الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
أنا ونيوتن وسيناء

أنا ونيوتن وسيناء

أمقت، النظرة القشرية للأمور، أنتهج، الغوص في أعماق القضايا لسبر أغوارها، وتفكيك أجزائها، وتحليلها وإعادة تركيبها، للخروج بصورة حقيقية، قد تكون غير مرئية.



 

ثلاثة مشاهد، طرقت ذهني، تستأذن في السماح لها بالخروج، من غرفة الذاكرة إلى قاعة البحث والتحليل، بمجرد التقاطها ذبذبات التفكير، فيما تضمنه مقال ذلك المتخفي، خلف ستار الاسم المستعار «نيوتن»، بصحيفة «المصري اليوم»، وما حواه من بذور شيطانية، حاول نثرها في حقول الوعي العام، علها تنبت وتنمو، تحت ستار ظاهري خادع، أسماه التنمية، لحجب الأنظار عن الهدف الحقيقي، وهو الحكم الذاتي لسيناء، كخطوة أولى، يعقبها ما هو أخطر.

 

المشهد الأول:

المكان: وادي فيران بوسط سيناء

الزمان: مايو ٢٠١١

الحدث: محاورتي هاربًا من أحكام جنائية بينها إعدام

 

وفي غمار المواجهة بالأسئلة الصحفية، حول الأوضاع في سيناء، وجرائمه المحكوم عليه بشأنها، فإذا به، يطالب بإسقاط الأحكام عن الجنائيين دون إعادة محاكمة، بزعم «تلفيق النظام السابق التهم له ولمن مثله».

 

التفتّ حولي، فإذا بمزرعة بها نبات الخشخاش المخدر، وإذا به يضع سلاحًا إلى جواره، قلت: كيف لفقت التهم، وأنت بالفعل تزرع المخدرات، وتحمل سلاحًا من دون ترخيص، والأرض التي تطلب تملكها، قد تبيعها للأعداء؟ فاستشاط غضبه.

 

قال: «اسمع، إذا لم تسقط الأحكام، وتملك الأرض، فلدينا سلاح ورجال، نستطيع إقامة دولة في سيناء، عندنا كل شيء، شواطئ، وميناء، ومعادن وزراعة، وثروات».

 

رمقته بنظرة مزيج من السخرية والشفقة عليه، من سوء ما يبشر به، وقلت: «لا تظن أن الدولة ضعيفة، نصيحة مني لا تكرر هذا الكلام، فجيش مصر قادر على سحق من يفكر في ذلك».

 

ووصل الحوار لذروته ونهايته، عندما تجرأ قائلًا: «لو قتلتك الحين ما بنعدم أكثر من مرة»، فتدخل الوسيط لتهدئة الموقف.

 

المشهد الثاني:

المكان: مكتب المهندس صلاح دياب، بحي الزمالك

الزمان: أكتوبر عام ٢٠١٢

الحدث: اللقاء الأول والأخير الذي جمعني به، وكان بناء على موعد حدد، عقب اتصالين هاتفيين، حرص في الأول منهما، على طلب اسمي كاملًا، وصفتي بمؤسسة روزاليوسف، ثم طلب الاتصال به في اليوم التالي، لتحديد موعد

 

 كان مجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف، الذي كنت ومازلت، عضوًا منتخبًا به، يناقش الأحكام القضائية الصادرة بغرامات، ضد المؤسسة، في قضايا نشر، وبحث تسويتها، وديًا، للحيلولة دون تحميلها عبئًا إضافيًا، في ظل الأزمات المالية الناجمة عن الأحداث السياسية التالية لـ٢٥ يناير ٢٠١١.

 

بصفتي عضو مجلس إدارة مكلفًا بهذا الملف، ذهبت إليه، فقد كان حصل على حكم درجة أولى بتعويض ١٠٠ ألف جنيه، ضد المؤسسة، في قضية نشر، وتنازل لكاتب المقال الصحفي محل التقاضي، وأبقى على الخصومة ضد المؤسسة.

 

استقبلني بودٍّ، وتحدث عن تضرره مما وصفه بالإهانات التي تعرض لها، في مقالات نشرت بالجريدة، قلت ما كتب آراء، انتقدت سياسات وتوجه جريدته في قضايا بعينها، وعرضت عليه بحث صياغة تسوية، لا تمس كرامة مؤسسة روزاليوسف ولا ثوابتها.

 

رد: أقبل فكرة التسوية من حيث المبدأ، لكن ليس بهذه الطريقة. وقام باطلاعي على صور شخصية لجده المرحوم توفيق دياب، وصور أغلفة عدد من تجاربه الصحفية، وبعض ما كتبه ونشر عنه، كان يحتفظ به على اليمين من مكتبه الذي يجلس إليه.

 

واهتم بالتأكيد على أنه أنشأ «المصري اليوم»، تقديرًا لمسيرة جده الصحفية، وحبه لمهنة الصحافة، وواصل حديثه عن تجربته.

 

قلت: قبلت التسوية من حيث المبدأ، ورفض الصيغة التي طرحتها، وهي أن يجلس محامي روزاليوسف، مع من يمثلك لكتابة نص تسوية، مضمونه احترامنا المتبادل، فما الاقتراح البديل؟

 

قال: «أن تكتب موضوعًا صحفيًا في روزاليوسف، تشيد فيه بتجربتي في تأسيس «المصري اليوم»، ونجاحها، وتؤكد أنني لا علاقة لي نهائيًا بالمحتوى التحريري، والسياسة التحريرية، فأنا مالك أحترم مسؤوليات رئيس التحرير».

 

وبما لا يخلو من تلميحات قال: «هذه فرصة لأرى مهارة قلمك، بعد أن ذكرت لك تفاصيل، فقد تكون من كتاب المصري اليوم».

 

كان ردي المباشر: أقترح الأفضل، أجري حوارًا صحفيًا مع حضرتك للنشر، أطرح عليك أسئلتي كما أشاء، وترد بما تشاء، وتقدم إجابات عما يثار من تساؤلات، غياب إجاباتها مثار النقد، وهي فرصة لترى مهارتي في الحوار.

 

ابتسم، فقد التقط بذكاء الرسالة، وجاء الرد قاطعًا: التسوية تتم بعد أن ينشر في روزاليوسف ما طلبت، فهي مؤسسة عريقة يهمني أن ينشر بها ما ذكرته على لسانكم وليس تصريحات ولا حوار. فشكرته، وانتهى اللقاء.

 

عدت للمؤسسة، وعرضت ما حدث، وقلت: فيما يخصني، لن أكتب حرفًا واحدًا، ولا ينبغي أن يحدث من أحد آخر، وأرى مواصلة السعي في التقاضي، عبر استئناف الحكم، وقد كان.

 

فقد رأيت فيما عرض محاولة لاستنطاق روزاليوسف بشهادة، تملى عليها، ولا تنبع من ضميرها، وفيما ألمح به لي، محاولة لتلويث شرف القلم، لأكتب عكس قناعاتي، فما التجربة إلا سلاح المالك في شن الهجوم على أعدائه، ودرع واقية لمصالحه، وأجنداته.

 

بينما الحوار مبارزة مهنية، أملك فيها حرية مواجهته بالأسئلة المسكوت عنها، وما يعبر عن قناعاتي، وللضيف حق الرد والدفاع عن النفس، والتعبير عن آرائه.

 

المشهد الثالث:

المكان: جريدة الوفد، مكتب رئيس التحرير

الزمان: أكتوبر ٢٠٠٧

الحدث: إجراء حوار صحفي مع الكاتب الصحفي اللامع أنور الهواري، أول رئيس تحرير لجريدة المصري اليوم، ومؤسس فريق عملها من الشباب المبدع، منذ أعدادها التجريبية، لتصدر عام ٢٠٠٤، ورئيس تحرير جريدة الوفد يوم إجراء الحوار

 

هذا الحوار كان رقم «١٣»، في سلسلة حوارات أجريتها تحت عنوان: «حوارات في لحظة حرجة.. مستقبل الصحافة.. ومستقبل مصر»، حاورت خلالها ثلاثين من كبار صحفيي مصر، نُشرت خلال شهر رمضان من ذلك العام بواقع حوار على صفحة بجريدة روزاليوسف اليومية، طيلة أيام الشهر الكريم.

 

وأشهد أن محاورات الأستاذ أنور الهواري، متعة وإرهاق في الوقت ذاته، لما لديه من ملكة الإيجاز، وعمق العبارات، وتشعب الثقافة، وامتلاك صهوة اللغة، وهو ما يستوجب قدرة ذهنية فائقة، ومهارة توليد الأسئلة من الإجابات، لمواصلة الحوار بكفاءة.

 

في ذروة الحوار، سألت الأستاذ أنور، عن الفرق بين سيطرة مالك الصحيفة الخاصة، وسيطرة رئيس الحزب، خاصة أنه فُصِل من رئاسة تحرير صحيفة «المصري اليوم»، التي أسسها تحريريًا، لاعتراضه على نشر المالك إعلان خمور؟

 

- فقال: «مش عاوز أجاوب عن هذا السؤال».

هل توجد صحف مستقلة في مصر؟

- نتمنى أن توجد.

ولماذا لم توجد بعد؟

- لأن التطور مازال ضعيفًا وعمره لم يتجاوز العامين.

عدد من كبار الكتاب الصحفيين، يرون أن الصحف الخاصة ذراع لحماية مصالح ملاكها؟

- يا ريت مصالح ملاكها بس.

ماذا تقصد؟

- أقول يا ريت ملاكها بس وأكتفي بذلك.

 

احترمت رغبة الأستاذ، وانتقلت إلى محور آخر، لكن عباراته الموجزة كانت كفيلة بالبوح بما لم يصرح به.

 

 

جلست المشاهد الثلاثة، على المائدة، جاءت مؤكدة، أن جميعها، حلقات في عمود فقري، لقضية واحدة، تكشف حقائق تعجز عن تزييفها الدعاية الكاذبة، جاءت لتقدم مجتمعة، استنتاجات، وتولد المزيد من التساؤلات.

 

أولًا:

مع الفارق الزمني والثقافي، كيف يتطابق طرح جنائي، أمي، هارب، في ٢٠١١، مع طرح كاتب مقال رأي، يزعم أنه مثقف، يطرح على مصر مقترحات لم يأتِ بها غيره؟ الاثنان، الهارب والخفي، رهنا أمن سيناء واستقرارها، بخضوعها لحكم ذاتي، مهما غلف نيوتن أفكاره، بمساحيق لغوية، لا تلبث أن تزول ليظهر وجه أفكاره الخبيث.

 

قديمًا، قال حكيم: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ونحن نتساءل، هل يدل هذا التطابق في جوهر الرؤية بين الجنائي الهارب، في الجبال، القريبة من الحدود مع الكيان الصهيوني، والكاتب المتخفي، المقرب من رجل أعمال- إذا لم يكن هو- على وجود مصدر واحد مُلقِّن، وناثر لبذور هذا الطرح الشيطاني، أملًا في أن ينمو تدريجيًا في العقول؟!

 

 

ثانيًا:

الهارب خلف اسم نيوتن، قال في مقاله الكارثي، لا يربط الإقليم بالدولة سوى السياسة الخارجية، وحماية الحدود، وأضاف: «من يتولى هذه الوظيفة تكون له الحرية لإقامة النظام الأفضل للحكم المحلي، الذي يحقق الاستقرار لهذا الإقليم».

 

والسؤال هنا: ماذا يقصد بالاستقرار لهذا الإقليم، هل يقصد توقف بقايا فلول الإرهاب، عن عملياتها؟!

 

نذكره بأن الإرهاب إلى زوال إن شاء الله، وبقايا فلوله في مثلث ضيق لا يتخطى ٥٠ كم، من إجمالي مساحة شبه الجزيرة البالغة ٦٠ ألف كم.

 

ثم ماذا يملك الحاكم المقترح، صاحب التسعين عامًا، لإعادة الاستقرار، ويبقى السؤال المشروع: هل يملك اتصالًا بالجهات التي تدعم وتمول وتحرك الإرهاب، لتدعم قدومه الميمون بلغ يدها، كان أولى أن يكون عنوان مقال نيوتن، «تمكين عميل»!

 

ثالثًا:

تكشف المشاهد، منهجية الراعي الرسمي لـ«نيوتن»، في شراء الأقلام، وتلويثها، أسلوب مراودة الكتاب عن ضمائرهم، ومهنيتهم، فمنهم من استعصم، ومنهم من وقع في شراكه.

 

ما حدث معي، يعكس منهجية صياد ماهر، يجيد انتقاء فرائسه، من مخالفيه، لتحويلها لأنصار، يستهدف الكفاءات، التي تنمو قواعد قرائها، بفعل مهارتها، وانتشار الصحيفة، بجهد الزملاء الشرفاء بها، حتى يحين استخدام بعضهم، بالإيحاء والتوجيه، فإن لم يكن هو من كتب، فهو من أوحى ووجه، كما حدث مع البدوي الأمي، الذي استغل شياطين الإنس، فراره من العدالة، لينثروا في عقلة بذور السموم.

 

رابعًا:

مالك الجريدة، يتحكم في سياستها العامة، عكس ما يزعم، وينتهك حقوق رؤساء التحرير المتعاقبين، في الإشراف الفعلي، على المحتوى الكامل، فيمرر مواد، لا تخضع لمراجعة، وهذه قضية سبق أن طرحتها من سنوات في تحقيقات بصفحة "صحافة وصحفيون" بروزاليوسف، وهي حدود صلاحيات المالك، وصلاحيات رئيس التحرير، خاصة في تلك التي يملكها رجال المال، وقادة الأحزاب.

 

وأعتقد، أن على نقابة الصحفيين التصدي لتلك القضية، بكل جدية، حماية للزملاء، الذين يتحملون وفق القانون، المسؤولية القانونية، بصفتهم الإشراقية، بينما هم مغلولو الأيدي، عن بعض المحتوى، ويضحي بهم، كبش فداء مع كل أزمة، بل للأسف يستقطب بعض الملاك، قلة من الزملاء الطامعين في الترقي بلا مؤهلات، وأصحاب التوجهات، لتفيد إرادة المالك، بلا تفكير، وبالمخالفة لقواعد المهنة، بينما يتم إقصاء الكفاءات المهنية، التي تستمسك بالقواعد المهنية، والمصلحة الوطنية.

 

بصفتي النقابية، أعلم الكثير عن محاولات إقصاء وتحجيم كفاءات، أسست بجهدها وعرقها هذا المكان، وإهدار لحقوق مالية ومعنوية، جهدهم وأعمالهم المهنية، هي التي صنعت اسم الصحيفة، وقراءها، ليستغل المالك ذلك في تمرير رسائله الهدامة، ويهدر حقوقهم، منهم من استبعد، بينما الآخرون يكابدون للبقاء بحدود دنيا من الحقوق.

 

خامسًا:

من الإسفاف، التقليل من خطورة، طرح مثل هذه الأفكار، تحت زعم حرية الرأي، فهناك فرق شاسع بين الرأي، وبين العدوان على الدستور، وثوابت الوطن، وسلامة الأرض، فالكلمات لبنات، في بناء حصون الوعي أو تزييفه، وخلق صور ذهنية هدامة.

 

إذا وقر في يقين فرد واحد، جدوى وصحة تنصيب حاكم لسيناء بمطلق الصلاحيات، بمعزل عن الدولة، وقعت الجريمة، ربما راودت بعض رجال الأعمال تلك الفكرة، ليأتوا بتابع لهم، يسيطرون عليه، وينهبون من خلاله.

 

نذكر، أصدرت المحكمة الإدارية العليا، في يونيو ٢٠١٩، حكمًا بعدم جواز تقنين وضع اليد في سيناء إلا بموافقة رباعية من: وزارة الدفاع، والمخابرات العامة، والشرطة، والجهاز الوطني لتنمية سيناء، لما لسيناء من طبيعية استراتيجية وأمنية لمصر.

 

سيناء يا سيد نيوتن، بها جهاز وطني لتنميتها، ويجرى العمل في إطار الدولة، لتنمية محوري قناة السويس، والإنجازات بها تتحقق على المستويات كافة، ولعل هذا المؤرق الحقيقي للمتربصين بنا.

 

أفكر بجدية في إجابة الأستاذ الفاضل أنور الهواري: «يا ريت مصالح ملاكها بس».

 

ويبقى السؤال: إذا لم تكن الجريدة ذراعًا لحماية مصالح مالكها فقط، فمن هم يا ترى أصحاب المصلحة الإضافيون، التي توجه رسائل المحتوى المسموم لخدمتهم؟ وهل هم محليون أم من خارج حدود الوطن؟

 

 

ستبقى سيناء الأرض المباركة، التي تعطرت بدماء الشهداء، واحتضنت رمالها جثامين عظماء ذلك الشعب، الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل حماية بوابة الوطن الشرقية، لتبقى مصر دولة موحدة قوية، ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، لأكثر من ٧ آلاف عام.

 

ستزدهر سيناء وتنمو، لكنها لن تكون أبدًا ورقة في مساومات، أو حتى مقالات خبيثة لجس النبض، وإن كان، فقد وصلت الرسالة حاسمة لكل من يهمه الأمر، ستبقى سيناء مصرية خالصة، مقبرة للغزاة، وجنة مصر وقاطرة ازدهارها، بإذن الله.

 

حفظ الله مصر

 

[email protected]