

كتبت - ابتسام عبدالفتاح



 

بقلوب صافية كوجه السماء، وأرواح تنبض بالطهر، وأحلام جميلة وردية، يأتى الأطفال إلى عالمنا، ليبدأوا رحلة شاقة يواجهون فيها العالم بكل ما فيه من قسوة، بأيدينا نتسلم تلك الصفحات البيضاء لنخط فيها أولى الكلمات التى ستبقى محفورة فى ذاكرتهم طوال حياتهم، بأيدينا نفتح عيونهم على العالم ونرسخ القيم التى ستبقى معهم طويلا، من هنا تصبح مسئوليتهم أمانة ثقيلة فى أعناقنا إذا آمنا حقا أن التعليم فى الصغر كالنقش على الحجر، وإذا كان هناك من يتعاملون مع هذه الأمانة بقدر عال من المسئولية فإن بيننا من يتعامل مع هذه الوجوه الملائكية بقدر كبير من الغلظة فلا يزرع فى أرضهم الطيبة إلا شوكا وحنظلا.

ليس فى هذا أى قدر من المبالغة، فما يجرى فى بعض الحضانات التى يسيطر عليها أصحاب الأفكار المنغلقة والقلوب المتحجرة لا يمكن وصفه إلا بما يستحق، ففى الوقت التى بدأت الدولة تأخذ بعين الاعتبار أهمية الطفولة المبكرة من خلال برنامج وزارة التضامن لتطوير الحضانات على مستوى الجمهورية، لم يزل هناك عدد كبير من الحضانات غير المرخصه، التى يقوم على إداراتها المنتقبات فقط، ويقع أغلبها بمناطق الشعبية بالقاهرة والجيزة علاوة على المحافظات النائية.

المثير للانتباه هو أن تلك مشكلات تلك الحضانات ليست قاصرة على كونها غير مرخصة فقط، ولا تخضع لأى رقابة من وزارة التضامن، لأن أغلبها يقع فى حوارى جانبية فى المناطق الشعبية، فالمشكلة الأكبر تتمثل فى الطريقة التى يتعامل بها القائمون على تلك الحضانات مع الأطفال إذ ترفض بعض القائمات على تلك حضانات خلع نقاب داخل الفصول أمام الأطفال، رغم أن الحضانات لا يدخلها رجال، فى الوقت التى يؤكدا خبراء علم النفس وتربوى، أن ارتداء «نقاب» أمام الفئة العمرية المبكرة، يسبب لها أضرارا نفسية، علاوة على ذلك فإن ما يغرسه هؤلاء المتشددون من أفكار وقيم فى عقول هؤلاء الأطفال يجعل منهم خامات مهيأة لخلق دواعش صغار.

 

 

النقاب يبدأ من كرداسة

بداية جولتنا فى هذه الحضانات التى تنشر التطرف كانت من داخل حضانة أكاديمية «جنة الرحمن» التى تقع داخل إحدى حوارى منطقة كرداسة، وكر التطرف فى الجيزة، وهى المنطقة الأكثر شهرة بتواجد المدارس والحضانات الخاصة بتيارات الإسلام السياسى المتطرفة، وقد سبق أن كشفت مجلة روزاليوسف فى العام الماضى عن مدرسة تابعة للداعية السلفى «حسين يعقوب» تفرض الحجاب على أطفال المدرسة والنقاب على المدرسات.

 يتكون مبنى «جنة الرحمن» من ثلاثة طوابق تعلوها لافتة بعنوان «تفوق فى الدنيا وجنة فى الآخرة»، داخل الحضانة التقينا المسئولة عن قيد الأطفال وتحدثت معها بصفتى أرغب فى تسجيل ابنتى بالحضانة وبعد الحديث عن مصاريف الحضانة، جاء السؤال عن المنهج الذى يدرس للأطفال فقالت: «الدراسة بالقرآن الكريم، بالتحديد منهج نور البيان»، وتابعت: «فى البداية يلتحق الطفل فى فصل التمهيدى، ثم يلتحق مع باقى الأطفال بالفصل»، مشيرة إلى أن الحضانة تستقبل الأطفال من عام إلى خمسة أعوام.

قلت لها: علمت أن هناك مدرسات منقبات بالحضانة، وابنتى تخاف من المنقبات فردت بصوت عالٍ: «كلنا هنا منتقبات» واستكملت: «متخافيش أحنا هانخليها تحب النقاب.. ومش بعيد هى إللى تطلب منك ارتداء النقاب». موكدة أن خلع نقاب داخل الفصل مسألة تعود إلى كل معلمة فهناك معلمات يقبلن خلعه داخل الفصل، وآخريات يرفضن.

هنا تتدخل إحدى المعلمات فى الحديث قائلة:  «الولد الصغير بكره هيبقى راجل إزاى اخلع أمامه النقاب هروح من ربنا فين يوم القيامة»، مؤكدة أنها تحرص على ارتداء نقاب بالفصل. وعندما سألتها: وكيف تتحملين ارتداءه طوال هذه ساعات، أوضحت أنها منتقبة منذ عشر سنوات وأنها اعتادت على هذا، «الأطفال بالحضانة أيضا اعتادوا على شكلى بالنقاب داخل الفصل مع الوقت».

 

كاميرات مراقبة للمنتقبات

من كرداسة إلى منطقة أخرى بالجيزة لا تبعد عنها كثيرا وهى منطقة بولاق الدكرور وفى حارة صغيرة وجدنا أحد البيوت يتكون من طابقين يحمل اسم «دار نسيبة بنت كعب» وعلمنا أنه أيضا يقوم على تحفيظ القرآن بمنهجية نور البيان للنساء والأطفال، ورغم عدم وجود لافته خارجية تفيد بأن المكان حضانة فإن إقبال الأطفال بكثرة على المكان هو ما يدلك على وجود حضانة هناك.

أمام الدار التقينا «إيمان حسين» وهى أم لطفلين توأم عمرهما ثلاث سنوات، فأكدت لنا أن سبب اختيارها لهذا المكان يرجع لوجود معلمات منتقبات بدعوى أنه «يدفع الأطفال إلى سماع الكلام مقارنة بالمعلمات غير المنتقبات لأن فيه صرامة أكتر فى التعامل مع الأطفال»، على حد قولها، مشيرة إلى أنها كانت تواجه صعوبة مع أطفالها، لكن الآن الأمر أصبح سهلا بفضل معلمات الحضانة.

وأكدت الأم أن طفليها فى البداية كانا خائفين من شكل المعلمة بالنقاب، لكن مع الوقت أصبح الأمر عاديا، تقول «إيمان»: «ابنتى تسألنى ليه يا ماما مش لابسة زى أبله ده غير أنها بتحب تقلد أبله وتريدى نقاب فى البيت».

لاحظنا وجود كاميرات مراقبة ولكن ما فائدة الكاميرا فى ظل وجود النقاب، خاصة إذا علمنا أنه من غير المسموح لأولياء الأمور دخول فصول أطفالهم بالدور العلوى، ويكون تسلم أطفالهم بالدور الأراضى، وبالفعل كشفت لنا إحدى السيدات التى تتردد على الدار لتحفيظ القرآن أن أحد أطفال الحضانة تعرض للاختطاف على يد إحدى المنتقبات ادعت أن لديها ابنا بالحضانة.

 

أكاديمية أهل القرآن والسنة

داخل أحد البيوت القديمة جدا، بمنطقة بولاق الدكرور، والتى لا تتناسب مع كونها حضانة استوقفتنى لافته بعنوان «أكاديمية أهل القرآن والسنة»، لكن الأهالى أكدوا أن الأكاديمية عبارة عن شقة صغيرة بالدور الأول، تعمل فى الصباح كحضانة للأطفال وفى الليل كمكان لتحفيظ القرآن الكريم، إضافة إلى أن معلمات الحضانة يعطين دروسا خصوصية لبعض تلاميذ المدارس، كما صرحت لنا إحدى أولياء الأمور التى تحضر ابنتها درس مادة اللغة العربية، موكدة أن معلمات الحضانة يعطين الدروس الخصوصية للمرحلة الابتدائية والإعدادية، لكن للبنات فقط لأن المعلمات جميعهن منتقبات، ويرفضن استقبال البنين بالحضانة.

وفى حديث مع إحدى المعلمات المنتقبات بالحضانة حرصت على الحديث معى بالخارج، قالت إن الأكاديمية تستقبل بنات من عمر عام إلى خمسة أعوام، أما بنين فحتى ثلاثة أعوام فقط، أكبر من ذلك يلحقون فى الفرع الآخر للأكاديمية، فهناك يوجد شيخ مسئول عن البنين. وعن المنهج المقدم للأطفال قالت إنه ينطوى على مبادئ فى الفقه والشريعة الإسلامية.

 

 

يد الدولة لا تمنع

حسنا فعلت الدولة حين وضعت برنامجا لتطوير الحضانات يستند إلى معايير قومية موحدة للجودة، قام على إعدادها مجموعة من الخبراء، تشمل هذه المعايير اشتراطات معينة فى المبانى المخصصة للحضانة، كما يسمح البرنامج بإعطاء «القروض» لإعادة تأهيل الحضانات أو إنشاء حضانات جديدة، ولأول مرة توفر الوزارة قرضا يسمح لأصحاب معاشات بتأسيس حضانات، ويعمل البرنامج على تقنين أوضاع الحضانات غير المرخصة، ولأول مرة أيضا سيكون هناك «منهج تعليمى موحد» خاص بالطفولة المبكرة، تم إعداده من قبل خبراء فى التربية والتعليم، على أن يكون هذا المنهج إلزاميا على جميع الحضانات على مستوى الجمهورية، إضافة إلى ذلك لا بد أن يخضع جميع العاملين فى مجال الطفولة المبكرة داخل الحضانات إلى دورة تدريبية تحت إشراف مديريات التضامن على مستوى الجمهورية.

لكن بقاء مستقبل هؤلاء الأطفال بيد مجموعة من المتشددين خارج دائرة رقابة الدولة يمثل أمرا فى غاية الخطورة، فى ظل القسوة التى يتم ترسيخها فى هؤلاء الصغار تحت مسمى الحزم فى المعاملة، وإذا كانت هذه الكيانات لا تخضع لرقابة الدولة من الناحية التعليمية فإنها تخرج أيضا من دائرة الرقابة باعتبارها كيانات اقتصادية فهى لا تدفع ضرائب ولا رسوما كونها غير مسجلة وليس لها وضع قانونى.

 

خبراء «التربوى، علم النفس، الدين»

من جانبه، قال الخبير التربوى محمد عبدالعزيز إن منهج «نور البيان» الذى تتبعه تلك الحضانات يصعب على الأطفال فى هذه الفترة العمرية استيعابه، مشيرا إلى أن هذا المنهج يحتاج للدراسة أربع سنوات على الأقل من القائمين على التدريس، ناهيك عن الطفل الذى لا يقل عمره عن ثلاثة سنوات، كيف يستوعب المنهج.

وتعجب خبير التربوى أن يحصل أطفال فى هذه السن على منهج يتضمن دروسا فى الفقه والشريعة الإسلامية، موضحا أن المنهج المقدم لهذه الفئة العمرية يجب أن يعتمد على القصص والحكايات والفنون كالرسم والموسيقى، وتابع أن المناهج توضع بناء على معيار تتوافق مع قدرات الطفل الاستيعابية فى المراحل العمرية المختلفة أما تلك المناهج فهى فوق قدرات أى طفل.

وأكد الخبير التربوى أن تلك المناهج لا تخضع لرقابة وزارة التربية والتعليم أو وزارة التضامن المسئول الأول عن تلك الحضانات، لافتا إلى أن ثلاثين بالمئة من الحضانات فقط حاصلة على ترخيص بالعمل، والمؤسف بالأمر أنها أصبحت تعامل كمشروع استثمارى لجمع الأموال وفى نفس الوقت بوابات لنشر التطرف.

وعن كون المعلمات بالحضانة منتقبات قال «عبدالعزيز»: علميًا وتربويا، إن الوعى لدى الطفل يتكون بعد ستة أشهر، تصبح معلمة الحضانة قدوة له، بالتالى فإن الطفل يتأثر بمظهر المعلمة والمنهج الذى يحصل عليه، موضحا أن النقاب يمثل حاجزا مرعبا بين المعلمة والطفل، لافتا إلى أن وجود حضانات للأطفال المسلمين فقط يخلق لدى الطفل عزلة حين يلتحق بالمدرسة ويصبح لديه زملاء مسيحيين، سيكون الأمر بالنسبة له غريبا وغير مقبول ولن يقبل أن يكون صديقه غير مسلم، على العكس الطفل الذى تربى فى حضانة لا تفرق بين الأطفال فإنه يكون سويا من الناحية التربوية.

 

اضطرابات نفسية وسلوكية

دكتورة سوسن فايد، أستاذ علم النفس، من جانبها شددت على خطورة تعامل الطفل مع معلمة منتقبة لأن النقاب يخلق حالة من «البلبلة، الذعر، الهلع»، وربما يتطور إلى اضطرابات نفسية عند الأطفال، موضحة أن هذه الحالة تنعكس على سلوكيات الطفل وبالأخص البنات التى يتحول الأمر من حالة ذعر إلى رغبة فى ارتداء نفس ملابس المعلمة.

وانتقدت أستاذ علم النفس، أولياء أمور هؤلاء الأطفال قائلة إن الدين لا يفرض تعليم الأطفال فى هذه الفترة العمرية القرآن الكريم أو الفقه، وأوضحت أنها قامت بالعديد من الدارسات والأبحاث، التى تبين من خلالها حرص جماعات المتطرفة على استقطاب الأطفال الصغار لذلك ينتشر هذا النوع من الحضانات فى الأرياف والمناطق الشعبية وصولا إلى زاويا الصلاة.

فى السياق نفسه وصفت دكتورة سعاد إبراهيم صالح، أستاذة ورئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر وجود معلمات منتقبات داخل الحضانات والمدارس بأنه غير سليم تربويا ولا نفسيا، لأن الأطفال فى هذه الفترة العمرية بالتحديد لا يمكنهم استيعاب ما هو النقاب، موكدة أن النقاب ليس فريضة بالإسلام وتابعت: «من يخشون الفتنة عليهن الجلوس فى منزلهن أفضل».

وطالبت دكتورة «سعاد» أولياء الأمور إنقاذ أبنائهم مما وصفته «الجمود الفكرى»، لأن هذه حضانات لا علاقة لها بالدين، لأن ربنا لم يفرض تعليم القرآن الكريم على الطفولة المبكرة.