الخميس 27 فبراير 2020
بوابة روز اليوسف | سمية عبدالمنعم تكتب: "الآخرون"
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

سمية عبدالمنعم تكتب: "الآخرون"

سمية عبدالمنعم تكتب: "الآخرون"
سمية عبدالمنعم تكتب: "الآخرون"

 انسلت من بين الجموع وهي تواري خجلًا سكنها ، ولم تعر اهتمامًا لصيحات صديقاتها الدهشة والهاتفة باسمها أن ارجعي.



كادت أن تستقل إحدى عربات الأجرة لكنها عدلت عن الفكرة عندما تذكرت كم من العيون التي يمكن أن تتفرس فيها، فكان قرارها بأن تقطع المسافة بين بيت صديقتها وبيتها مشيًا على القدمين، وراحت تختار أكثر الشوارع هدوءًا وأقلها ارتيادًا من قِبل الناس.

ها هو البيت يلوح إلى عينيها ، تنفست الصعداء وهي تقطع السلم قفزًا ..أخيرًا سأدلف إلى حجرتي حيث لا أحد غيري .

وقفت أمام باب شقتها ، دقته بأصابع لهفة، وانتظرت .

قطع لهفتها صوت صائح " أهذا أنت يا سهيلة ..كم أوحشتني"

التفتت لتجد جارتها التي تركت منزلهم لتسكن منطقة أخرى منذ شهور ..ما الذي جاء بها ثانية ؟ ربما اشتاقت لصديقات العمر .

رسمت ابتسامة مجاملة بدت مفتعلة ، وهي ترد سلامها .

لكن المرأة الأربعينية لم تكتفِ بالسلام بل وقفت تسألها عن أحوالها ودراستها وكيف تبدو مرحلة الإعدادية معها و..و...

أحست بالضجر ولم يغب عن عينيها أن تظهراه جليًّا في زيغانٍ هنا وشرودٍ هناك ، حتى كان صمت المرأة .

حاولت أن تستأذن إلى أن حانت من المرأة نظرة ذات معنى تجاه ثدييها اللذين يحاولان الإعلان عن مقدميهما إلى خريطة جسدها الصغير.

ها هو ذا ما خشيته ، وكعادتها  غزاها خجل مرتعب وكأن عارًا يلاحقها .

وربما كان خجلها هذا إيذانًا للمرأة بأن تتمادى ، فأشارت إلى ثدييها وهي تغمز في خبث قائلة بمرح طفولي " ها قد صرنا آنسات جميلات .."

كادت تصفعها على وجهها صارخة ، لكن صوت باب شقتها وهو يفتح كان قارب النجاة لكلتيهما.

تركت أمها تكمل الثرثرة معها  وانطلقت نحو غرفتها وكأنها تأوي إلى جبل يعصمها من الطوفان.

أحكمت غلق بابها ووقفت أمام المرآة تنظر إلى ثدييها في فزع :"إلى متى ستظلان سببًا في أن تلاحقني عيون وثرثرات الآخرين ..نساءً وشبابًا وحتى أطفالًا "

لم يطل تساؤلها ، تجردت تمامًا من ملابسها وسددت إلى ثدييها الصغيرين نظرة حاقدة ، ثم أمسكت بأحد الإيشاربات ، طوته لطبقات طولية ثم أحاطت به ثدييها وربطت طرفيه على ظهرها ، ضيقته أكثر فأكثر حتى تساوى ثدياها بكتفيها ..هكذا اختفيا تماماً .

زفرت بارتياح وراحت ترتدي ملابسها باسمة وازدادت ابتسامتها عندما أكدت لها مرآتها أنهما لم يعد لهما أثر فوق صدرها .

هنا همست لنفسها بسعادة غامرة : هكذا صرت طبيعية ..هكذا أستطيع أن أحيا بين الناس.