السبت 6 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

"خلي الصحافة تنفعكم" مودي حكيم

أقوال وحكم مأثورة كان يطعمني بها الأديب الجميل، وأستاذي للغة العربية محمد خليفة التونسي، نسبة إلى"قرية تونس"، في صعيد مصر، وأحد تلاميذ وأبرز مريدي الأديب الكبير عباس محمود العقاد، الذي رثاه بقصيدة من أربعمائة وأربعين بيتاً، وكتب له العقاد مقدمة كتابه المترجم للعربية لبروتوكولات حكماء صهيون.



صدر ديوانه الأول "العواصف"، وهو في العشرين من العمر، و عمل في سلك التدريس بعد تخرجه كمدرس للغة العربية، حتى عام 1972، سافر بعدها للكويت وعمل محرراً في مجلة العربي ورئيساً للقسم الأدبي، واحتضنته المجلة، فاستمر بها حتى وفاته عن 73 عاماً ودفن بالكويت.

وقد أعجب به الشيخ جابر العلي السالم الصباح، فبسط عليه رعايته وأبداه اهتمامه، وحاز جائزة عبد العزيز سعود البابطين.

  علمني أستاذي وأطعمني طوال سنين الدراسة بأحلى الأقوال لأستاذه عباس محمود العقاد، ومنها "ليس هناك كتاب أقرؤه ولا أستفيد منه شيئا جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، فقد تعلمت شيئا جديداً هو ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب التافهون؟ وفيم يفكرون؟ "مقولة دفعتني أن أقرأ أي شيء يقع بين يدي حتي إذا لم أجد ما أحب قراءته، المهم أن أقرأ، فالقراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد الحياة عمقًا. كان للصحف والمجلات نصيب فى قراءتي، فمعظم ماكان يصدر من صحف ومجلات تصلنا كل صباح مع موزع جريدة الأهرام بحكم عمل والدي كمدير للإنتاج بإعلانات جريدة الأهرام، ورئيسا لعمالقة في تاريخ صناعة الإعلان أمثال عبدالله عبد الباري وزكي هاشم.

تابعت صحف الأهرام والأخبار ومجلات روزاليوسف والمصور والجيل الجديد والاثنين والدنيا، أما آخرساعة فلم أكن أتصفحها بانتظام، لأن والدي كان يحجبها أحياناً أو يصادرها عندما تتضمن مواضيع أو صورا جريئة، وبالطبع المنع يولد الرغبة والتشويق لاكتشاف الممنوع.

وكان بائع الصحف، هو مصدري لقراءة المرغوب في "كشك" بمحطة مترو محكمة مصر الجديدة القريب من منزلنا. 

أحببت الورق وعطر أحبار الطباعة، وانجذبت للمطبوعات، فأصدرت أنا وزميلي بالمدرسة عبدالله بلال نشرة إخبارية أسميناها "أخبار مصر الجديدة"، وكنا نمثل جهاز التحرير والإخراج والتوزيع وخلافه، حيث نقوم بطباعتها بتقنية بدائية تسمى"الطباعة بعجينة البالوظة" في مطبعة "ندا" بميدان الجامع، لتتحول المادة المكتوبة والصور والرسوم إلى  500 ملزمة في أقل من ساعة، وهي طريقة بدائية رخيصة كانت تستخدم في طباعة المنشورات للجماعات السياسية والنشرات الدورية مع مثيلاتها كطباعة  "الرينيو" و"الفوطة الصفراء" و"الحبر الزفر" و"ورقة الاستنسل" و"الشيروجراف"، وطرق الطباعة بالنشادر، وهي طرق وأساليب طباعة ابتدعها الثوار أيام ثورة 1919، حيث كانت هناك رقابة صارمة على طباعة الكتب والنشرات، لكن المطابع الصغيرة استمرت بها كوسيلة طباعة رخيصة. واستمررنا في طباعة النشرة وتوزيعها على بائعي الصحف في المربع من ميدان روكسي، ميدان الكورية، ميدان سفير وميدان المحكمة وما بينها.

 

 

كنت أقضي ساعة أو أكثر يوميا في منزل صديقي عبدالله بعد انتهاء اليوم الدراسي للإعداد للنشرة في منزله  "بعزبة المسلمين"،  التي تقع بالقرب من ميدان الجامع وشارع هارون الرشيد، وتعتبر من الأماكن التاريخية حيث يرجع تاريخها إلى عهد محمد علي باشا، وكان مكانها أكبر إسطبل للخيول في مصر ثم تحول إلى منطقة سكنية شعبية مع مرور الوقت، معظم سكانها مسيحيين وبينهم مسلمون يعيشون في ألفة ومودة وتجسيد للمجتمع المصري الأصيل الذي لا يفرق بين الأديان أو العقائد. في جيلنا لم نكن نهتم بمعرفة ديانات الآخرين أو الأصدقاء، فصديق العمر منذ الطفولة محمد سليمان، لم أعلم بديانته إلا فى سن متأخرة عندما توفي والده فذهبنا لمسجد الخلفاء الراشدين للصلاة عليه.  وقد يعتبر البعض قولي هذا جهلا أو سذاجة لكنها الحقيقة، فقد كان أهل مصر يعيشون في مجتمع واحد قائم علي الألفة والمحبة والاحترام المتبادل والتعايش الخلاق المشترك، الجميع يحمل في قلبه الإيمان برب واحد يعيشون جميعاً كأخوة ليعمروا المعمورة، وينشروا فيها قيم الخير والحب والسلام.       

 عامان كانا عمر "نشرة مصر الجديدة" التي توقفت عندما تخلفت في امتحانات السنة الثانية من الدراسة الثانوية، واضطررت لإعادة السنة الدراسية، مما أغضب والدي بعد أن عرف أني كنت مشغولا عن الدراسة بإصدار مطبوعتي.  و تفرغت مرة أخرى لقراءتي، ومن بين الصحف والمجلات عشقت مجلة روزاليوسف، أقرأ قصص الأديب إحسان عبد القدوس الجريئة، وتبهرني رومانسية رسوم الفنان حسين بيكار في مجلة آخر ساعة.

كانت أول معرفتي بفن الأستاذ بيكار عندما قرأت أول كتاب لي "الأيام" لعميد الأدب العربي طه حسين، الذي كانت تزينه لوحات يميل أسلوبها إلى التبسيط وتتميز بالتناغم والصفاء وقوة التعبير، والذي اختزل حياة طه حسين في خطوط وظلال لطفل كفيف لا يرى إلا الظلام الأسود فكانت رسومه بالأبيض والأسود، تمثل طفولة طه حسين والمعاناة لفقده القدرة علي الإبصار في سن الثالثة.

و"الأيام"، هو أول كتاب رسمه بيكار الذي كان أول من رسم غلاف كتاب بعد أن كان يسيطر على هذا المجال عمال الحفر بالمطابع.

إعجابي بفنه وسيرته الذاتية والترابط العقلي والوجداني بيني وبين رسومه، دعاني أن أبعث له برسالة إعجاب طالبا منه صورته الشخصية، كما يفعل المعجبين بنجوم "السينما" ورغبتي في التتلمذ على يديه، وفوجئت بالفنان الكبير ونجمي المفضل يجيب عن رسالتي، ويرسل لي بصورته الفوتوغرافية مع كلمة رقيقة يدعوني فيها لزيارته بعد إنتهاء العام الدراسي. وعندما انتهت الامتحانات زرته لأول مرة في منزله بالزمالك حاملا رسوماتي وإصراري علي الالتحاق بكلية الفنون الجميلة ونيتي بالاعتصام بمدخل الكلية والإضراب عن الطعام إذا لزم الأمر!

ضحك الأستاذ، وبابتسامة عذبة وبإحساس إنساني وبكل اللطف والمحبة، بعث برسالة سلام إلى نفسي. ومع خلفية ماقرأت للكاتب الصحفي مصطفي أمين في زاويته "فكرة" ومقولة جورج صاند "إذا لم أجد طريقي في الأرض المعبدة، فسأقتحم القمم الصخرية الشاهقة ........"، التي اتخذتها شعاري في الحياة، رسمت مستقبلي وبدأت في تحديد اتجاهاتي.

التحقت بكلية الفنون الجميلة بعد إمتحان قدرات واختبار شخصي مع لجنة يرأسها الفنان والأستاذ مفيد جيد رئيس قسم الزخرفة والديكور، الذي أبدي رغبته في ضمي للقسم الذي يرأسه.

 

ولكن بالطبع اخترت قسم التصوير لأتتلمذ على يد الفنان الكبير حسين بيكار، الذي كان التصاقي به وانتمائي له مثار انتقاد وتعليقات بعض الأساتذة مثل الفنان عبد العزيز خالد درويش، أستاذ التصوير الذي كان يعتبرني أنا ومن سبقني مثل يوسف فرنسيس ومصطفى حسين "بتوع جرايد"، بقوله" خلي الصحافة تنفعكم".

 وضمني الأستاذ بيكار لأسرة مجلة "سندباد"، وهو الذي تربت أجيال على إبداعات ريشته، فبقي خالداً في ذكريات أطفال الخمسينيات والستينيات كرائد مدرسة صحافة الطفل، وانضم مصطفى حسين أثناء دراسته لدار الهلال ومجلة الاثنين وجريدة الاثنين وأخبار اليوم،  وانضم يوسف فرنسيس لـ"روز اليوسف".  وقد كان.. فقد أصبحت بعد تخرجي  "بتاع جرايد"، وصدقت نبوءة أستاذي عبد العزيز خالد درويش، بعدما أصررت على الانضمام لأسرة "روز اليوسف".  وهذه قصة أخرى أحب أن أرويها.