الإثنين 21 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

محمد غزّيل يكتب : حسان دياب وإنجازاته في أول مائة يوم

إن ادارة الشأن العام، هو تخطيط، ثم تنفيذ ثم إنجاز، ترتبط مباشرة مع الرأي العام، خاصة الشعب. وذلك من خلال ثلاث ركائز محورية ألا وهي الاقتصاد والشؤون العامة، والأمن القومي، والسياسة الخارجية. إنها ليست وظيفة قطاع خاص، حيث بعنا واشترينا وأقفلنا الصندوق وغداً يوم آخر.



 

ومن عادة الحكومات المؤلفة من أعضاء تكنوقراط، أن تنكب في الأشهر الأولى من عملها على دراسة الأمر الواقع في الداخل، ثم وضع خطط اقتصادية واجتماعية تحظى برضا ودعم الرأي العام الاجتماعي أولاً ثم السياسي. على أن تكون هذه الخطط مبنية على موارد الدولة الطبيعية، كانت زراعية أو صناعية، بالإضافة إلى مرافقها البحرية والجوية والجمارك والجباية العامة من طاقة ومياه والضرائب على المؤسسات التجارية والمصرفية.

ففي لبنان، كان الأمر مغايراً للواقع العام. عندما توّقع اللبنانيون من حكومة الاختصاصيين خططاً اقتصادية واجتماعية، تعيد لهم على الأقل الأمل، فما كان من الحكومة العتيدة إلا أن بدأت بمطالبة الدول الصديقة بمساعدات مالية واقتصادية متجاهلين ما فشل به أسلافهم وللمرة الألف المطالب المهنية المنطقية ألا وهي الإصلاحات.

وعندما لم تجد سبيلاً للحصول على هذه المساعدات، سمحت قوى الأمر الواقع باللجوء إلى صندوق النقد، مشترطة ألا تكون هناك شروط سياسية، وكأن صندوق النقد دكانة على ناصية الشارع.

 

سارعت الحكومة عندها، ومن خلال وزرائها المختصين باقتباس خطة اقتصادية سابقة فاقدة لمفهوم المهنية، ومن حيث فشل الآخرون، ولجأت إلى صندوق النقد الدولي للمطالبة بالمساعدات. ولم يقف الفشل عند هذا الحد، فقد اختلف الوفد اللبناني فيما بينهم، وبحضور مستشاري صندوق النقد على تباين الأرقام بين خطة فريق الحكومة وفريق مصرف لبنان، مما دّل بوضوح بأن ما سُمي بالوفد اللبناني لم ينّسق بتاتاً قبل الانطلاق إلى المفاوضات، فما كان منهم إلا العودة بخفي حنين.

هذه الحكومة التي اعتبرت حكومة اختصاصيين فازت بثقة المجلس النيابي، ولكنها خسرت ثقة الشعب اللبناني عند أول امتحان، فكان هذا الخطأ الفادح. وهذا ما يخص أصل المشكلة، كيفية الفشل في إدارة أول مائة يوم. جرت العادة أن يُكثر المسؤول السياسي في لبنان من كمية تغريداته وتصريحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، ظناً منه أنه يزيد من قيمة وجوده السياسي، ويتجاهل أن هناك الكثير من الإعلاميين، والرأي العام في المجتمع اللبناني القادرين على الحكم على أداء أي مسؤول كان سلبياً أو إيجابياً، خاصة في فترة أول مائة يوم من تستلمه مهامه الحكومية.

ومن المعروف عن الرئيس حسان دياب أنه غير حزبي، ومستقل سياسياً. ولكن فُرض عليه توزير شخصيات اعتُبرت اختصاصية، ولكنها تابعة بطريقة أو بأخرى إلى الأحزاب، مما يوصلنا مجدداً إلى التبعية ومحدودية القرار.

 

حيث كان يجب على دولة الرئيس في المقابل تعيين مستشارين ذات خبرة في السياسة المحلية والدولية، ليسد فجوة التكنوقراط التي طالما نادينا بها.

وبهذا يكون الرئيس قد سلّح نفسه بفريق يعبّد له الطريق بخطوات ثابتة منعاً للفشل، وهنا بيت القصيد، كما جرت العادة أيضاً أن يُعتمد مستشارون للشأن العام والسياسات العامة من إعلاميين وحقوقيين، لهم خبرتهم ولكن ليس بما هو مطلوب منهم. والإثبات على ذلك أنه لا أحد من مستشاري الرئيس حسان دياب، قد بادر بإعطاء التوجيهات الصحيحة لدولته، بأن أول مائة يوم في حياة رئيس الحكومة تتمحور في الدرجة الأولى حول الصورة الذهنية للرئيس وعلاقتها بأدائه الشخصي ومدى تفاعل الجمهور معه عاطفياً، وليس من خلال حسابات سريعة تخص أداء الحكومة أو مواقف الرئيس تجاه أمور عديدة. عدا عن مستوى المستشارين ومسؤولي الإدارات التابعة داخل رئاسة مجلس الوزراء.

أخطأ الرئيس دياب، وتسرع بإعطاء صفة "إنجازات"، لأول مائة يوم. فالتخطيط وحده يحتاج إلى ما يقل عن ستة أشهر.

يُذكر أن الرئيس باراك أوباما قد دعا في الأشهر الأولى من تواجده في البيت الأبيض ستة خبراء في التاريخ الرئاسي، ليعرف منهم عن أخطاء الرؤساء السابقين ليتفاداها عند انطلاق تنفيذ الخطط المعتمدة.

وهنا يجيء دور مستشار الرئيس. لم يتم التطرق بمهنية وواقعية في أول مائة يوم من وجود هذه الحكومة. فلم يُطلع أحد رئيس الحكومة أنه رمز للسلطة التنفيذية، والأكثر سلطة على رأس الحكومة، ودعماً للشعب أولاً، بالإضافة إلى سلطاته الشاملة التي تخوله بأخذ القرارات التنفيذية على مختلف المستويات. وأن هذه السلطة التنفيذية تستمد قوتها من الرأي العام أولاً والإعلام المتخصص ورئيس الحكومة شخصياً، بما يخص الإدارة القيادية والأسلوب. فأين هو المكتب السياسي بمعنى التخصص السياسي من هذا.

ولم يتنبه الرئيس دياب على أن الشعب والإعلام لا يرّكز فقط على الوعود المعطاة بل على ما تم العمل به.

وإذا تم تجاهل هذه الوعود أو تأجيلها، فمن السهل أن تؤثر على مكانته طوال فترة رئاسته. وإذا كان هناك بالفعل ماكينة سياسية وإعلامية تعمل على استمالة الرأي العام اللبناني، من خلال رؤية الحكومة أول مائة يوم، فقد فشلت فشلاً ذريعاً بإقناع الرئيس بالظهور إعلامياً وبكل ثقة للإعلان عما سمّي بالإنجازات، وما هي إلا واجبات حكومية كان من الأجدر أن تُصنّف كورقة عمل لا أكثر على شرط أن تعطي أملاً للوضع القائم، حتى لو لم تكن مكتملة.

ولكن أن يتفاجأ معظم الرأي العام بعد مائة يوم فقط ببرنامج إنجازات بدأ انتقادها قبل النشر، وزادت سوءاً لمقام رئيس الحكومة كونها اعتبرت واجباً وليس إنجازاً.

وما زاد من ضعفها، فقد ألحقها دولة الرئيس بمقالة إعلامية في الوشنطن بوست يتنبأ فيها بمجاعة ستضرب فئة كبيرة من اللبنانيين، ووضع مقابلها داخليا إنجازات فاقت الخمسة وستين بالمئة.

الشعب مصدر السلطات. ومن هذا المنطلق، على رئيس الحكومة أن يأخذ بعين الاعتبار، من الآن وصاعداً أربع ركائز أساسية، لتوصيل رسالته وتحقيق أهدافه. أولاً، يجب أن تكون خطابات رئيس الحكومة نابعة من نبض الشعب ومعاناته، متوّجة بالخطط اللازمة.

ثانياً، الأخذ بعين الاعتبار دائماً ان المصلحة العامة قبل أي مصلحة سياسية، واستخدام المنطق والشفافية في إدارة الأزمات وأن يكون المواطن أولوية لا يعلو عليها شيئاً.

ثالثاً، أن يكون مبادراً دائماً في طرح حلول للمشاكل الاقتصادية، التي من شأنها أن تُدّعم النمو العام وهذا الأهم.

رابعاً، ايجاد حلول قصيرة الأمد ذات واقعية لزرع الأمل والثقة تدريجياً، لتفادي أية انتقادات شعبية قد تسبب بفقدان مصداقية الحكومة في الأشهر المقبلة.

كاتب وباحث لبناني