الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
٧ سنوات ثورة «٢».. رتق الثقوب وصيد الأفاعي

٧ سنوات ثورة «٢».. رتق الثقوب وصيد الأفاعي

لم يكن الذهاب إلى سيناء، أغسطس ٢٠١١ بالقرار السهل، فمن في المدينة خائف يترقب، سقط حكم مبارك، وعمّت الفوضى، وهرب مرسي ورفاقه من السجون، أُجبر الإرهابيون الجنائيون على الفرار في حادثة اقتحام السجون.



 

لحظات وأطل القيادي الإخواني عبر شاشة "الجزيرة" متحدثًا، عبر هاتف الثريا، وهو هاتف تعرّفت عليه لاحقًا، عندما شاهدته مع الجنائيين في سيناء، الذين يشتغلون بالتهريب عبر الحدود، مرتبط بالأقمار الصناعية، للهروب من التتبع والتغلب على معوقات فقدان شبكات الاتصالات بالمناطق الحدودية والجبلية.

 

كان التحدي الأمني، أخطر تحديات الدولة المصرية، فقد استهدفت أقسام الشرطة في الشيخ زويد ورفح الحدودية، مثلها مثل كل الأقسام بمحافظات الجمهورية، فحدث فراغ أمني في المنطقة الحدودية، ولعل ذلك كان مستهدفًا، بغية تسهيل اختراق البوابة الشرقية لمصر ذهابًا وإيابًا.

 

في تلك الأيام العصيبة، ظهرت التنظيمات ذات الرايات السوداء، الخارجة من رحم السلفية وجماعة الإخوان الإرهابية، بدعم مادي ولوجستي من جناحها الحمساوي في غزة الفلسطينية.

 

في أغسطس ٢٠١١، والربع الأول من العام ٢٠١٢، تكررت زياراتي لسيناء، لإجراء تحقيقات وحوارات، تكشف حقيقة الأوضاع في تلك القطعة الذهبية من أرض مصر، بدأتها من "وادي فيران" بوسط سيناء، مرورًا بالحسنة والعريش، والشيخ زويد ومثلث المهدية والقرى الأخطر، حتى رفح المصرية والأنفاق الحدودية.

 

هناك، أغرى الانفلات الأمني حينها "الأفاعي"، فخرجت من جحورها، فالتقيت الجنائيين الهاربين، بذور الإرهابيين، وملاك الأنفاق، وتجار السلاح والمخدرات، حفاري وتجار الأنفاق، قال لي أحدهم وأنا أحاوره أمام فتحة نفق تهريب: إن في رفح ١٢٠٠ نفق، دخل النفق الشهري يتجاوز ٣ ملايين جنيه، الفرد يعبر بـ١٠٠ دولار، وكذلك طن السلع، سكر كان أو مواد بناء، وأن في حماس لديهم بالجانب الآخر شركاء يتقاسمون معهم عوائد التهريب.

  

تلك الأنفاق التي كان يزعم أنها تستغل في تخفيف ضغط الحصار عن الفلسطينيين، تحوّلت بتنسيقات إخوانية- حمساوية، إلى ثقوب في جسد الأمن القومي، تستخدم في تهريب الإرهابيين والسلاح، وآلاف السيارات التي سرقت في ظل الانفلات الأمني.

 

تلك الثقوب في جسد الوطن، تحوّلت إلى أكبر تهديد للأمن القومي، فاستغلها الإخوان والصهاينة، في تدعيم البنية التحتية للتنظيمات التكفيرية، لاستخدامها كورقة للضغط على الدولة المصرية، وأملًا في تحقيق هدفين:

 

الأول: استنزاف القدرات العسكرية في حرب عصابات.

 

والثاني: سعيًا لتحويل رفح المصرية والشيخ زويد لإمارة حمساوية، تمثل نواة للدولة الفلسطينية، بديلًا عن الضفة والقدس.

 

غير أن ثورة ٣٠ يونيو المجيدة، التي خرج بها عشرات الملايين من الشعب المصري، أحبطت مخططات السطو على سيناء، وأسندت الحكم لرئيس قادر على مجابهة أخطر التحديات بقرارات حاسمة.

 

سقط نظام الإخوان في ٣٠ يونيو، فخرج القيادي الإرهابي محمد البلتاجي، خلال فض اعتصام رابعة يهدد: «وقف العمليات في سيناء مرهون بعودة مرسي»، اعتراف صريح بتوجيه التنظيمات الإرهابية في سيناء من التنظيم الدولي للإخوان والجهات المخابراتية الداعمة والمحركة له.

 

في سيناء أجريت ٢٠ تحقيقًا تحت عنوان: «سيناء.. ثلاثون عامًا من التحرير في انتظار التعمير»، شاهدت كيف تتشكل التنظيمات الإرهابية، تجار السلاح، والمخدرات، ومافيا تجارة الأنفاق، كيف يقف أبطال جيش مصر، يواجهون الموت دفاعًا عن أمن هذا الوطن.

 

رأيت سيناء فترة تخريب الإخوان، ورأيتها الآن، زرت العريش والشيخ زويد عام ٢٠١٤ في ظل احتدام المعارك، شاهدت العريش وبها سواتر رملية في كل مكان، وشوارع الشيخ زويد خاوية، وعلى الجدران آثار الرصاص والمعارك.

 

كان التحدي الأمني أكبر من أن يتخيله القارئ، حرب حقيقية قادتها الدولة المصرية، لتفكيك البنية التحتية للإرهابيين، التي تعاظمت في عام حكم الإخوان، وما تلقته تلك التنظيمات من دعم تركي- قطري- صهيوني، فور صفعة ٣٠ يونيو لكل المتآمرين وأعداء الوطن.

 

لم يترك "الأفاعي" شيئًا إلا وتاجروا فيه، مخدرات، سلاح، سلع تموينية، سيارات مسروقة، تجارة البشر، وتهريب الأفارقة إلى تل أبيب، جميعها رصدتها وحققتها وثقتها بالصوت والصورة.

 

الخلاصة.. الهدف سيناء، عزلها عن مصر، وإن فشل المخطط يكون البديل تركها خربة، وإعاقة تنميتها؛ لتحرم مصر خيرها، وتظل مصدر تهديد وساحة بديلة للمعارك المستقبلية.

 

دولة ٣٠ يونيو على رأسها رجل مخابرات حربية، قبل أن يكون وزيرًا للدفاع، ثم رئيسًا للجمهورية، ذلك البطل الذي حمل روحه على كفه، ومعه أبطال المؤسسات المصرية، التي لم تغفل عيونهم دقيقة، رغم ما ظنه الواهمون من سقوط الدولة والمؤسسات.

 

من أعظم إنجازات الرئيس عبد الفتاح السيسي، استعادة الأمن وتفكيك البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية، يكفي أن تعلم أن الفترة من ٤ يوليو ٢٠١٣ التي تولى فيها الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، ومرورًا بالسنوات الأولى لحكم الرئيس السيسي، تحديدًا ٢٥ يناير ٢٠١٧، شهدت البلاد ١٢٢٥ عملية إرهابية في جميع ربوع الوطن.

 

تلك العمليات الإرهابية شملت مذبحة رفح الثانية، والواحات، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، واستشهاد المستشار هشام بركات النائب العام.

 

دماء كثيرة سالت في ربوع الوطن، تضحيات عظيمة، من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

 

هذا المنحنى التصاعدي للعمليات الإرهابية، تراجع لأدنى مستوياته في السنوات الثلاث الماضية، حتى باتت قوات الجيش والشرطة المصرية، توجه ضرباتها الاستباقية.

 

وها هي سيناء بلا أنفاق، تم إخلاء المنطقة الحدودية، وبناء رفح الجديدة، تم رتق ثقوب جسد الوطن، بهدم الأنفاق، واصطياد أفاعي الإرهاب، وإحباط مخطط إشعال سيناء.

 

انتصرت مصر على الإرهاب والدول الداعمة له، والإنجاز الأقوى أن محاربة التخريب والتدمير تحققت بالتوازي معها إنجازات غير مسبوقة في ميادين التعمير، خاصة في سيناء.

 

فعقل الدولة المصرية أدرك أن الهدف، مما يحدث في سيناء، إعاقة تنميتها، فسارع بتنميتها، أدرك أن إغفال التنمية في العهود السابقة سمح بأن تكون ساحة لتنفيذ مخططات خبيثة ضد الوطن.

 

جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، مقتحمًا أول مشروعات تنمية سيناء، بحفر مجرى ملاحي جديد لقناة السويس، سعى لإنجازه في عام لرفع الروح المعنوية للمصريين، وتأكيد قوة وقدرة الدولة، وكانت إرادة المصريين الفولاذية واضحة في تقديم ٦ مليارات باكتتاب غير مسبوق في أسبوع.

 

تحقق "الحلم" بسواعد مصرية، وأموال مصرية، ثم كانت أنفاق "تحيا مصر"، التي ربطت سيناء بالدلتا، مشروع عملاق بخبرات مصرية، والإسماعيلية الجديدة، وشبكات الطرق، ثم المشروعات العمرانية والتنمية الزراعية المرتقبة في أرض الفيروز.

 

وتبقى التحديات في سيناء قائمة، فالمعركة لم تنتهِ، والمؤامرات مستمرة، وفلول أفاعي الإرهاب جارٍ تعقبها، وقنصها، والمخططات البديلة يجرى العمل على تنفيذها، وفي مقدمتها خنق مصر مائيًا عبر إثيوبيا حتى تتقلص حصة المياه، فتعرقل تنمية سيناء زراعيًا.

 

ثورة ٣٠ يونيو أنقذت سيناء، أعادتها لحضن الوطن، وضعتها على خارطة التنمية والتعمير، لتحمل الخير لمصر كلها، حجم الاستثمارات في سيناء وحدها في الست سنوات الأخيرة، بلغ ٨٠٠ مليار جنيه، رقم غير مسبوق واهتمام حقيقي يعالج ثغرة في تعامل الأنظمة السابقة، التي أهملت سيناء بثرواتها ومساحتها البالغة سُدس مساحة مصر.

 

أذكر كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو يتحدث عن تلك الأنفاق في جميع مجالات التنمية في سيناء، «القضية ليست عدد السكان في سيناء، بل مسألة أمن قومي، والأمن القومي لا يُقدر بمال».

 

تنمية سيناء تجرى وفق خطة استراتيجية تنموية تشمل ٣٢٨ مشروعًا عملاقًا، تم تنفيذ ١٩٧ مشروعًا متنوعًا منها، بين أنفاق وطرق ومدن كالإسماعيلية ورفح الجديدتين، ومحطات مياه وكهرباء ومستشفيات وتجمعات عمرانية وتنمية زراعية وثروة سمكية.

 

ولعل المخططات البديلة للأعداء تستهدف خنق مصر مائيًا، عبر وكلاء، للحد من مساعي تنمية سيناء زراعيًا، بيد أن الدبلوماسية المصرية العتيقة- التي استعادت كامل سيناء بعد انتصار ١٩٧٣- حققت بالأمس انتصارًا بجلسة مجلس الأمن للحفاظ على حصة مصر المائية، التي تمثل شريان الحياة والتنمية الزراعية في دلتا مصر، وما يخطط بسيناء.

 

بسواعد الأحفاد السائرين في دروب جهاد الأجداد، باتت الجبهة الشرقية آمنة، ما تشهده سيناء اليوم، عبور وانتصار جديد، وولوج إلى مستقبل مشرق.. إن شاء الله.

 

 

غدًا للحديث بقية، إن شاء الله..

 

 

أقرا أيضا الحلقة الأولي .. ٧ سنوات ثورة.. الإنجازات والتحديات «١».. الجذور

 

[email protected]