الخميس 4 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

جينات المواطنة في بلاد الفايكنج

علي موسى يكتب: العيد الوطنيّ لمملكة النرويج

تتمدد بغنجٍ مثل سيدة فاتنّة، تلف خديّها بفرو أبيض خشيّة أن تلفحها نتف الثلج، لديها الكفاية من السحر لتتخطاك دون أن تنتبه، تاركة خلفها ذلك العطر الذي يلف أعناق القلوب ليذكرك أنّ القارة العجوز من دونها خاليّة الروح، إنّها البلاد العتيقة التي إذا ما زرتها مرة واحدة، فستحتفظ بابتسامتك منحوتة على جدرانها ومبانيّها وشوارعها.



 

تقف مذهولا أمام بحيراتها الشابّة حينما تتمايل وتتراقص مع قطع الصقيع ليلًا مثل أوزَّ سماوي، في النرويج حيث لا متسع ليتشكل الهارب بين بيوتاتها المُعتقة ويكتمل غريبًا بلا أحد، لأنها وببساطة تتحول بلحظةٍ إلى حضن كبير من البهجة لمن ودعوا مجبرين عواصمهم الدافئة، في عيد ميلادها الوطنيّ تشاهد الجميع صغارا وكبارا وهم يرتدون لباسهم التقليدي ويرفعون في سماواتها العلم النرويجي، دون أي لافتة أو شعار لأي حزب أو تجمع أو كيان، وإنمّا الكل يحمل شعار "تحيا النرويج".

 

ولأنها البلاد الوريثة لأساطير عرائس الجان، والتي تُعد لها الليالي الحمرّ، والمباهج الطويلة بكلِ مكان، فيقوم الشباب النرويجي الذين اكملوا الثامنة عشرة، والذين تخرجوا في الثانوية العامة بإقامة احتفاليات كبيرة تسمى Russ feiring وذلك في الشهر الخامس من كل عام حيث تمتد الاحتفالات لأيام وتنتهي في يوم العيد الوطني النرويجي 5/17، علمًا بأنّ هذه الاحتفاليات الكبيرة تنظم من قبل الطلاب أنفسهم وعلى حسابهم الخاص دون مساعدة من المدرسة، حيث يقومون بجمع المال والإعداد، وكذلك اقتناء السيارات القديمة وتزيينها والقيام بعمل استعراضات في الشوارع وتوزيع الكروت الشخصية للأطفال.

 

تحتفل النرويج بالعيد الوطني تخليدًا ليوم السابع عشر من أيار لسنةِ 1814، عندما حصلت النرويج على دستورها، ومن الطبيعي أن يرتدي الناس ملابس خاصة في اليوم الوطني، والكثير منهم يرتدي "البوناد" ويمشي الأطفال في موكب مُهيب مذ ساعات الصباح الأولى، ويمشي أيضًا أطفال المدارس في مسيرات خاصة للتلويح بالعلم النرويجي مع الغناء، وفي كثير من الأماكن تقوم الفرق الموسيقية بعزف الألحان العسكرية أثناء الاستعراض، وتلقى الخطب وتعقد الاحتفالات في المدارس وفي الحدائق ومراكز البلدان أو المدن.

 

ويسمى هذا اليوم يوم الأطفال، وتحتفل النرويج بالعيد الوطني وسط أجواء من المهرجانات الشعبية والرسمية التي تعج عادة بخطب عمداء المدن والأحياء واجتماع الأهالي أمام البلديات ليشكل الجميع فيما كرنفالاتٍ ضخمة- أطفالًا ورجالًا ونساء- بلباسهم الوطني وهم يرددون الأناشيد الوطنية ويحملون الأعلام النرويجية التي تمتلئ بها شوارع العاصمة أوسلو. وكذلك تتميّز احتفالات بالحضور المكثف للزوار والسياح الأوروبيين للمشاركة في فعاليات الكرنفال الكبير، وكلّ عام يفتخر النرويجيون بالإنجازات التي حققتها بلادهم منذ استقلالها وحتى الآن خاصة ما يتعلق منها بالجانب الاقتصادي، فلم تكتف النرويج بالنفط مصدرا وحيدا للدخل، بل تربعت على عرش صناعة البواخر الضخمة في العالم وتنوعت مصادر ثرواتها الطبيعية الأخرى.

 

احتفالات العام الماضي ركزت على المكاسب التي حصلت عليها النرويج عالميًا، وكان لافتا في هذا المجال ما أشار إليه التقرير السنوي للتنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة الذي أكد أن النرويج تصدرت للعام الثاني على التوالي قائمة أفضل الأماكن في العالم في مستوى المعيشة، وتبلغ نسبة الأمية في النرويج صفرا في المئة، كما أن التعليم إلزامي ومجاني من سن الخامسة وحتى الخامسة عشرة وبرامجه مدعومة من قبل الحكومة"، وعلى الرغم من أن الضرائب في النرويج تعد الأعلى في العالم إذ تتراوح بين 32% و52% فإن الحكومة تستثمرها في رفاهية المواطن والبلاد.

 

ويفتخر النرويجيون بعدم تسجيل أي حالات فساد مالي أو إداري في البلاد منذ عشرات السنين، كما تقدم الحكومة النرويجية العلاج مجانا لمواطنيها، وتولي رعاية كبرى للأطفال، حيث إن النرويج نجحت في توظيف كافة إمكانياتها لإسعاد المواطن النرويجي وهي ليست أغنى دول العالم ولكنها أكثر دول العالم رفاهية.