الخميس 20 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

الدكتور طارق الغنام يكتب: منظومة الأخلاق.. إلى أين؟

الدكتور طارق الغنام يكتب: منظومة الأخلاق.. إلى أين؟
الدكتور طارق الغنام يكتب: منظومة الأخلاق.. إلى أين؟

عندما عزم محمد علي، باني مصر الحديثة، الأخذ بأسباب الحداثة للحاق بمصاف الدول المتقدمة وإيقاظ مصر من سُباتها العميق، اضطر إلى محاكاة العديد من أنماط وأساليب الحياة الأوروبية التي لم تكن مألوفة في مصر حينئذٍ، ونظرًا لأن المجتمع المصري كان مجتمعًا متمسكًا يتمتع بقيم وتقاليد تليدة، فلم يَشْغَل محمد علي أي تأثير يُمكن أن تجلبه رياح التغيير على المجتمع المصري.



فقد كانت معركة البناء والحداثة هي شغله الشاغل، لكن ما كادت مصر تلحق بالدول الأوروبية وتستغل مواردها وتوظفها توظيفًا جيدًا، حتى لاح في الأفق معركة في ثنايا المجتمع بين أولئك الذين ابْتُعِثُوا إلى الدول الأوروبية واطلعوا على حضاراتها وتأثروا بها وقارنوا بينها وبين ما آلت إليه الأمور في مصر حينئذ، فظن هؤلاء أنهم اهتدوا إلى الصدع الذي أصاب بناء مصر الفكري والعقائدي، وانكبوا في تهافت على نقل مظاهر الترف وأنماط الحياة الأوروبية، وبالتالي تاهت ثوابت أصيلة في مجتمعنا أمام تيار الحداثة الجارف ولم تجد هذه الثوابت من يهتم بها أو يُعِينُها أو يجد لها متسعًا، ومع ذلك فقد احتفظ أَهْلُنا في أعماق ريف مصر وصعيدها بقيمهم وتقاليدهم ولم يصبهم ما أصاب أهل المدن.

وظل الحال هكذا حتى ظهرت الاشتراكية وما صاحبها من تغيير في المفاهيم واستقدم نظم فكرية لم يألفها المجتمع، وواكب ظهورها تماسك قوام المجتمع من جديد فيما يتعلق بمنظومة الأخلاق وبرز دور الطبقة المتوسطة، لكن يؤخذ على هذه الحقبة أن ذلك كان يتم بصورة غير مدروسة، فقد كانت تشغل الاشتراكيين كذلك معركة البناء وترسيخ مفاهيمهم لدى طبقات الشعب، لكن ما فَتِئَت الأمور تستقر حتى فُوجئ المصريون ذات صبيحة بانفتاح لم يألفوه من قبل تسبب في صدمة فكرية واقتصادية قوية هزت أركان المجتمع وفرض مفاهيم غريبة مستقدمة ومستجلبة من الغرب فالمادة أصبحت هدف والأخلاق باتت وسيلة، ولم تستسغ طبقة عريضة من المجتمع المصري هذه الفلسفة الجديدة ولم تستسلم لها بسهوله لأن القيم المصرية كانت عصية على التغيير أو التحريف، لكن آلة الرأسمالية المتوحشة كانت أقوى من أي مقاومة فردية، وبدأ الكثير من أفراد المجتمع تحت وطأة الحاجة وسقف الطموح الذي بلغ أعنان السماء في الاستسلام بمضض وغُصة، فسادت مفاهيم مستوردة لم يألفها المصريون من قبل، وانهارت منظومة القيم فظهر المدرس الجشع والطبيب الذي يتاجر بالمرضى، وتفشت الرشوة، وباتت الهجرة أملا وطموحا، وبتنا نشاهد الجار يسيء إلى جاره، والصديق يتنكر لصديقه، والابن يتجرأ على أبيه، والقوي لا يرحم الضعيف، وكانت ثورة 25 يناير كاشفة لما وصلت إليه شريحة ليست بقليلة من المجتمع من سقوط أخلاقي.

واليوم ونحن نعيد بناء بلدنا من جديد تحت قيادة واعية رشيدة نأمل أن تنال المنظومة الأخلاقية جانب أكبر من اهتمام الدولة، وألا ننشغل كسابق عهدنا بمعركة التنمية عن منظومة الأخلاق فأحدهما لا يمكن أن يغني عن الآخر، كما ينبغي أن تلتقط منظومة التعليم أنفسها للتحول من الكم إلى الكيف بأن يكون شاغلها الشاغل جودة التعليم وتقديم خدمة متميزة لأبنائنا الطلبة والطالبات تقربهم من قيمنا وتقاليدنا وعادتنا وتنفرهم ما يخالف هذه القيم والتقاليد أو يتجرأ عليها.

فلم يعد هناك متسع من الوقت لإرجاء هذه المسألة التي ينبغي أن توضع قواعدها على أسس علمية ومنهجية مدروسة.