الأحد 29 مارس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حكاية زعيم الاقتصاد  ورائد الفن السينمائى

حكاية زعيم الاقتصاد ورائد الفن السينمائى

«لم يكن الفنان الكبير «محمد كريم» شيخ المخرجين السينمائيين فقط، بل كان أيضًا أحد رواد فن السينما فى مصر واستحق عن جدارة لقب «عميد السينما المصرية» وهو أول نقيب للسينمائيين المصريين، وأول عميد للمعهد العالى للسينما، وهو صاحب فيلم «زينب» أول فيلم مصرى صامت تم عرضه سنة 1930 بسينما مترو بول وتكلف حوالى ألفى جنيه وقتها!



 

 

كان التمثيل والسينما هما حلم حياة الشاب «محمد كريم» منذ بدأ يتردد على دور السينما، وبدأ يتصور نفسه ممثلا مثل هؤلاء الممثلين الذين يراهم على شاشة السينما، ويلتحق بفرقة جمعية الاتحاد التمثيلى وكانت معه السيدة «روزاليوسف»!

 

 

ويزداد اهتمام «محمد كريم» بالفن السينمائى حتى يتاح له العمل مع أول شركة إيطالية للسينما توغراف فى فيلم «الأزهار الميتة» ويلتحق عن طريق المراسلة بكلية «فيكتوريا سينما كولدج» وبدأ يكتب بعض المقالات فى الصحف عن السينما ومنها مقالات بعنوان «فكروا فى إنشاء شركة للسينما برأس مال مصرى»، و«السينما من المشاريع القومية التى يلزم أن يفكر فيها أغنياؤنا المصريون» و«مصروا صناعة السينما» و«السينما فى مصر أفيد لها من مائة مسرح..» إلخ.

 

 

ويقرر «محمد كريم» السفر إلى الخارج ويشارك فى تمثيل فيلم إيطالى اسمه «انتقام كاميللو» ومن روما يسافر إلى برلين ليدرس ويتعلم كان ذلك فى صيف عام 1925، وهنا تبدأ حكايته مع «طلعت حرب»!

 

 

•• تفاصيل الحكاية يرويها «محمد كريم» فى مذكراته البديعة والرائعة من إعداد وتحقيق الصحفى الكبير الأستاذ «محمود على» حيث يقول:

 

 

«إن التمثيل الذى بدأت به فى الخارج عمل عابر، أما الإخراج فالمشتغلون به قلة، ولا يمكن للشركات أو الممولين أن يستعينوا بمخرج شاب لا سابقة له فى العمل، لاسيما أنه ليس ألمانيًا، واقتنعت أن وطني مصر هو الذى يجب أن أبدأ فيه حياتى كمخرج ولكن كيف؟!

 

 

كانت تصلنى بانتظام صحف القاهرة، وقد أجابت جريدة «الأهرام» على سؤالى: كيف يعمل مخرج فى مصر بخبر صغير، ما إن قرأته حتى هز كيانى وأغرقنى فى دوامة من الأمل والخوف وشتى المشاعر المتباينة!

 

 

كان تاريخ هذه الجريدة 21 يوليو 1925 وقد ورد فيها النبأ التالى:

 

 

«نشرت الوقائع المصرية أمس المرسوم الصادر بالترخيص لكل من «أحمد مدحت يكن باشا» والدكتور «فؤاد سلطان بك» و«عبدالحميد السيوفى بك» و«أحمد شفيق باشا» و«زكريا مهران بك» و«أحمد حجازى بك» و«إبراهيم الطاهرى بك» و«محمد طلعت حرب بك» فى تأليف شركة مساهمة تدعى «شركة مصر للتياترو والسينما».

 

 

والغرض من هذه الشركة هو أن تباشر لحسابها أو لحساب غيرها إنشاء التياترات والسينما واستغلالها وتحقيقا لذلك أن تشترى وتبيع وتستأجر العقارات وتنشئ التياترات وتؤجرها أو تستغلها وأن تحصل من الحكومة المصرية على أنواع الامتيازات لاستغلال تياترات الحكومة وأن تشترى مختلف الامتيازات المعطاة للغير.

 

 

وقد حدد رأس مال هذه الشركة بمبلغ 15 ألف جنيه «خمسة عشر ألفا»، وقسم إلى 3750 سهما قيمة كل منها أربعة جنيهات، ولبنك مصر من أسهم هذه الشركة 2500 سهم».

 

 

ويعترف «محمد كر يم» قائلا: قرأت الخبر مرة ومرتين وثلاث مرات، وقد ألجمت المفاجأة لسانى وشلت تفكيرى وأقلق موقفى هذا زوجتى وسألتنى فى رفق: ماذا حدث؟! وترجمت لها الخبر مرة ومرات وكأننى فى حلم جميل أود لو يطول، ولكننى أفقت فجأة على الحقيقة المرة!

 

 

«حسن وجميل أن يولد فى بلادى نشاط سينمائى ولو من خلال التفكير فى التياترات كما ورد فى الخبر، ولكننى خشيت أن يولد هذا النشاط ميتا فرأس مال المشروع هو 15 ألف جنيه فقط، فماذا يمكن لهذه المبالغ الضئيلة الزهيدة أن تعمل فى صناعة كبيرة تنمو كعملاق! ولاسيما أن كل شىء ينقص بلادنا من معداتها «الحقيقة أن التفكير أضنانى، وقدرت أن كلمة السينما أقحمت إقحاما فى هذا العمل، وإلا لأدرك القائمون بالشركة الوليدة أنها تحتاج إلى ملايين الجنيهات لتقول إنها ستعمل فى السينما».

 

 

•• وتحدث «محمد كريم» مع زوجته بكل هواجسه ومخاوفه وشجعته قائلة: إن المهم هو أن تنشأ فى مصر صناعة للسينما، تبدأ الآن من لا شىء ثم تنمو بعد ذلك وتزدهر مع مضى الوقت!! وأخذ - محمد كريم - يرسل بخطابات لأصدقائه فى مصر يسأل عن هذه الشركة الوليدة ويكمل قائلا:

 

 

- تلقيت ردا من صديق - إلهامى نايل - يقول إن «طلعت حرب» سيصل إلى برلين يوم 8 أغسطس 1925 وسينزل فى فندق «يلانادا» وأخذت أتردد على الفندق حتى قابلته بعد ظهر أحد الأيام - 12 أغسطس - على وجه التحديد وقدمت له نفسى فرحب بى وذكر أنه يعرف الكثير عنى، وسمع عن تفاصيل مغامراتى فى أوروبا والخبرات التى اكتسبتها.

 

 

وعلق «طلعت حرب» بأن الشركة الجديدة لا تفكر الآن فى إنتاج روايات وسيكون نشاطها مقصورًا على تصوير المناظر الطبيعية والحوادث، وفى المستقبل يزداد نشاطها ثم أضاف «طلعت حرب»:

 

 

ياخويا لازم نمشى خطوة خطوة «مفيش داعى للتسرع، وعندما تعود إلى مصر فسترحب الشركة بك وتستعين بخبرتك».

 

 

ويمضى «محمد كريم» فى رواية ما جرى بعد هذه المقابلة مع «طلعت حرب» فيقول:

 

 

عدت من هذه الزيارة ورأسى يدور كطاحون ولكن زوجتى أكدت أن هذه الخطوة شيء خير من لا شيء، وأنه إذا بدأت فى مصر بتصوير شجرة فسيمتد إلى إخراج أفلام فى الغابة كلها، وتلقيت فى نفس اليوم بريد مصر وفيه جريدة «الاتحاد» وكانت جريدة الحكومة فى ذلك الوقت - وفى عدد 12 أغسطس سنة 1925 مقال عنوانه «ممثل سينمائى مصرى فى ألمانيا» رجاء إلى بنك مصر، وجاء فى هذا المقال:

 

 

> أظن القارئ يندهش عندما يقع نظره على ذلك العنوان ويستبعد أن مصريا مهما كانت له قدم راسخة فى التمثيل ببلاده الناهضة تفتح له شركة سينما توغرافية ألمانية كبرى أبوابها، يدخلها ويمثل فيها جنبا إلى جنب مع كبار الممثلين الألمانيين الذين نحنى لهم رؤوسنا إكبارا واحتراما.

 

 

ثم تساءلت الجريدة لماذا اقتصر نشاطى على الدول الأجنبية ولا أساهم فى بناء النهضة الفنية فى وطني ثم قالت: «كان بودنا كذلك أن تتغلب الناحية القومية على نفس شبابنا المصرى وتحول دون قبوله الاشتغال فى شركة أجنبية، ساءنا ذلك صراحة فقصدنا حضرة «على سرى بك عمر» سكرتير السفارة المصرية فى برلين واستطلعنا رأيه فى هذا الشاب فأجابنا بما يأتى:

 

 

إن محمد كريم ممثل سينما من صغره وهو كما يقول رجال الفن «خلق لذلك» ثم سرد «على سرى عمر بك» تاريخ حياتى وقالت الجريدة بعد ذلك:

 

 

هذا ما صرح لنا به «على سرى بك» عن مجهودات محمد كريم فى مدة «السنوات السبع» الأخيرة ولنا كلمة نوجهها لهذا الشاب الذى آثر وطنا آخر على وطنه، وفضل أن يخص بنبوغه الشركات الأجنبية على شركة مصرية بحتة هى الشركة التى أنشأها بنك مصر! فأى عذر لحضرته فى أن يحجم عن الالتحاق بهذه الشركة المصرية، لاسيما أن حضرة «سرى بك» نفسه اقترح عليه أن ينضم لهذه الشركة وقد طلب منه فعلا أن يكتب له تاريخ حياته الفني! أى عذر له، ثم وقد اهتم سعادة «سيف الله يسرى باشا» (رئيس المفوضية المصرية) بالأمر وسعادته يسدى دائما النصائح الغالية لكل من يأنس فيه نبوغا ويقدم المساعدات للشبان الذين يرتجى فيهم خيرًا لوطنهم!

 

 

ثم إننا من جهة أخرى لا نشك البتة فى أن بنك مصر يهمه أن يرى أبناء وطنه النابغين محققين له مشروعه الفنى العظيم كى يحققوا له مشروعاته المالية الكبيرة!

 

 

إن «محمد كريم» كان أول من رفع صوته عاليا فى عام 1918 على صفحات الجرائد بضرورة إنشاء شركة مصرية سينمائية فوتوغرافية، نعم إنه لم يعر أحد النداء التفاتا فى ذلك الوقت! ولكن الآن وقد نهض بنك مصر بهذا المشروع، فأى عذر له فى تخليه عن مناصرة مواطنيه؟! ألا يخشى على العادات المصرية والآداب الإسلامية من أن تعبث بها أيدى الشركات السينماتوغرافية الأجنبية فتخرجها للعالم مشوهة ممسوخة مكذوبة؟!

 

 

هل نسى ما لاقاه هو من مرارة الرفض فى الشركات الأمريكية بسبب مصريته؟! هل نسى خطاب الجامعة الإنجليزية للفيلم فى لندن «فيكتوريا سينما كولدج أند ستديوز» من إنها تشهد له بالبراعة و.. و

 

 

لكن هناك عقبة تحول دون قبوله فى الشركات الأجنبية فى الوقت الحاضر وهى كونه شرقيا؟! هل نسى كره الألمان فى وقت من الأوقات لكل ما كان عنهم أجنبيا!!

 

 

ويقول «محمد كريم»: وما كدت أفرغ من قراءة هذا المقال حتى كتبت لجريدة الاتحاد شرحت لها وجهة نظرى، لقد تكلمت يومها بصراحة ووضعت النقط فوق الحروف»!! وللمقال والحكاية بقية!