السبت 28 مارس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

أول مقالة أهديها لمن عاشت تقبل حنائن الأرض لإرضاء من تحب.. أمي

السيدة فاطمة بدر "ماما نبيلة"، كثيرًا ما أقوم بإلقاء اللوم على نفسي، بسبب محبتي الشديدة لبعض الأشخاص، فأبذل الغالي والنفيس من الاهتمام، لكي أحافظ عليهم، ولكن بالتجربة أجد أن خسارتي لهم لا تكاد تتخطى سنوات قليلة، فأنسى التجربة بأكملها.. سنوات وأنا أقوم ببناء جدار واقٍ لحمايتي من الوقوع في محبة البشر، وخوف من الأذى.



 

استعدت قواي، وأخذت أبحث عما سبب كل هذا، لم وجد هذا القلب داخلي، ولم أحب الناس بهذا القدر، لم أغفر وأسامح، لم أحافظ على وعدي وعهدي، وأقاتل لإثبات من أكون.

 

كثيرًا ما حاربتها وكثيرا ما كانت هي صاحبة الرؤية السديدة والشفافية العالية، والقلب المسامح العطوف.

 

هي الملائكية في ثوب بشري، أمي تلك الابنة البارة الحنون، الولد الذي كان يتمناه جدي، فأصبحت صديقة وسند والدها، في سن صغيرة، فكانت تصحبه في رحالاته، وتسمع لحكايات "الريس بدر"، بشغف وحماس طفل عاشق لتراب والده، فتعلق قلبها بجذورها، وصلة الرحم في أقاصي الأرض المصرية، قنا فحملت والدها الرجوع إلى بلاده والتعرف على أجداده، وأهل عمومته.

 

الابنة البارة بأمها، رغم أنها كانت ابنة أبيها، ولكنها تركت كل عالمها، وجلست هي وأطفالها في خدمة والدتها، حتى وافتها المنية.

الفتاة العاشقة المحبة، أحبت وأخلصت وتزوجت حب حياتها، بعد حرب جاهلة مع مجتمع طبقي، وهي الدرة السمراء وسط قلوب لم يملئها حين ذاك سوى جهل الكنز الأكثر سموا، وهي النفس البشرية، حاربت معه وله ورزقها الله بثلاثة أبناء  فحاربت بهم الحياة.

 

أطلقت إحداهن عليها لقب "إنتي زي القطة اللي نطت بوالدها السبع بلاد".

 

لم تترك لمحبة أسرتها وأطفالها، عائقا لحب آخر، هو حب الناس فكانت من أصعب اللحظات، عليّ أنا وأخواتي، عند نزولها إلى بلدتها الحبيبة ومسقط رأسها برنبال، تلك القرية الجميلة بقلوب من فيها، عندما تطأ قدماها مشارف البلدة، حتى يخلق من تحت طبقات الأرض شخص ما، ابن صديقة أو تلميذ، قامت بتربيته في صغره، فيجري عليها مناديا ماما نبيلة، أو زميلة أو جدة، فلاح كان أو طبيبا لمشفى، كثيرا ما كنا نتأفف من طول الطريق الذي إذا تمشيناه لا يكون دو السلامات والحديث.

 

ولكن كنت أنظر إلى ابتسامة والدتي، وفرحة مستقبليها برؤيتها، سماعها أخبار البلدة، وقبل السؤال عن الأفراح، تسأل أخبرني من توفي حتى أقدم واجب العزاء محبة الناس لها، تجعلني دائما فخورة بها.

 

أتذكر في عام ٢٠٠٠ طالب أهل البلدة بنزولها مجلس الشعب كنائبة عنهم، وكانت أول سيدة، تتجرأ في النزول أمام فطاحل المرشحين آنذاك، فرح الجميع وغضبت أنا، وقتها كان دائما للناس ولم يؤثر هذا على أسرتها، ولكن طمع الأطفال آنذاك، وتعلقهم بأمهم.

 

مشاهد كثيرة من محبة أهل المنطقة لأمي، وحزن رأيته في أعين البسطاء، عندما لم تنجح في الانتخابات.

 

لم أكن أفهم سوى أنها أخيرا، ستكون لنا، ولكن برغم ذلك لم يكف باب المنزل عن الطرق من محبيها.

 

هي الرحوم الحنون العطوف الشاعرة الكاتبة، التي ضحت حتى بحلمها وطريق نجاحها ككاتبة بسببي أنا.

 

كطفلة ولدت في مجتمع قروي، فكانت بداخلي تلك الطفلة الريفية، التي كانت إذا تأخر الوقت عن الثامنة، وتخطي العاشرة لن أمشي في الشارع، فكنت دائما استاء من رجوعنا مع أمي، بعد العاشرة من الندوات الشعرية، ولقاء المثقفين، الذي إن طال، فهو في رحاب الكلمه وقدسية المعرفة الحقة، كان نجم أمي كشاعرة يلمع، وكنت أنا، مثل "الضرة"، تجلس حزينة، حقيقة لم أكن أدرك أو أستوعب حجم ما كانت تلك الأيام مهمة في طريق أمي الأدبي.

 

وبرغم انبهاري وفخري بموهبتها العظيمة. تخلت تدريجيا عن حلمها وتركت كل شيء، سوى اهتمامها بي وأخواتي، عملت في مجالات كثيرة مع أصدقائها الآتي، رزقنا الله قلب ومحبه غرباء صاروا في منزلة الأم وحنان الأهل. ٢٠ عاما، حاولت طباعة ديوانها ولكن كانت، تقول دائما أبنائي وطلباتهم أولوية أهم.

 

أمي كانت دائما العائل الوحيد، أب وأم وأهل وصديق ليس لنا فقط، ولكن لأخوتها، برغم ما يمر به أغلب العائلات من صراعات نفسية، كانت دائما ما تحملنا على قلبها لنذهب من مشرق الأرض لغربها، لصلة الرحم، حتى مع من تعمد قطعها.

 

كانت دائما تقول، "ليه عيلة أمك دايما مترابطة، وكلكم شبه بعض ما بتسيبوش بعض؟!"، كان رد أمي هم من رائحة أبي، وأنا أحافظ على كل من له صلة بأبي الحبيب.

 

المحزن، أنها كمن بثت السم هي ومثيلاتها في قلوبهم. والأصعب كان صمود أمي كل مرة، ودفاعها عن محبتهم.

 

حتى رأت، وسمعت حتى مرضت، ولم تجد سوى قلة، فعلن الواجب، وليس خوفا وحبا عمن أعطت الحب طوال حياتها لهم.

 

في كل مرة تحزن أمي يزداد عليها المرض في كل مرة، يعتصر قلبها من حقيقة من حولها تنطفئ بالتدريج إلى أن تتمسك بكتاب الله، وتقوم بالدعاء.

 

حزنها في أحيان كثيرة، ليس على فراق من ظهرت حقيقة قلوبهم، ولكن عليهم على تغول سرطان الشر والحقد والخبث فيهم على نقطة الانقسام، التي ليس لها رجوع.

 

على تمكن الشيطان من عقولهم فلم يجعلن في كلام الله، الذي يرددونه في قلوبهم ويتحصن به من شر البشر.. لهم الله.

 

أمي.

 

بشاعة العالم وحقده، لم يكن أبدا يلمس بشاشة وجهها وابتسامتها وضحكها المستمر، فلو جلست دقائق معها قادرة على أن تزيل هم الدنيا بحكايات عن زمن مضي، وعن خير قادم.

 

برغم ما مرت به، وبرغم كل شيء تردد أن ما نراه اختبار وابتلاء، وأن ما نراه من شر العالم ما هو سوى رسائل من الله حتى يعتدل قلبك في محبة الناس فتعلقك بالله لن يخذلك أبدا.

 

هي الأم التي رحل عنها صغيرها، أخي الحبيب فصبرت على صدمة الموت واحتضنته طوال رحلة وصوله إلى مثواه في بلدتنا، كانت تقف كالجبل تحتضن الناس في العزاء، وتقوم برد المواساة، عند بكائها، كنت أقوم بمسك يديها، وأطلب منها التشبث بالصبر، فكانت تمسك دموعها وتخفيها طوال السنوات الماضية، حتى لا نبكي على وجعها، رحل أخي وهي تغلق غرفته لحين رجوعه من سفر طويل رحل وهي تصبر وتحتسب.

 

وتجلس بالساعات معه تحكي له عن الحياة، وتقوم بالدعاء.

 

في زواج أختي، بعد وفاة أخي الحبيب، رأت كل شاب صغير ابن لها فتغافلت عن حقيقة أن لكل ابن أم، وأمنت في محبة قلبها، لتضع من هم ليس في جدارة هذه المنزلة ليكونوا أبناء لها.

 

فصبرت واحتسبت على محبة ضائعة.

 

ولكن رحمه الله، خلقت ملاكا صغيرا هو كل الحياة لي ولها، ولأمها الثانية فطفلتنا جومانا، لا تعترف سوى بأمي أم لها ونحن أخواتها.

 

جومانا، جنة الله الصغير ورحمته بقلب أمي.

 

أمي الصديقة الداعمة، التلميذة المتفوقة فبعد الخمسينؤ أرادت أختي استكمال دراستها الجامعية، فطلبت من أمي أن يدرسا معا فتفوقت عليها وتخرجا من كلية الاعلام، بدرجة جيد جدا.

 

كانت ومازلت مصدر الأمل والأمان والطموح، فهي الصغيرة في العمر بقلبها الأبيض الطاهر، وهي الحكيم الذي تعاقبك الحياة دائما، عندما لا تستمع لكلماتك.

 

ومن عقاب الله لي أني صرت أعمل صحفية، وكعمل فيه الكثير من تغطيات مهمة لوقت متأخر، صرت أنا من تعذب أمها والتأخير والقلق.. وهي التي تنتظر وتخاف، ولكن بعد كل مشاجرة تفخر بي وتدعمني بكل ما لديها لطريقي وحلمي.

 

هناك كنت أنا الابنة الصغيرة الجاهلة... وهنا قلب الأم الداعم ... الذي لن يكن في الوجود بنقاء من قال عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، "الجنة تحت أقدام الأمهات".. فهي نبع الجنة كيف يكون قلبها.

 

أمي الحبيبة، وكاتبتي المفضلة، وابنتي وصديقتي، رغم طول الكلام، لن أجد ما يصف رحلتك داخل روحي.

 

وقبل كل شيء اعتذر لك.

 

فأنا كنت دائما الابنة العنيدة في قرارات قلبي ومحبتي، لمن حولي، دائما ما كانت ترجو مني التعقل والتفكير، وأن أترفق علي قلبي، ولكن من أكن وأنا مثلي الأعلى في الحياة كان قلبك أنت، ولكن من لم يعش التجربة لن يعرف أبدا النتيجة.

 

كل ألم مررت أنا به في تجاربي الصغيرة في محبة الناس، كان جزءا صغيرا جدا جدا.

 

من ألمك يا حبيبتي، كل نصيحة رفضت أن أراها، وأتمسك بها كان لرؤيتك عما سأمر به.

 

تندهشين كثيرا هذه الفترة من خضوعي لكلماتك، ولكن والله .…

 

هو اليقين، وهو الاستسلام بمحبة وثقة أن كل ما مر لم يكن سيعلمني أن قلبك وعقلك هو الحق.

 

فأغفري لي أخطاء قلبي الصغيرة على مر هذا الزمن.

 

إليك يا أمي.

 

أحبك، بل أعشق الحياة لوجود قلب رحيم مثل قلبك.