الثلاثاء 26 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
فرص زمن الكورونا

فرص زمن الكورونا

لم أعتد أن أكون ممن ينظرون نحو المستقبل، وعلى عيونهم نظارة سوداء، فلا يرون إلا سماء معتمة تكاد تهبط فوق رؤوسهم، ولا أفضل أن أسدل في كلماتي ستائر الضباب، فتتخبط رؤية القارئ، ولا يستطيع أن يفصل بين الخيط الأبيض والخيط الأسود.. ما يمر به العالم هذه الأيام هو محنة تقصم الظهر وتنهك القوى، لكنه فى نفس الوقت فرصة لإعادة تصحيح أوضاع كانت بحاجة إلى التصحيح عاجلًا أم آجلًا. 



 

"كوفيد ١٩"، ذلك الرسول الخفي، الذي هبط إلى العالم برسالة حادة قاسية، مفادها إما التغيير أو الفناء، في وقت كان العالم بالفعل على وشك تغيير الأنظمة الاقتصادية المعتادة، إلى أخرى متطورة، لكن لم تكن هناك رؤية واضحة لكيفية تطبيقها، وكان التغيير سيتم بشكل تدريجي مع كل سلبية تظهر جراء التمسك بالاقتصاد القديم وعدم قدرته على تلبية احتياجات العصر، فجاء فيروس الكورونا وعجّل بإظهار كل عوار النظم الاقتصادية للدول، وبات التغيير هو المخرج الوحيد من الأزمة.

 

كل التنبؤات التي خرجت بها مراكز الأبحاث، خلال الفترة الماضية، هى خاصة بالدول الغربية بالدرجة الأولى، على اعتبار أنها المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي، وتتبعها الدول الأخرى، كأثر طبيعي لذلك، وحملت تلك التكهنات قدرًا عاليًا من السوداوية في نظرتها للمستقبل القريب، بدرجة لا تعبر حتى عن أوضاع الدول التي تتحدث عنها، لكن يمكن القول إنها دقت ناقوس الخطر، وجعلت الدول تنتبه للمخاطر الاقتصادية الجسيمة، التي يخلفها "كورونا" وراءه، وما يتطلبه من خطة اقتصادية فدائية لمواجهته، وللحفاظ على جودة الاقتصاد، أما فيما يخص بتكهنات هذه الأبحاث حول باقى الدول التي لم تتأثر بالفيروس بنفس درجة أوروبا وأمريكا والصين، فهي تكهنات يجانبها الصواب في مواضع كثيرة لعدة أسباب: 

أولًا: هذه الدولة شاهدت تجربة الكورونا المميتة ونتائجها قبل أن تصل إليها، وهذا مكنها من اتخاذ التدابير اللازمة قدر الممكن.

ثانيًا: إنها تنبهت لأبعاد الأزمة الاقتصادية المتوقعة وبدأت تستعد لها.

ثالثًا: وهو الأهم، أنها أيقنت أن المعركة الحالية هي معركة بحث علمي، فنشطت مراكزها وجامعاتها، ومنحتها الضوء الأخضر لدراسة الواقع الجديد بكل أبعاده.

 

ويأتى هنا السؤال الأهم، وما يعنينا من الأزمة، هل سينهار اقتصادنا؟ 

والإجابة هنا هى لا، بل إننا أمامنا فرصة ذهبية لن تتكرر، كي ننعش اقتصادنا ونرسخ أوتاده عالميًا، ونكمل خطة التنمية قدر المستطاع، مع مراعاة أن السوق العالمية، سيصيبها خمول نسبي مؤقت، لكنها فرصة جيدة لكل دولة، كي تعيد ترتيب البيت من الداخل، وهذا يعني أن من أولويات الإنفاق فى الوقت الحالي، توجه إلى قطاع الصحة وقطاع البحث العلمى، بلا أدني شك، لأنهما أصبحا ملاذ الأمان فى هذه الفترة، ليس فقط لمواجهة الكورونا، بل للسير في ركب الاقتصاد العالمى الجديد، بعد أن تنبه العالم إلى أهمية العنصر  البشري للنمو الاقتصادي، وأن الحفاظ عليه ضروري لكفاءة الاقتصاد وقوته، وبالتالي الإنفاق على القطاع الصحي، هو استثمار في الحاضر والمستقبل، ونحن قد قطعنا شوطًا طويلًا في الإنفاق على علاج الأمراض المزمنة، التي توطنت منذ سنوات طويلة، ويمكن لنا أن نكمل على هذا الأساس القوى، وندير أزمة "كوفيد ١٩"، بنفس المنطق.

أما البحث العلمي، فهو قاطرة الاقتصاد الحديث، وهذا يطول فيه الكلام، لأن الاقتصاد المستقبلي هو اقتصاد رقمي قائم على قوة العلم والفكرة المبتكرة، التي تسهل الحصول على الخدمة أو تخلق منتجًا جديدًا قادرًا على المنافسة، ومثال قريب لهذا المفهوم هو التحدي الذي ظهر بين الدول لإنتاج جهاز لتحليل فيروس الكورونا فى أسرع وقت، وبتكلفة أقل عن التحليل المعتاد، ولم تتنافس الدول كي توفر هذا الجهاز على نطاقها الداخلي، فقط، بل أيضًا في السوق العالمية، لأن كورونا أصبح "فيروس" متوطنًا يحتاج آلية مستمرة للتعامل معه، إذًا يمكن القول إن محددات الاقتصاد الجديد، بدأت تلوح فى الأفق، وهي عنصر بشري وكود رقمي، ثم منتج قادر على المنافسة عالميًا، وهذا يفتح أمامنا المجال نحن أيضًا كي نركز على الصناعات الطبية والمعملية، لأنها ستكون الأكثر طلبًا للأعوام المقبلة، والمنتج الأكثر تداولًا ورواجًا عالميًا بعد الغذاء.

 

الأمر الثاني، الذي يمكن أن نستغل الفترة الحالية لننجز فيه الكثير، هو الرقمنة الأداء الحكومي، والتحول من حكومة الأرشيف إلى الحكومة الذكية وتقليص احتياج المواطن، لإجراء العديد من التنقلات، كي يحصل على خدمة أو مستند حكومي، يمكن أن أقول بمنتهى الثقة، إننا لدينا كفاءات بدأت بالفعل واستغلت الفرصة، كوزير التربية والتعليم د. طارق شوقي، بادر وانتشل الشباب الصغير وأنقذهم من رتابة الأداء الحكومي القديم، الذي فرض عليهم مناهج بالية لا تتغير، وأنظمة امتحانات مجحفة تطمس قدراتهم الحقيقية، واستطاع أن يتجاوز كل المثبطات الروتينية، التي أخمدت خطط من سبقوه على هذا المقعد، وخلق جسر مباشر بينه وبين الطلاب نحو المستقبل، ليصبح التعليم هو أول الخدمات التي تقدمها الحكومة عن بُعد وبكفاءة عالية جدًا مع منح الطالب أكثر من فرصة، لتحسين مستواه ومواكبة العملية التعليمية بالمعايير الحديثة.

 

الأمر الثالث، يتوقف عليه عودة النشاط الاقتصادي من جديد، وهو معلق برمته فى رقبة وزارة الصحة، ويدور حول كفاءة القطاع الصحي في التعايش مع كورونا، فلا يمكن تعطيل تروس الصناعة لفترة طويلة، وحتى الدول الأوروبية بدأت تتحسس طريقها نحو عودة الحياة من جديد بشكل تدريجي، وهنا على وزارة الصحة مساعدة قطاع الصناعة، وأن توفر بروتوكولًا للمصانع والشركات، خاصًا، بتحليل الفيروس وإجراءات العلاج، وبشكل عام على الوزارة التوسع فى إجراء تحليل الفيروس، وأن تعتبره ضيفًا دائمًا على البشرية، وليس حالة طارئة، ويجب أن تهيئ كل المستشفيات للتعامل مع حالات الكورونا،  لحين نقلها لمستشفيات العزل، لأن نتائج تجمد الوزارة عند المرحلة الأولى من الحلول ظهرت فى الأفق، وبدأت العدوى تنتشر فى المستشفيات، وهذه أزمة متوقعة، والغريب أن الوزارة تفاجأت بها إلى حد الارتباك.

 

الأمر الرابع، هو استغلال مساحة انتشار الفيروس الضيقة نسبيا، والتوسع في مجالات الزراعة والصناعة والصناعات المكملة، لكل منهم، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتلافي حالة خمول السوق العالمية، ولتوفير سلع تمثل ندرة للدول التي تستميت في حربها ضد الفيروس، وتعاني من توقف عجلة الإنتاج، إذًا هي فرصة للمنتج المصري كي يسترد عافيته في السوق المحلية، ويوسع دائرة انتشاره في السوق العالمية، مع الميزة المضافة، وهى تحرير سعر الصرف، وانخفاض أسعار البترول وتوقعات بزيادة الطلب عالميًا على سلع بعينها.

 

الأمر الخامس والأخير، هو تحول بوصلة بعض النشاطات الاقتصادية، فعندما نتحدث عن كورونا يجب دائمًا أن تتجه أنظارنا نحو الغرب، حيث أقر الكثير من الدول أهمية عودة حركة الإنتاج، لكن مع الحفاظ على إجراءات الحد من حركة المواطنين، وهذا يعنى أن هناك بعض القطاعات سوف يتأثر بشكل كبير، منها قطاع السياحة والطيران، وهما قطاعان حيويان يوجد اتجاه عام لدى الدول لدعمهما، لكن شكل الدعم سيختلف من دولة لأخرى.

والقطاع الثالث هو نشاطات الرفاهية مثل المقاهي والمولات والملاهي، وغيرها، وهو من أول القطاعات التي تتهاوى سريعًا، لأنه قشرة النمو الاقتصادي بل هو أسوأ من ذلك، لأنه قطاع يستنزف العنصر البشرى ولا يفيد النمو الاقتصادي بشيء، وسهل على المستهلك أن يستغنى عنه، وهو أيضًا من إحدى المعضلات، التي تواجه التحول الاقتصادي، وقد سبق وأن واجه هذا القطاع أزمة عند تحرير سعر الصرف، مما اضطر بعض العاملين فيه لتغيير نشاطهم، وها هو يواجه أزمته الثانية، لكنها هذه المرة أشد وطأة، حيث يوجد اتجاه عالمي عام للحد من هذه النشاطات لما يجاوز العام، لأنها المسبب الأول للتجمعات البشرية، وانتشار عدوى كورونا، لذلك بات الأمر ضرورة للعاملين بهذه النشاطات للتحول نحو احتياجات المواطن الرئيسة، والعمل على الاندماج في آليتها.