الخميس 9 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مأساة كربلاء من ذى الجوشن إلى القائد العثمانى الذى قصف ضريح الحسين بالمدافع

وكأن قدرها  تشهد المذابح  التي تخضب الشوارع بدم الأبرياء، وتكون شاهدا على أصوات أنين أصوات المظلومين على مر الزمن من المذبحة  ضد سيد الشهداء إلى مجزرة العقمانيبن.. هنا كربلاء، المدينة التي عاينت مأساة الإمام الحسين في القرن الأول من الهجرة، ثم عاشت في القرن الـ 19، وعلى يد السلطنة العثمانية مأساة لا تقل ضراوة عن  الأولى في أعداد الشهداء وحجم الأضرار المادية البالغة.



العراق.. العثماني من جديد

يقول تقرير مطول اعده موقع "تركيا الان" عن المذبحة،: كانت كربلاء الواقعة جنوب العراق تابعة لولاية بغداد. وحتى العام 1831، ظلت تلك الأخيرة تابعة اسميا فقط للعثمانيين، ولكن في التاريخ المذكور استطاع السلطان العثماني محمود الثاني رد بغداد والعراق كله للسيطرة التركية المباشرة، ما فتح أبواب العسف والفوضى والسياسات الضريبية الجائرة من جديد على العراقيين ومن بينهم أهل كربلاء الذين ثاروا على تلك السوءات فكان مصيرهم الذبح وطلقات المدافع. 

وفي عام 1831، عزل داود باشا آخر الولاة المماليك لبغداد، وأسند منصبه إلى قائد عسكري عثماني يدعى علي باشا اللاز، والذي ضاعف الضرائب التي كانت تُجبى من أهالي كربلاء إلى ضعفين. يقول المؤرخ العراقي عباس العزاوي في موسوعته تاريخ العراق بين احتلالين: وفي أيام علي باشا اللاز حاصرها - أي كربلاء - وخرج إليه سادات البلد وزعماؤها وتكفلوا له بزيادة الإيراد، فارتحل عنهم وكان ذلك الوالي لا يبالي بعصيانهم ومرامه الدراهم وقد أدّوا له سبعين ألف قران (عملة إيرانية) - المثل اثنين - عما كانوا يؤدونه إلى داود باشا فرضي وتركهم، بعد أن أبقى بين ظهرانيهم حامية من الجماعة القبلية (بنو سالم والكبيسات) المناوئة لأهل كربلاء.

أججت الخطوة الأخيرة من الباشا العصبية القبلية داخل المدينة، خاصة بعد أن عامل أعضاء الحامية الأهالي بقسوة، كما أن علي باشا ضم إلى جانبه قطاع الطرق واللصوص والمجرمين الذين كانوا ينهبون قوافل التجار وزوار المراقد المقدسة في نواحي الحلة والنجف وكربلاء، ويوفر لهم الحماية وهو يعلم انحرافهم ليستعين بهم في حملاته العسكرية، إضافة إلى ذلك، انخفض الإنتاج الزراعي للمدينة عما كانت قبل عودة المركزية العثمانية. وهذه الأمور كلها أفرزت غضبا شعبيا جارفا في كربلاء ضد الحكومة وأدى إلى اندلاع الثورة بها في النهاية. 

 

الثورة

في العام 1842، حل القائد  محمد نجيب باشا محل علي باشا اللاز في حكم بغداد، ففرض على أهل كربلاء تموين الحامية العسكرية في منطقة المسيب القريبة منهم بالأرزاق (الرواتب) رغم أنهم - أي الأهالي -  كانوا في أمس الحاجة إليها، فرفض الأهالي تموين الحامية وأعلنوا الثورة تحت قيادة السيد إبراهيم الزعفراني. 

حاول نجيب باشا إخماد ثورة كربلاء أولا عبر حملات عسكرية محدودة، ولكنها فشلت في مساعيها طوال عام كامل، فقرر حشد كامل قواه والتوجه بنفسه نحوها في العام 1843. وقبل ذلك، أرسل تقريراً إلى الحكومة العثمانية في إسطنبول طلب منها إرسال العمال الذين لديهم خبرة في عمل البارود, واستخدام المدافع وغيرها من الآلات الحربية, وعمل قواعد للمدافع اللازمة للتحصينات من أجل حملته على كربلاء.

أرسل الباشا بعد ذلك خطابا إلى السيد كاظم الرشتي أحد أعيان العلماء الشيعة في كربلاء يطالبه بالتدخل لوقف الثورة. ولما كان الرشتي يعلم أن لا قبل للأهالي على مقاومة هذه القوة الكبيرة المنظمة التي جاء بها نجيب باشا, فقد طلب من الثوار تسليم أسلحتهم وإنهاء الثورة, فعزموا على فتح أبواب المدينة في اليوم الثاني, ولكن الثوار الذين خشوا الغدر بهم من قبل الأتراك أصروا على المضي في الحرب ضد القوات العثمانية المصاحبة لوالي بغداد. 

 

الحصار

هكذا بدأ حصار كربلاء الذي امتد 25 يوما، وكان برفقة نجيب باشا ثلاث كتائب من المشاة, وكتيبة واحدة من جنود السباه الحكومية يعززها عشرون مدفعاً, وفرقة من المقاتلين الأكراد الذين استدعاهم لهذا الغرض بقيادة أحمد باشا بابان, إضافة إلى زمر من القبائل العاملة في القوات الحكومية, وقد عقد لواء الحملة للفريق مصطفى باشا ووجهها إلى كربلاء.

ضربت هذه القوة حصاراً واسعاً على المدينة المزدحمة بالزوار, وأحاطت بسورها المحكم, وضيقت على السكان حتى حرمتهم من مصادر المياه الصالحة للشرب. وفي اليوم الثالث والعشرين للحصار شعر الكربلائيون بوطأته وشدته عليهم فاجتمع الرؤساء والزعماء وتداولوا الوضع, واستقر الرأي على عرض طاعة المدينة واستسلام الثوار, لكن قائد الحملة مصطفى باشا رفض قبول الاستسلام إلّا بشروط يعرف أنها مستحيلة على أهل كربلاء, وهم يفضلون الموت على النزول على هذه الشروط.

كان من هذه الشروط تسليم عوائل بعض الزعماء إلى قيادة الجيش لتكون بمثابة رهائن لتنفيذ شروط المهادنة ولكن أهالي كربلاء رفضوا هذه الشروط, فعقدوا اجتماعاً في الروضة الحسينية المقدسة ضم رؤساء المدينة وكبارها وأصحاب الكلمة النافذة فقرروا إجلاء العوائل عن المدينة من أبوابها الجانبية الى مضارب العشائر المجاورة وهي (آل فتلة, وبني حسن, واليسار, وآل زغبة وغيرها), لتكون في حمايتها والاستبسال في الدفاع عن المدينة المقدسة حتى الموت.

كما تقرر الاستنجاد برؤساء هذه العشائر الذين لبوا النداء فأرسلوا ما تمكنوا من إرساله من المقاتلين والفرسان الذين قدر عددهم بألفي مقاتل, ولكن هذه الإمدادات لم تكن بما يكفي للوقوف أمام الجيوش العثمانية الكبيرة والمتفوقة تقنيا بالبنادق والمدافع. 

وكان نجيب باشا قد عزم على إبادة كربلاء بالكامل، فقبل أن يبدأ الجيش العثماني بالهجوم عليها أمر بقطع الأشجار والنخيل المحيطة بها ليفسح بذلك الطريق لجيشه وكان المقاتلون من أهالي كربلاء يرمون الجنود من فوق السور فيرد العثمانيون بالمثل.

 

المذبحة

أوعز نجيب باشا بعد ذلك إلى قائد المدفعية أن يشرع في هدم السور المحيط بالمدينة، مهما كلفه الأمر ليتمكن الجنود من الدخول إليها بيسر ويقضي على المقاومة وعلى القبائل التي نفرت للمساعدة، وفي فجر الثالث عشر من شهر يناير سنة 1843 أخذت المدافع في الإطلاق على السور بشدة فاستطاعت أن تفتح ثغرة واسعة من ناحية باب النجف، وإذا بفريق من الجند يتسلق السور ويمشي فوقه بسلاحه، وفريق آخر يدخل من الثغرة ويتغلغل في أطراف السور وكان الفريقان يطلقان النار على كل من يلقيانه، فهال ذلك أمر المدافعين، واتقدت جذوة المقاومة في نفوس الأهالي واشتعلت نيران الحماسة في صفوفهم على اختلاف طبقاتهم وتباين نزعاتهم، على الرغم من الخلافات المزمنة التي كانت متأصلة في نفوسهم، فنزلوا إلى ميدان القتال متحدين متضامنين.

ولكن بسالة الكربلائيين لم تغني عن سقوط المدينة في أيدي المهاجمين، واحتمى عدد كبير من الثوار بصحني الإمام الحسين وأخيه العباس, فشرعت القوات الحكومية بالنهب والسلب والتخريب واستباح الجند كربلاء مدة تتراوح بين ثلاث وخمس ساعات أهدرت فيها الكثير من دماء الأبرياء من الشيوخ والأطفال ولم ينج من القتل سوى من احتمى بصحن الإمام الحسين ودار السيد كاظم الرشتي والدور التي ضمها لتكون مأمناً.

وقد قتل كل من كان في صحن أبي الفضل العباس, فعندما حاصر قائد الحملة باب الصحن الحسيني الشريف خرج إليه الحاج مهدي كمونة وطلب منه الأمان فأمر بالكف عن جميع من بالصحن الشريف.

وفي الوقت نفسه كان بقية الجنود قد اتجهوا نحو صحن العباس الذي ازدحم بالناس وأغلقوا عليهم أبواب الصحن فتبعهم قائد الحملة, وأمر بقلع أحد الأبواب ودخل منه الجنود وشرعوا بقتل كل من فيه ولم يسلم من القتل حتى الأطفال والنساء, ولما حل المساء أصبح الحاج مهدي كمونة وصحبه هم المتولين لحماية الصحن الحسيني, إضافة إلى رفع جثث القتلى من صحن العباس.

دخل نجيب باشا المدينة على إثر ذلك من باب بغداد. وفي اليوم الثاني عاد الوالي مرة ثانية وأمر مناديه بالأمان, ونصب الحاج مهدي كمونة واليا على كربلاء, ثم استخرج ورقة من جيبه فيها أسماء المطلوبين للحكومة العثمانية وطلب البحث عنهم وتسليمهم. فقبض على السيد إبراهيم الزعفراني فكبّل بالأصفاد, وأرسل إلى بغداد حيث أودع السجن, فلم يلبث سوى أيام حتى مات بالدرن الرئوي, كما قبض على السيد صالح الداماد وعدد من الثوار وطُورد بعض الثوار أمثال علي كشمش وطعمة العيد وبعض السادة من آل نصر الله والنقيب.

وأمر نجيب باشا بإبقاء ستمائة جندي كحامية للمدينة ثم غادرها إلى النجف وقد عرفت هذه الواقعة باسم غدير دم، والتي اختلفت الروايات في عدد القتلى الذين سقطوا فيها من أهل كربلاء، قمنهم من يقول: "بلغ عدد الضحايا 24 ألف قتيل ما بين رجل وامرأة وطفل، منهم من مات سحقا بالأرجل لازدحامهم عند الهرب. وكان يوضع في القبر الأربعة والخمسة إلى العشرة ويهال عليهم التراب بلا غسل ولا كفن". بينما قال آخر: "ومن المحقق أن تسعة آلاف شخص قد أبيدوا عن آخرهم في تلك المدينة المقدسة".

ويشير التقرير الى أن المدينة شهدت خسائر مادية كبيرة كذلك، فقد نهبت منها كميات كبيرة من الأحجار النفيسة وأثاث البيوت والكتب.كما أدى قصف المدفعية إلى إصابة قبة الإمام الحسين وتهدّم أعلاها. وقد زار أحد المستشرقين الأجانب كربلاء بعد واقعة غدير دم بست سنوات ووصف الدمار والخراب الذي أصاب المدينة وآثار التهديم للدور والمساجد فذكر آثار الشظايا والقنابل في جدران البلدة وجذوع النخيل المحترق، كما أشار إلى منارة العبد إحدى منارات المشهد الحسيني، وقال إنها متداعية وتوشك على السقوط