الأربعاء 26 فبراير 2020
بوابة روز اليوسف | عقيلة رياض تشدو تشكيليًا فى معرضها "إله الحب "
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

عقيلة رياض تشدو تشكيليًا فى معرضها "إله الحب "

الفنانة عقيلة رياض أمام أحد لوحاتها في المعرض
الفنانة عقيلة رياض أمام أحد لوحاتها في المعرض

فى مدخل قاعة النيل، حيث معرض الفنانة التشكيلية دكتورة عقيلة رياض بعنوان "إله الحب " تجلس عازفة "HRAP" تعزف على أوتار مشدودة قوية، أوتار رقيقة الملمس بنغمات متتابعة وإيقاعات ساحرة، هذا المشهد يشبه أحد نقوش جدران معابد المصرى القديم، حيث كانت "إلة الهارب"، رفيقة المحبين والمفضلة لدى النساء، وقلما نجد رجلًا يعزف عليها، فهى مرتبطة بالنساء تمنحنهم إحساسًا رومانسيًا يدعم حالة الوجد والحب والعشق، وأحيانـًا العاشقات يستبدلونها بإله القيثارة .



فى لوحات الفنانة عقيلة تجد عشاق الحياة، وهن جميلات وأميرات وحسناوات، برفقة رجال يرقصون بكل رقى وبحركة إيقاعية محسوبة بالخطوة، قد يكونون عشاقًا، وهذا عالمهم وزمانهم، حين كانت الحفلات جزءًا من سمات مصر فى الدولة الحديثة، وأثناء متابعتى للوحات أدركت أن عازفة الهارب، لا تعزف لنا كضيوف للمعرض، بل هى تشارك العشاق لحظة استحضار "إله الحب"، اللوحات تعبرعن فترة غابت عنا ولن تعود، ولم يبقى منها إلإ لقطات فى الذاكرة وصور نشاهدها فى الافلام المصرية، إنها فترة العشرينيات وحتى أربعينيات القرن الماضى ، حين كان الحب قيمة نبيلة إنسانية وأخلاقية يدركها كل طوائف المجتمع المصرى، تلك القيمة الغائبة عنا، إلا أنها حاضرة بقوة فى وجدان الفنانة عقيلة.

توقفت بصمت أتامل إحدى اللوحات الكبيرة، بها 6 جميلات يرافقهن 6 رجال بزى الإسموكن الأسود شياكة وذوق، ونساء لهن قوام رشيق يرتدوا ملابس السهرة الثوب المحبوك الخصر، اللون براق زاهي مزخرف بالورود وبالفرحة وبالبهجة، لهن شعرأسود فاحم قصير، وبشرة بيضاء ونظرات عيونهم هائمة مع الموسيقى، التى تتحدث نيابة عنهم وتبوح بكلمات يصعب نطقها عن الحبيب الحاضر، أوعن الحبيب الغائب، وربما كلمات للحبيب المجهول المنتظر، إنها لحظة فى حضرة إله الحب، انتبانى شعور بالغيرة منهن، ونظرت الى ملابسى فوجدتها لا تتشابه معهن، وقد لا يسمحون لى بالانضمام لحفلتهم، كما أننى بلا عشيق أو رفيق، إذا ساكتفى بالبحث عن مقعد لمشاهدتهم، لهذه الدرجة الفارق بين زمنهم وما نحن فيه الآن، يا لها من رسالة مؤلمة تبعث بها الفنانة عقيلة لتذكرنا كيف كنا وكيف أصبحنا.

 على أنغام "HRAP"، استكمل مشاهدتى للوحات الفنانة عقيلة استوقفتنى لوحة لمرأة تجلس بمفردها وحيدة على كرسيها الذهبى اللون المزخرف، وتمسك بإله القيثارة القديمة، وفى الخلفية يظهر"إيروس " أو "إله الحب" عند الرومان، فى مشهد لعشاقين بلونهما الملائكى بخطوط نحتية معبرة ، المرأة الجالسة ملامحها عطره، أنامل رقيقة، وشعرها قصير، وثوب أزرق بلون يقترب من صفاء البحر، اقنعت نفسى أنى سوف أستطيع التحاور معها، لأنها مثلى تجلس وحيدة، وحين نظرت إليها بدقة أدركت أنى لم أوفق فى وصفها أنها وحيدة، إنها فى لحظة مناجاة للحبيب، تتنفس إحساسًا، وتذكرت ما قاله انيس منصور عن العشاق: إن العشاق لم يشعروا بالوحدة أبدًا فلديهم من الذكريات ما يجعلهم فى ونس دائم ".

تركتها تكمل مناجاة حبيها وانتقلت إلى لوحة أخرى تسكن بجوارها، لوحة عبرت فيها الفنانة عقيلة بمرجعيتها الثقافية وبلغتها التشكيلية المعاصرة، وذلك بربطها بين رمز الحب عند الرومان "كوبيد" ، وبين "إيزيس" أحد أبرز آلهة الحب والبهجة والسعادة لدى المصرى القديم، المرأة عيونها تتشابه مع عيون إيزيس، ترتدى فستانًا مزخرف بالورد الاصفر المضىء، اللامع يتخلله الاسود الممزوج بالاخضر، تجلس ومعها قيثارتها شريكتها فى العشق، ومن خلف المرأة يظهر ملاك بجناجين ومعه سهم الحب، أنه "كوبيد " ابن الآلهه فينوس، الطفل الشديد الجمال، الذى يشق القلب بسهمة لنعشق، وفى الخلفية تحقق حلم المرأة الذى تجسد فى عشاقين تلاقوا فى سماء بعيدًا عن سموم الارض، هذا المعنى ذكر فى الأدب المصري القديم، فقالوا عن الحب: "إن الحب هبة السماء، تسكبه الطبيعة في كأس الحياة، لتلطف مذاقها المرير ويوم ما علينا أن نعود الى السماء برفقه المحبوب " .

وأثناء صمت إيقاعات عازفةHRAPبالقاعة، توقفت عند لوحة كبيرة تعبر عن حفلة موسيقية بها عازف بيانو رافعًا رأسه إلى أعلى يوحى بمدى تأثره بجزء من نغمات الموسيقى، يشاركه عازف الكمان الذى يضع إله الكمان على كتفه وكأنه يحمل قلبه بيده، ومطربة تمسك بالميكرفون وتغنى والكل ينصت لها، ومن حول العازفين جميلات بملابس السهرة السورايه، إلا أن كل منهن يسبحن فى عالمهن، يجمعهن حالة شجن وليس الابتسامة، وأحدهن يبدو على ملامحها أنها تحاول أن تلمم نبضاتها المبعثرة، وخلف الجميلات يقف رجالًا، أحدهما تفاصيل ملامحه، تشير إلى أنه يتحدث بخجل وهمس الى امرأة تقف أمامه، هذا الخجل أو الغزل العفيف، كان سمة المجتمع المصرى  ،ولنا فى المخطوطات المصرى القديم  كلمات الغزل فقال رجل فى وصف زوجته: إنها الفريدة المحبوبة، التي لا نظير لها أجمل جميلات العالم، كمثل النجمة المتالقة فى العام الجديد، بشرتها تبرق بريقًا رقيقة، نظراتها صافية، ذات العنق الطويل، شعرها لامع، وأصابعها تشبه كؤوس زهرة اللوتس، ذات خصر نحيل، المشية متسمة بالنبل عندما تضع قدميها على الأرض".

وأكملت مشاهدتى للوحات الفنانة عقيلة، وأنا أردد جملة واحدة "اين كنا وكيف أصبحنا"، أعادت إلينا الفنانة عقيلة رياض بمعرضها "إله الحب " زمنا مضى، ليس موضوع المعرض بعيدًا عن مشروعها الفنى، فهو استكمال فنى وثقافى لمسيرتها التى جمعت فيها بين التعبير عن الهوية المصرية الاصلية لمراحل التاريخية وأزمنة نفتقدها، وذلك بمعالجتها التشكيلية الحداثية والمعاصرة.

 كما ارتكزت فيها على عنصر المرأة البطل الرئيسى للوحاتها وعنصر الموسيقى، وتأكيد على المضمون ارتكزت على عنصر الخط  والحركة والألوان المبهجة، بالاضافة الى تواجد عازفة الهارب بالقاعة أقدم الآلات الوترية فى المصرى القديم التى ساهمت فى دعم رسالتها والمكملة للحالة الفنية بلوحاتها التصويرية، ولم تغفل الفنانة أهمية حضور زهرة اللوتس التى كانت رمزًا للحب عند الفراعنة يقدمها المحبوب لمحبوبته، واستبدلتها الفنانة فى لوحاتها بالورود فى تكويناتها ، مع حرصها على استدعاء "إله الحب" بذكرها مقتطف لنص أدبى للمصرى القديم، وذلك فى مقدمة الكتالوج يقول: أنا زهرة اللوتس.. التى تنمو فى الضياء المتألق لتصبح البهجة الفريدة للإله.. تتفتح براعمها وتنحنى إلى الوراء ليخرج من بينها إله النور (إله الحب).. يصعد عاليًا ليرقى فى السماء، ثم يعود لينبثق ويولد من جديد فى جوف وقلب الزهرة " .