الثلاثاء 18 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

"الحب أقوى من طلقات الرصاص" - الحلقة الثالثة

"الحب أقوى من طلقات الرصاص" - الحلقة الثالثة
"الحب أقوى من طلقات الرصاص" - الحلقة الثالثة

بقلم : أحمد عبد السلام



 

"أحداث القصة من وحي خيال الكاتب وأي تشابه في الأحداث أو الأسماء هو مجرد تشابه فقط"

 

طلقات الرصاص تدوي في كل مكان، والزغاريد والتهاني والتبريكات تنهال على الباشمهندس صابر، فها هو فخر القرية قد عاد لمسقط رأسه، مكللًا تعب السنوات بشهادة تخرجه، ليس هذا فقط بل جاء ومعه عروسه التي يكاد سنا محياها يضيء المكان، فكانت الفرحة فرحتين.

 

أما الحاجة "رتيبة" أو "أم صابر" كما تحب أن يناديها الجميع، فكان قلبها يرقص فرحًا بعودة الابن الغائب بعد سنوات، فلذة كبدها ووحيدها عاد ليحيي آمال والده، الذي كانت تراه امتدادًا أصيلًا له، الشبل الصغير عاد لعرين أباه.. هكذا كانت تقول لنفسها، وهو تراه ممسكًا بيد عروسه سلمى، تلك الفتاة التي وإن لم تكن قد رأتها من قبل، إلا أنها استحوذت على قلبها ما أن وقعت عليها عيناها، والأهم أنها كانت تشعر بمدى سعادة صابر حين يُذكر اسمها، وكيف أنها لم تراه بمثل تلك السعادة، منذ فارقت روح والده الدنيا إلى بارئها، وكأنما بُعث قلبه من جديد.

 

- مبروك ياما.. "قالتها مجبورة وسعدية" في نفس واحد، وهما يقبلان يديها، وكلًا منهما تحمل صغيرها، فقد سبقا شقيقهما في دخول عش الزوجية، مجبورة تزوجت الأستاذ طماوي مدرس اللغة العربية بالمدرسة الوحيدة بالقرية، أما سعدية فقد تزوجت محروس ابن عمه، ومدرس الدراسات الاجتماعية بذات المدرسة، فكان عُرسهما في يوم واحد.. قبل تخرج صابر بعامين، وأنجبت مجبورة صبيًا جميلًا أسمته محمود، فيما من الله على سعدية بولد اسمته فرغلي على اسم والدها.

 

انتهى العُرس.. وصعد صابر بعروسة لشقتهما في منزل العائلة، كانت سلمى ترتجف من الرهبة والفرحة في آن واحد، فهي لم تعتد كل هذا الضجيج والرصاص، وكثيرًا ما كانت تسمع عن أفراح الصعيد، وعاداتهم في الاحتفال، إلا أنها لم تكن تتخيل أن تكون هي العروس في يوم من الأيام، لكنها الأقدار، التي تكتب مقاديرنا ومصائرنا دون أن يكون لنا فرصة الاختيار.

 

- أخيرًا أنا وأنت يا سلمى تحت سقف واحد، قالها صابر لينتزعها من شرودها وشريط حياتها الذي كان يمر سريعًا أمام ناظريها، والحاج عزت الذي لم تفارق صورته مخيلتها، منذ غادرا القاهرة في طريقهم إلى بيت العائلة بالمنيا.

 

تبسمت وازدان وجهها بحمرة الخجل، الذي زادتها جمالًا فوق جمالها، وأومأت برأسها دون أن تنطق، فقد ألجمت الفرحة والرهبة لسانها، وكان صابر يُدرك الصراع الذي تعيشه زوجته، ما بين رغبتها في الارتباط بمن عشقه قلبها، وبين حزنها على فراق أبيها، فكان رقيقًا حانيًا معها.

 

- يا للا نقوم نتوضى ونصلي ركعتين شكر لله زي ما وصانا الرسول.. قالها وأمسك بيديها برفق، ثم غادر الغرفة ليتركها لتبدل ثيابها، وما أن أغلق باب الغرفة حتى انهمرت سلمى في البكاء، خليط من المشاعر كان ينتابها، فرحة وحزن وخوف من المجهول وبيئة جديدة لم تألفها من قبل، ووالد عجوز يجابه الوحدة والشيخوخة والحزن بمفرده، أي سعادة تلك التي ستشعر بها بعيدًا عن والدها؟ سؤال كانت دومًا تطرحه على نفسها في كل يوم يقربها من موعد الزفاف الموعود، إضافة لذلك الانقباض الذي تشعر به منذ وطأت قدماها تلك القرية.. وبرغم الفرحة ومشاعر الحب التي رأتها في عيون الجميع، إلا أن هناك هاجس كان يؤكد لها أن شيئًا ما سيحدث، ويعكر صفو حياتها التي لم تبدأ بعد، فيا ترى ما السبب؟ ولماذا ينتابها هذا الشعور؟

 

 ***

شهران كاملان مرا وكأنهما دهر على سلمى بعيدًا عن والدها، ولم يكن صابر بعيدًا عما تشعر به زوجته، لذا وعدها بأن تكون هناك زيارة شهرية للقاهرة، يقضيا فيها عدة أيام مع الحاج عزت، لتستكين أوجاعها وتستعيد ذلك البريق المفقود، والذي حاول جاهدًا أن يزيحه جانبًا، إلا أنه كان يفشل في كل مرة، برغم أنه لم يألو جهدًا في إسعادها، وبدورها حاولت سلمى قدر استطاعتها أن تشيع البهجة والحب في منزلها الجديد، وأحاطت والدته برعايتها واهتمامها، حتى أن الحاجة رتيبة كانت تشفق عليها في كثير من الأحيان، من فرط إخلاصها وحنانها الذي فاق كل الحدود، والذي أكد أن دعواتها ومناجاتها اليومية للسماء قد استجيبت، فرزق الله وحيدها بالزوجة الصالحة، التي سيمد بها ذكر العائلة في الأرض.

 

 تردد صدى صوت القطار في محطة مصر، وخرج صابر وزوجته منها، واستقلا إحدى سيارات "التاكسي" لمنزل والد زوجته، وطوال المسافة من المحطة كانت سلمى تخرج رأسها من النافذة وتستنشق هواء القاهرة، كطير حبيس أفلت من محبسه.

 

- اصبر يا ابني ياللي بتخبط هي الدنيا طارت ولا إيه.. "قالها الحاج عزت وهو يسير ببطء شديد نحو باب شقته"، وما أن فتحه حتى طار قلبه من بين أضلعه، فها هي ابنته أمامه، ولوهلة شعر بأنه طفلًا صغيرًا عاد لتوه إلى أحضان والدته.

 

أما هي فقد انسالت الدموع على وجنتيها وانهالت بالقبلات على يد والدها ورأسه، قبل أن تجثو على ركبتيها لتقبل قدميه، قبل أن يضمها الحاج عزت لصدره، لتختلط دموعه بخصلات شعرها التي أفلتت من حجابها.

 

أما صابر فقد كان يقف متأثرًا بهذا اللقاء، حتى انتبه والد سلمى إلى أن زوج ابنته لايزال يقف خارجًا.

 

- عزت: آسف يا بني.. الفرحة مخلتنيش آخد بالي "ثم جذبه إلى أحضانه".

 

صابر: أخبارك إيه يا حاج، عارف إننا طولنا الغيبة عليك، بس غصب عني والله، واسأل سلمى الفترة اللي فاتت كنا بنسابق الوقت إزاي علشان نقدر ننزل القاهرة.

 

سلمى: والله يابا مكنتش بتغيب عن بالي لحظة، ورغم أني بكلمك يوميًا إلا أن ده مكانش بيعوضني عن آجي واترمي في حضنك.

 

صابر: أنا مارديتش أقولك اننا جايين النهارده علشان اعملها مفاجأة، وحتى سلمى مكانتش تعرف، لحد ماحجزت تذاكر القطر وقلتلها النهارده.

 

عزت: والله يا بني ما عارف أقولك إيه، بس أنا روحي ردت ليا لما شفتكم، ربنا يسعدكم ويرزقكم بالذرية الصالحة، وأشيل ولادكم قبل ما أموت.

 

سلمى: ليه بتقول كده يابا، ربنا يطولنا في عمرك، لحد ما تشيل عيال عيالنا

 

صابر: ربنا يخليك لينا يا حاج، وينعم عليك برداء الصحة

 

عزت: يا بني مفيش حد بيخلد فيها، وما دايم إلا وجه الله، المهم طمنوني على الحاجة، عاملة إيه وأخبار صحتها إيه

 

سلمى: باعتالك السلام، ونفسها تيجي تزورنا.

 

عزت: إن شاء الله، ربنا يقدم ما فيه الخير.

 

 ثم بدأت تحكي لوالدها كيف عوضتها الحاجة رتيبة عن حنان الأم، وعن يومها وفيما تقضيه، وقرار صابر بتأسيس شركة مقاولات خاصة به في مسقط رأسه، تكون أساسًا لتطوير قريته وبلدته فيما بعد، إضافة لرعايته أراضي وأملاك العائلة.

 

مرت الأيام سريعًا، وودعت سلمى وصابر الحاج عزت على وعد بلقاء جديد.

 

وفي طريقها من القاهرة للمنيا، عاودتها تلك الهواجس التي لا تدري كنهها، لتنتفض بشده وهنا التفت إليها صابر، وسألها بلهفة عن سر تلك الرجفة التي انتابتها، ورغم أنها لم تجب سؤاله، إلا أن عينيها كانتا توحيا بشيء مُقبض ومريب.