الثلاثاء 26 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
يوميات الاشتباه في إصابتين بكورونا

يوميات الاشتباه في إصابتين بكورونا

(التجارب الشخصية للاشتباه بالإصابة بفيروس كورونا تكررت مع الكثيرين حينما تعرضوا لتعب في الجهاز التنفسي) وهذه هي تجربتي الشخصية.



 

 

فوجئت بأنني استيقظ بسبب جفاف شديد في حلقي، فشربت بعض الماء، ثم قمت للوضوء من أجل الفجر. فساهمت المضمضة في ترطيب فمي، ومرت الليلة بسلام. 

 

ثم طوال النهار خلال تكراري للمضمضة كنت ألاحظ عدم وجود بلغم.

 

 

بعدها بليلة كان استيقاظي المفاجئ في الليل بسبب جفاف جزء آخر هو الأنف، ومن جديد ساهم الوضوء في الفجر في تخفيف درجة الجفاف.

 

 

وحرصت طوال اليوم على تكرار المضمضة والإستنشاق بالماء الساخن.

 

 

لكن في كل مرة كنت ألاحظ عدم وجود مخاط في الأنف.

 

 

أصعب ليلة

 

 

إلى أن كانت أصعب ليلة، حيث لم يكن استيقاظي بسبب جفاف البلغم والمخاط فقط، إنما أيضا جفاف تام للعاب أو "الريق"، حيث لم أكن قادرة على بلع ريقي، أو بمعنى أدق لم يكن هناك ريق كي أبلعه، كلما حاولت أن أبلع ريقي، لا أجد ما أبلع بمعنى الكلمة. 

 

 

كل هذا في صحبة ألم زاعق في ساقي، كأنه شد عضلي عجيب، لم يسبق أن مررت بمثله من قبل. والموجع أكثر أن هذا الشد العضلي كان في كلتا الساقين، لدرجة أنني خفت من فكرة كيف سأقوم وأمشي على قدمي مع هذا الألم العجيب.

 

 

بصعوبة أخذت أنادي على إبني محمد الذي أعرف أنه سهران، وأكرر النداء، إلى أن جاءني صوته يسألني عما إذا كنت أنادي عليه. 

بصوت منهك قلت نعم، فجاءني بلهفة متسائلا عما جرى. بمجهود شرحت له، فاقترح أن يحضر لي بعض الماء. فقلت له: بل عسل.

 

 

عاد لي ببرطمان العسل وملعقة. أخذت أحرك العسل في حلقي بلساني، سبحان الله، فيه شفاء للناس، ترطب فمي، وتفتحت مسامي، وأصبحت قادرة على أن أتحدث مع إبني في محاولة لأن أطمئنه. لكن عيناي كانتا تفضحان حالي، ربما بسبب أن تجويف الأنف كان مازال جافا. كانت عيناي مفتوحتين بانكسار وكأن مجرد فتحهما هو عبء على جسدي. فبدى على إبني عدم تصديقي وأنا أقول له أنني قد أصبحت أفضل. 

 

 

كرر إقتراحه بأن يناولني بعض الماء، قلت له أنني عن تجربة خلال نهار الأيام الماضية كانت ملعقة العسل ترطب فمي، وأنا بشكل عام مؤمنة بأن عسل النحل كما أخبرنا الله سبحانه فيه شفاء للناس. المهم ألا يكون مغشوشا. وهذا العسل الذي تناولته هو عسل سدر جبلي، وأنا وجدانيا يسعدني أن يكون مصدر العسل الذي أتناوله هو من النحل الذي يتغذى على شجر "السدر"، باعتبارها من أشجار الجنة المذكورة في سورة "النجم" وهي "سدرة المنتهى".

 

يا الله يا كريم

نعود إلى ماجرى في تلك الليلة الخامسة منذ بداية ظهور تلك الأعراض المرضية. كان الوقت الذي أيقظني التعب فيه هو قبل الفجر بحوالي ساعة، وهو الثلث الأخير الجميل للإستغفار. 

طلبت من إبني أن يعود إلى غرفته وأنني سأستريح إلى أن يحين موعد اذان الفجر. أخذت أدعو الله وأصلي على الحبيب، وأستغفر.

ومع صوت الأذان لم يعد ريقي جافا، وصار الشد العضلي أفضل، ثم سعدت روحي بأداء صلاة الفجر.

في شكري لله وكرمه خجلت من نسياننا لشكر الله على نعمه التي بالفعل لا يمكن أن نحصيها. فهي ليست فقط النعم التي تبدو جميلة، إنما هناك أشياء نخجل من ذكر إسمائها على الرغم من أنها نعم عظيمة مثل نعمة المخاط واللعاب والبلغم. وهي كغيرها من النعم ننساها بسبب الإعتياد على وجودها.

 

العسل في الأنف

وقد ازداد انتباهي لعظم هذه النعم، حين استيقظت في الليلة التالية من جديد على غياب تلك النعم لحكمة يعلمها الله. وقد ألهمني بفضله ولطفه أن أواجه غيابها. ففي تلك الليلة التالية مع جفاف ريقي، كان جفاف الأنف قد إزداد إلى درجة الشعور بأن الأنسجة الداخلية لتجويف الأنف تكاد تتشقق من شدة الجفاف، وعندما ذهبت للإستنشاق لترطيب تجويف الأنف لاحظت آثار دم تخرج من فتحة الأنف، ربما بسبب تشقق من شدة الجفاف، فألهمني الله بعدم الإكتفاء بترطيب ريقي باستحلاب العسل داخل فمي، إنما ألهمني أن أستخدم العسل في ترطيب الأنف أيضا.  أحضرت أحد أعواد تنظيف الأذن القطنية. ثم وضعت قليل من العسل في ملعقة، وبللت فيها طرف العود المجهز بالقطن، ثم أدخلته في تجويف كل من فتحتي الأنف، ودهنتهما من الداخل جيدا. 

شعرت كأن الروح قد عادت لي، وأن الدنيا قد أضاءت. شعور شبيه بشعوري حينما وضعوا لي قناع الأكسجين يوم ولادة إبني محمد.

في الليلة التالية كررت طريقة العسل في الفم والأنف فنمت بسلام.

 

كأن سكينة مغروزة في الحلق

إنما يبدو أن الغارات قد تم شنها ضدي مرة أخرى مع حلول الليل التالي.

فلقد تجدد الهجوم الليلي على الحلق في انتهاك جديد ضد جهازي التنفسي، البداية كانت بشعور كأن هناك "شعرة" تسبح في مجرى الجهاز التنفسي، كأنها تنكزك كي تضطر أن تسعل على أمل أن تطردها، لكني أدرك أن السعال الجاف "يهد الحيل"، ولا بد من عدم الإستسلام له.

 

نوم كأنه حالة إغماء

ثم استيقاظ على ما يشبه السكينة المغروزة في الحلق. 

الوضوء لصلاة الفجر والمضمضة والغرغرة.

ترطيب الأنف والفم من جديد بالعسل.

وباسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

 

الفيتامينات وتنشيط الأوكسجين

وفي الأخذ بالأسباب حرصت على المداومة على تناول فيتامين سي كومبلكس اتباعا لنصائح دكتور "كريم علي"، مع مداومتي على تناول فيتامين "د3" الذي كان الطبيب قد كتبه لي منذ فترة عندما اتضحت إصابتي بهشاشة العظام، والمعروف أنه مفيد في الوقت نفسه لتقوية المناعة. 

كذلك حرصت على تمرين بسيط للتنفس كان قد أثار إعجابي ما حكته عنه إحدى الأسيرات الفلسطينيات من أنها كانت تمارسه في السجن، ويتمثل في أخذ نفس عميق من الأنف، ثم إخراجه عبر زفير بطئ من الفم مصحوبا بقول: "الله"، مع المد بقدر المستطاع لحرف اللام الأخيرة مع الهاء. تنشيط للأوكسجين في الجسم وذكر لله سبحانه يسر النفس. واطمئنان إلى أنه وحده الذي يمنع ويمنح، وفي كل منهما خير.

 

سخونة

طوال تلك الأيام كانت حرارتي ترتفع، لكني قررت ألا أقوم بقياسها إلا إذا ظلت ثابتة في حالة إرتفاع متواصل، لأن ما كان يحدث معي هو ذبذبة في درجات الحرارة حيث ترتفع لفترة ثم بعد قليل تعود طبيعية. 

وما أعرفه هو أن هذا مؤشر على أن مناعة الجسم تقاوم المرض. صحيح في بعض المرات كانت شدة السخونة تجعلني اشعر وكأن الصهد يخرج من عيني، مما يجعلني أغلقها، وأجلس مغمضة العينين، أو أكتفي بأن أفتحهما فتحة بسيطة. إنما هي جولات للجسم بفضل الله في معركة أنا غير متأكدة من الطرف الآخر فيها. لكن مدركة بأن الله خلقنا في أحسن تقويم وجعل من المناعة سلاح ضد العدو الذي لا نراه.

 

مع إبني محمد الذي صمم على البقاء معي في البيت . (الصورة طبعا قبل أن يصبح اللمس ممنوعا)

 

 

محمد ابني صمم على البقاء معي

في الأوقات التي كنت أشعر فيها أن حرارتي طبيعية، كنت أحرص على التحدث مع إبني محمد في أي موضوع كي أطمئنه بصورة غير مباشرة على حالتي الصحية، مع مراعاة المسافات بيني وبينه. 

وذلك بعد ان كنت قد طلبت منه أنه إذا ثبتت إصابتي بكورونا فإن عليه أن يتركني وحدي في عزل ذاتي، وحين يريد أن يراني ويطمئن عليّ يأتي ويفتح بمفتاحه ولا يدخل، إنما سأقترب أنا من الباب ليراني ويطمئن على حالي، فرفض تماما وأبدى كل التصميم على أن يبق معي على كل الأحوال.

حاولت إقناعه بأنه سيفيدني وهو خارج البيت في شراء ما أحتاج من طلبات ويأتي ويفتح ويتركها لي بجوار باب الشقة ويراني في الوقت نفسه من بعيد، فرد بحسم سأظل معك وأحضر لك ما تحتاجينه من داخل البيت أيضا وليس من خارجه فقط. 

حبيبي يا محمد يا ابني الصغير الذي صار كبيرا ويخدمني بكل إخلاص وحماس وأدب. لا يمكن أن أنسى نبرة صوته الزاعق المتشبث بالبقاء معي مهما كانت مخاطر القرب، ولا صمته الناطق بالحب. ماذا أقول، إحميه يارب.

 

ابني المسافر وإخوتي

أما إبني الكبير "جمال" المقيم في "واشنطن" فلم أخبره بمتاعبي الصحية كي لا أتسبب له في القلق، فهو بعيد في النصف الثاني من الكرة الأرضية، وبيني وبينه بحور وجبال وطيران مقطوع وعزل. وأنا التي مشغولة عليه لأنه وحده في الغربة، ولا داعي لأن يتوتر من أجلي فيؤثر هذا التوتر على جهازه المناعي. 

كذلك لم أخبر أي أحد من أخوتي الذين أحبهم جدا وأخاف عليهم، وحرصت على الا أتسبب في عبء نفسي عليهم خاصة أن ظروف حظر التجول والعزل الذاتي تجعل الحركة ليست سهلة، كما أن ظروفهم الصحية في الأحوال العادية ليست دائما على ما يرام. ربنا يكرمهم ويديم الحب بيننا واعتذر لهم ولإبني جمال. انما لم يكن من الممكن أن أخبرهم بالاشتباه خاصة انه مجرد اشتباه.

 

مع صديقتي سهام سعد حويدق: حكايتنا مع الإشتباه في الإصابة بكورونا ربما تتشابه مع حكايات جرت في كثير من البيوت مع الفرق في التفاصيل

 

 

صديقتي سهام

الوحيدة التي بدون أن أقصد رويت لها ما جرى لي فهي صديقتي سهام سعد حويدق. أما السبب فهو أنها في اتصال هاتفي معي أخبرتني بأن حرارتها 38 ونصف وأنها تشعر بأن جسمها مكسر، ووصل بها الأمر مع شدة الألم أن بدأت تفكر بقلق حول هل يمكن السماح بالدفن في مدافن الأسرة لمن يتوفى بسبب كورونا، مما جعلها تكتشف كيف أن مجرد الدفن بالطريقة المعتادة والصلاة على الميت هي في حد ذاتها نعمة كبرى، وكيف أن إجراءات الدفن التي نظن أنها مرهقة هي نعمة أيضا، وأن الحرمان منها هو أمر ندعو الله ألا يحرم أحد منه. 

مع ذلك وكعادتها في الأزمات حرصت على التماسك والإتصال بأكثر من طبيب، ثم مع الباراسيتامول وفيتامين سي بدأت حالتها بفضل الله تتحسن. 

وقد روت لي صديقتي الحبيبة أنها منذ بداية التعب كانت قد عزلت نفسها في غرفتها ولم تسمح لأحد بالدخول عندها، وكيف أنها لم تكن تخاف على نفسها، إنما تخشى أن تتسبب في نقل العدوى لغيرها سواء إبنتها "فاتيما" وزوج إبنتها وحفيدها الذين يقيمون في الدور الثاني من الفيلا، أو من يعملون في بيتها خاصة العاملة الإفريقية التي تركت أهلها وبلدها من أجل لقمة العيش هنا، وقد قالت لي سهام حويدق أنها كانت شديدة الخوف عليها، خاصة أنها في غربة.

كذلك روت لي أنها كانت حين تحتاج إلى شئ لا تسمح لأحد بالدخول إلى غرفتها، إنما أن يتم وضعه أمام باب الغرفة فتفتح سهام وتأخذه دون احتكاك مباشر. 

كانت مخاوف صديقتي على الآخرين شبيهة بحالتي، فهي ليست مخاوف على الحياة، وإنما مخاوف على من حولنا من الأحياء والأحباء.

وأمام ما روته لي صديقتي عن مخاوفها، وجدت نفسي أشاركها بأن أحكي لها عن حالي وعن خوفي على إبني الشبيه بمخاوفها.

والحمد لله بعد أيام إستقرت حرارة صديقتي وغادرها الألم وتحسنت حالتي بفضل الله.

حكايتي وحكاية صديقتي سهام حويدق مع الفيروس ربما تتشابه مع حكايات جرت في كثير من البيوت مع الفرق في التفاصيل، فمن الواضح أن من يتعرض لتعب في الجهاز التنفسي في أيامنا هذه ليس من الغريب أن يحضر في المشهد عنده فكرة الإشتباه في الإصابة بكورونا وتبعاتها على المحيطين بنا. فالإصابة ليست بعيدة عن أي أحد من ناحية، والتشكك أو الإشتباه في الإصابة هو أمر طبيعي جدا سواء ثبت أن الإصابة قد حدثت بالفعل والعياذ بالله، أو سواء كان التشكك نتيجة نوع من الإيحاء النفسي من كثرة ما نقرأه ونشاهده عن إنتشار المرض وأعراضه والوقاية منه، أو نتيجة تشابه بعض أعراض المرض مع أمراض أخرى.

كما أن هناك رأي يقوله الكثيرون وهو أن البعض يصاب بالفيروس ثم يشفيه الله بفضله عن طريق مقاومة جهازه المناعي بدون اللجوء لطبيب. 

وبغض النظر عن ردود أفعال من يتعرض لمتاعب في الجهاز التنفسي حاليا، فإن ما ينساب بين مختلف الحالات هو تجدد التذكر لقدرة الله وعظمته، وأنه قادر على كل شئ، وأنه الشافي المعافي اللطيف، مع الرضا بكل تدابيره، وأن له حكمة في كل شئ حتى لو لم نعرفها. 

ما يحيط بنا يجعلنا ندرك بالفعل معنى أننا لا يمكن ان نعد نعم الله علينا، ويجدد بداخلنا أنه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وأنه على كل شئ قدير. سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.