الخميس 13 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الإعلام الدرامي.. «الاختيار» نموذجًا

الإعلام الدرامي.. «الاختيار» نموذجًا

داخل جمجمة كل إنسان، يكمن العقل، ١.٤ كيلوجرام، مركز التحكم في كل الأعضاء، بل والإدراك والوعي والسلوك.



 

 

في داخل الجمجمة، تكمن الحرب، الخير والشر، الجهل والإبداع، الخرافة والعلم، اليأس والأمل.

 

في داخل ذلك المكان الضيق من جسد الإنسان، تدور المعارك الفكرية، التي تبدأ بمدركات، تتحول إلى وعي وسلوك، وممارسات، فالإرهابي عبث بعقله عابثون، لخلق مدركات زائفة، ووعي مضلل لإنتاج سلوك عنيف مدمر.

 

والبطل الشهيد، بالجيش والشرطة، أدرك الحقيقة، وتوّلدت لديه قناعات دينية، ووطنية، أسفرت عن سلوك بطولي في الدفاع عن الحق وتراب الوطن.

 

معركتنا، الحقيقية داخل الجماجم، لبناء حصون وعي بناء، حقيقي، عبر وسائل إعلام تنقل الواقع، وتبني إدراكًا عقليًا بالحقائق، وترسخ قناعات توّلد سلوكًا بناء إيجابيًا.

 

 

قديمًا قال أرسطو: «محاكاة الحياة أشد استهواء للعوام من الناس من الحياة نفسها»، والمحاكاة تكمن في الدراما، التي تحدث آثارًا، الاحترافي منها في عمل واحد، أضعاف ما تحدثه الكُتب والمقالات والخطب والبرامج التلفزيونية.

 

«الاختيار» نموذجًا، مسلسل تليفزيوني، يحظى بمشاهدة مئات الملايين، في مصر والعالم، يقدم رسائل بناءة، تكمن عظمتها في أنها تتيح لنا كمشاهدين، رؤية أذهان الآخرين.

 

 

عظمة «الاختيار»، فيما يقدمه من رسائل في سياق متتابع يدمج بين مشاهد واقعية، ما زالت عالقة بالأذهان، مع الصورة المرئية، بمحتوى المشهد الدرامي، بمكوناته المرئية والمنطوقة.

 

فالعمل ليس دراما تليفزيونية تقليدية، بل يمكن أن نسميه «إعلامًا دراميًا»، وتوثيقًا تاريخيًا، لأحداث لم يمر عليها بضع سنوات، فالأماكن والمشاهد ما زالت عالقة بأذهان المشاهدين.

 

هذا التوثيق الإعلامي الدرامي، تتجاوز رسائله المحتوى التعبيري للصورة والمعنى الظاهر، إلى ما هو أبعد من ذلك، وصولًا إلى المعنى الكامن الخفي داخل التعبير السينمائي.

 

في هذا العمل الإبداعي، يزال ستار الخداع عن أذهان الإرهابيين، يتم تعرية عقولهم وأفكارهم لتظهر واضحة جلية للعيان، فيدرك الكافة، حقيقة هؤلاء الضالين القتلة.

 

في أكثر من مشهد نرى فساد عقيدتهم، وتأويلاتهم الضالة للنصوص القرآنية، لاستخدامها في غير مواضعها، نرى بيعتهم لمن يدفع أكثر، وتهديدهم لأسرة من كان بالأمس منهم، قبل أن يقذفوا به في نار جهنم، عبر عملية إرهابية انتحارية، لكنه وجد في استقباله مارد سيناء، البطل الشهيد محمد أيمن شويقة، الذي قابله مسرعًا واحتضنه وقفز به ليحمي زملاءه، من المدى التفجيري للحزام الناسف.

 

في هذا الإعلام الدرامي، نقل لحقائق، عبر وسيلة أكثر شعبوية وتأثيرًا، تفوق أضعاف برامج التوك شو والصحف، في ذلك العمل تظهر بطولات شهداء الوطن وفي مقدمتهم، الشهيد البطل أحمد المنسي، الذي اختار الدفاع عن تراب الوطن وصحيح الدين، وبين آخرين ضالين، هشام عشماوي وعماد عبد الحميد، اللذين اختارا، الخيانة وطريق الضلال، وهما يظنان أنهما يحسنان صنعًا.

 

في هذا العمل، يظهر ذلك الإخواني، الذي كان يعيش في القرية ذاتها، يطلق النار على ابن قريته المجند، لكن شتان بين المجند البطل الشهيد في كمين الفرافرة، الذي عاد لقريته ملفوفًا بعلم مصر، يودعه الملايين بالدعوات بالرحمة وواسع الجنات، وبين ذلك الضال، الذي أغراه تنظيم الإخوان الإرهابي بسلطة هم غير مؤهلين لها، ثم جروه كالأنعام إلى مظاهرات رابعة، وما بعدها من بئر العنف والإرهاب، حتى يلقى حتفه مع كلاب النار. 

 

رسائل كامنة في العمل الدرامي

 

كل متطرف فكريًا مشروع إرهابي، فاحذروه، وواجهوا هؤلاء بحصون الوعي، وبناء حصون الوعي، تبدأ بكشف سوءات ذهنية هؤلاء الإرهابيين.

 

«الاختيار»، يؤرخ لبطل مصري، نموذج لعمالقة سلاح الصاعقة، ليس فحسب، بل يغوص في عمق سيناء، وبطولات أهلها، لُحمتهم مع جيش الوطن، وتاريخهم المشرف، يذكر الأجيال الجديدة بالعظيم الشيخ سالم الهرش، الذي وقف في وجه الصهاينة وأحبط مكيدتهم، وصفعهم صفعة مدوية.

 

كان موشيه ديان قد خطط لانفصال سيناء، وجمع شيوخ القبائل، محاولًا إغراءهم بالمال والسلطة، فتمت مجاراته، حتى ظن أنهم وقعوا في شراكه، فعقد مؤتمرًا عالميًا، في منطقة الحسنة، وما إن جاء توقيت إعلان الانفصال، الذي كان مقررًا أن يعلنه الشيخ سالم الهرش، باسم قبائل سيناء حتى كانت الصفعة، فأعلنها مدوية سيناء مصرية وستظل مصرية، ومن يتحدث باسمها لسنا نحن، بل الرئيس جمال عبد الناصر.

 

في العمل رسائل كامنة، حول بطولات أحفاد سالم الهرش، وأحفاد جيل أكتوبر من أبطال جيش مصر العظيم، الذين حرروا الأرض، رسائل ترضية لشعب سيناء، الذي عانى الإهمال سنوات، ما بعد التحرير في انتظار التعمير.

 

على أرض الواقع كتائب التعمير تنجز في سيناء، إلى جانب إنجازات كتائب تطهير بؤر الإرهاب، في سيناء تنمية حقيقية غير مسبوقة، من عمران وزراعة، وطرق وربطها بالوادي عبر أنفاق تحيا مصر، فضلًا على رفح الجديدة والإسماعيلية الجديدة، وتنمية محوري قناة السويس.

 

في هذا النوع من الإعلام الدرامي، إيقاظ الأذهان، وبناء وعي عام، وتثبيت للعقيدة الوطنية، وفضح لزيف الأفكار والتنظيمات الإرهابية.

 

خطوة قوية على طريق بناء الوعي، وميلاد لنمط جديد للإعلام الدرامي، أو الدراما الإعلامية، التي تجمع بين التوثيق والتوعية، ونشر الحقائق، والأهم فضح زيف الإرهابيين وجرائمهم وكشف عورة أفكارهم.

 

أجمل ما في «الاختيار»، هو توقيته، فالمعركة مستمرة، ولن ننتظر مرور عشرات السنوات لنحكي دراميًا عن البطولات، فهذا وقتها.

 

والأروع استخدام بعض المشاهد، التي صورها الإرهابيون لعملياتهم الخسيسة لإرهابنا، والترويج لضلالهم، وخداع مزيد من المغيبين، في صناعة حبل الحقيقة الذي يشنقون به، عبر إعلام درامي احترافي، يرد كيدهم في نحورهم.

 

وكما قال الناقد المسرحي أريك أنتيلي: «إن كاتب الدراما يتيح لنا رؤية أذهان الآخرين عن طريق الأحداث»، ومن خلال الأحداث رأى المشاهدون فكر وعقيدة أبطال جيش مصر، جنودًا وقادة، كما شاهدوا فساد ذهنية وعقيدة وضمائر ونفوس القتلة الإرهابيين.

 

 

حفظ الله مصر وعقول أبنائها

 

[email protected]