الإثنين 10 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

حب لا ينضب والنيل ينبع من السماء

قدر لي أن أعايش، وأرافق، وأعمل مع صفوة من المبدعين بالحرف والريشة واللون، أثروا الصحافة والأدب من نتاجهم الذي كان له وهجه في العالم العربي مرة، ومن فيض إبداعات هؤلاء تشكل وعيي الفكري ونضوجه الفني.



(صباح الخير) لم تكن مجرد ورق يطبع بحلة قشيبة، كانت من لحم ودم، ونبض قلب يحب. وما كانت ستحظي بتميزها، لو لم يكن في بيتها عائلة متماسكة من المبدعين، يتشاركون في الفرحة والحزن، لا يرد مجير منهم طلب مستجير، ولا يعطي واحد ظهره لآخر، مهما إحتدمت المنافسة على الكلمة والفكرة والخط والصورة.

لا شيء في (صباح الخير) أقوى من الصداقة، فقد يجف النهر ويبقى مجراه ويبقى الصديق بأحلى ذكراه.

وذكرى منير عامر، الإسكندراني الطيب، محفورة على مر الزمان، فيوم أعياني التنقل من طبيب إلي آخر، حاملًا معاناة إبنتي التي أصيبت منذ ولادتها بخلع مفصلي في الحوض، بسبب إهمال الطبيب الذي أشرف على ولادتها، أخذ منير عامر بيدي، وقدمني الى طبيبين بارزين في جراحة العظام: أحمس الحمامصي، وأحمد زعفان، وهذا الأخير بات صديقا صفيا عندي، فأشرف علي علاجها.

وقد عايشت قصة حب منير عامر لديبلوماسية تخدم في السفارة المصرية لدى فرنسا، ومرارة الحصول على تأشيرة سفر الى باريس، وضيق ذات اليد وعدم توفر ثمن بطاقة السفر الباهظة أيامها!

لم تكتمل قصة حبه الأول و تزوج منير إمرأة فاضلة، وهبهم الله أطفالا منهم الإعلامي شريف عامر.

وكنا جميعنا إلي جانب منير، نشد من أزره ونهون عليه، فقد أصيب إبنه شريف، بعد أسبوعين من ولادته، بالتهاب رئوي حاد، و إقتضى الأمر ان يعالج بدواء لم يكن في مصر، هاتيك الزمن، متوفرا، فكتب منير مقالا تأثر به عبدالحليم حافظ، وما كان منه إلا أن أحضر للطفل الوليد الدواء عند عودته من إحدى رحلاته الى الخارج. و يا يوم زفافي من رفيقة دربي، كم أغدقوا علي من الحب، فقد وجدت نفسي في كازينو (تريومف) محوطا بحسن فؤاد، إلهام سيف النصر، رؤوف عياد، لويس جريس، رؤوف توفيق و مفيد فوزي الذي ساعد زوجتي على العمل في إحدى الشركات، يشفع على ضنك العيش، فقد كنت في مقتبل العمر، ومرتبي بالكاد أن يأتي بالكفاف، ولا يسمح البتة بالإنفاق على بيت ومتطلبات إبن ومربية تعتني به.

وياما مر مفيد فوزي ببيتنا في مصر الجديدة لأصحبه في مشوار يبدأ من شارع ( عبدالعزيز فهمي) إلى ميدان (سفير)، حيث كان منزل آمال العمدة، إبنة عمدة الأقصر، التي أحبها مفيد، فكنا نقف الساعات الطويلة قبالة المنزل ننتظر أن تطل آمال من شباك غرفتها، فكانت تكفي مفيد المتيم نظرة منها. لقد دخلت آمال عقل مفيد، وعلى الرغم من الفراق فهي لا تزال في قلبه.

لويس جريس، له ولزوجته سناء جميل، حبة القلب، وعرفان باق على مر الزمان، فبكل الحب توليا الإهتمام بعائلتي وإستضافتها في منزلهما، بإنتظار أن يكتمل تجهيز بيتنا بعدما قررنا العودة إلى مصر من إغتراب في بريطانيا دام سنوات طويلة.

لويس جريس كانت له في الصحافة جولات ملأت كأس الجرأة إلى حفافها، فلقد كان الصحافي العربي الوحيد الذي قابله فيدل كاسترو، وكان للحديث الصحافي مع الثائر الكوبي رجع صدى في الصحافة العالمية، كما تناقلت وسائل الإعلام حديثه مع إرنستو تشي غيفارا  ثم المطران مكاريوس الثالث، أول رئيس للجمهورية القبرصية.

له مني وقفة أخرى تفيه حقه، يحلو الكلام فيها عنه وعن إنجازاته .

عندما كان يشكو أحدنا من الضائقة المالية، كنا نلتف حوله، واحد يجد الحل في الإستدانة من عم سيد مسؤول (البوفيه)، وآخر يعرض التوسط لدى إبراهيم خليل، حامل مفاتيح أسرار (روزا) ، وبيت مالها، فهو أقدم العاملين فيها، والمؤتمن على مالها وأحوالها ومآلها، لحرصه وأمانته ودقته، وليس من السهولة بمكان أن يوافق إبراهيم خليل على طلب السلفة على المعاش، يفعلها فقط عندما يكون طالب السلفة من له مكانة وود في قلبه.

وما عرفت صداقة أينعت وتوهجت وكانت مثالا يحتذى، مثل تلك الذي جمعت إبن دمياط صبري موسى وإبن المنصورة عبدالله الطوخي، دربهما كانت واحدة، سكناهما في شارع (المبتديان)، على مرمي حجر من مكاتب المجلة، توأمان في عشق الأدب وفن الأقصوصة بالذات، أوتيا جوامع الكلام، فما يستغرب عليهما أن تتوفر لهما أدوات الكتابة، وهما من الجيل الوسيط بين يوسف إدريس وجيل الستينات، فأخذا عن إدريس القصة الحديثة التي تخلصت من شوائب الثرثرة والإطناب الممجوج.

صبري موسى، لم تر مصر قبله ولا بعده مثله، فهو صاحب تجربة إبداعية متميزة، سفح عمرًا مديدًا في الاطلاع على ثقافات الغرب، يتذكر القراءات التي نمت مداركه وصقلت أسلوبه، محللًا ، منافحا حديث العارف المتمكن.

في رواية (السيد من حقل السبانخ) طرح موسى صبري إشكاليات الإنسان مع عصر الإتصالات والمعلوماتية، وحاول فيها إستشراف صورة الإنسان في المستقبل البعيد فبدت له متخلفة، تثير الشفقة، وتزيل التوهم بأن الإنسان سيد الآلة.

(فساد الأمكنة) التي كان بدأ كتابتها سنة ١٩٦٨ ومسح قلمه منها سنة ١٩٧٠ مليئة بالرموز، والإشارات، التي توحي بانهيار القيم إانبعاث العدمية واليأس والإحباط.

وتبقى(حكايات صبري موسى) أحلى ما كتب، فهي تلوذ بفعل الحكي، بكل فطريته وبساطته، تخلص فيها من تقاليد وتقنيات الكتابة الشائعة. في حكاياته، إعتمد صبري موسى تقنية السيناريو في بناء الروايات بحيث إنها تنقسم إلى مشاهد ينفصل كل مشهد عن الآخر ويبقى الرابط بينها، فتتحول إلى مشاهد بصرية. وتقنية السيناريو أتقنها صبري موسى وتميز بها في (البوسطجي)، الذي يدرس في معاهد السينما، وفي (قنديل أم هاشم) عن رواية يحيي حقي، و(أمير الظلام)، و(الشيماء)، (رغبات ممنوعة) و (أين يخبئون الشمس).

وصبري موسى عاشق عتيق، نقل قلبه في الهوي بين أربع نساء، أولهن ليلى التي أنجبت منه بكره محمد، وبعدها تزوج ثلاثًا من بينهن أميركية، وختم قلبه مع الرابعة أنس الوجود رضوان، التي قابلته ذات يوم لإجراء حديث صحافي معه فانتهيا عند المأذون.

وبقدرة قادر، إستطاع صبري موسى الحفاظ على زوجاته من دون أن تنهشهن الغيرة، إنما على العكس أصبحن صديقات!

كانت الكتابة قدر عبدالله الطوخي ونوره وناره، يهدي بها الناس ويكتوي هو بعذاب السلطة، أي سلطة تحت أي مسمى كانت.

هو هكذا عبدالله الطوخي، صافي القلب ، صادق الكلمة، أمين العقيدة، نصير الغالبة.

منذ أن تخرج من كلية الحقوق، إنخرط في النضال السياسي في حركات يسارية ، كتب، حاضر، ناضل، و تم سجنه.

بعد الإفراج عنه من المعتقل في نهاية خمسينات القرن الماضي، ألهى عبدالله الطوخي نفسه عن الإشتغال  بالسياسة بانصرافه الى الإشتغال بالصحافة، وكانت ريشته سديدة في فن الرواية والقصة القصيرة، إلا أن تجربته السياسية، بكل مرارتها وعذباتها، تركت بصمات على نتاجه الأدبي، منذ مجموعته القصصية الاولى (دواء الصبر) التي صدرت سنة ١٩٥٠؛ فان ما يربط أعمال الطوخي، هو المزج المتأني بين هموم الذات وهموم الوطن، والأهم الإنحياز الدائم للغلابة و المسحوقين، ودائما الحلم بالعدل والحرية والمساواة . كل ذلك في توليفة ولا أحلى.

 

أحب الطوخي فتحية العسال، التي لم تكن تستطيع فك الحرف، فعلمها القراءة والكتابة، وجعلها تغرف من معين الثقافات المتعددة، لتصبح من أبرز الكاتبات في مصر.

 

إجتمع صبري موسى وعبدالله الطوخي على حب الرحلات. فقام صبري طوال سنوات برحلات متعددة إلي جبال الصحراء الشرقية، والواحات، والبحيرات المرة، فسجلها في حلقات إمتدت في (صباح الخير) على مدى ثلاثين أسبوعا. أما عبد الله الطوخي، فله مع الرحلات حكاية أخرى . 

 

فاجئنا عبدالله يوما بحماس وموافقة رئيس التحرير فتحي غانم  علي مغامرة يرغب فيها بالسفر بمركب شراعي إلي جنوب مصر في نهر النيل ، وإتفق مع الرسام حجازي علي رسم أحداثها بعد عودته .

 

إنطلق عبدالله بتاكسي نهب به الطريق الي مرسي مراكب أثر النبي بمصر القديمة، فكانت هذه آخر عهده بالسرعة ، رحلة غاية في الإمتاع قام بها في نهر النيل إلي جوبا في جنوب السودان، بعد أن أتفق مع المراكبي أبو الريش الذي تعرف عليه في المرسي، وكان يتأهب للعودة آلي بني سويف بعد أن أفرغ شحنة محملة “ بالعسل “ . فكانت إول رحلة من نوعها في تاريخ الصحافة المصرية قام بها صحفي علي أربع مراحل.

 

الرحلة نشرت في حلقات بالمجلة وفي كتاب تحت عنوان “ رباعية النهر “ الذي أهداه  للمراكبي “ابوالريش “ ، فيه وصف دقيق إستعرض كل التفاصيل والشخصيات التي رافقها علي المركب ليصل لدرجة من الإمتزاج بالنيل والإرتباط به، فكل مافي النهر وعلي شاطئيه له عمق وعمر ، أصابته “الحمي" في وسط الطريق عند وصوله مدينة اسيوط ، ولكن لم يوقفه هذا عن مواصلة الرحلة الأولي لأسوان، ليعود بعدها للقاهرة. وبعدها بسنوات ومن حيث إنتهي في أسوان ركب هذه المرة الباخرة المصرية " 10 رمضان “ الي وادي حلفا في السودان ، ثم جاءت رحلته الثالثة التي أسماها " رحلة الفيضانات “، فقد هجمت فيضانات إبتلعت معها قري وجزر وأحياء بأكملها في السودان، ليصف النيل في بداية هذه الرحلة بأنه  “ ليس النهر صديقي الذي عايشته ، حالكاً مرة في مركب شراعي ومرة علي ظهر باخرة ، وهو رغم كل شئ طابعه الوداعة والسخاء، نهر خضع وركع أمام السد العالي وأصبح نبضه في يد إنسان“.

 

كان هدفه أن يصل الي منابع النيل ، تلك المنابع التي قال عنها القدماء إنها تنبع من السماء ، كان يحلم بالقيام بها في نهر النيل الي جزر القمر، ولكن كانت نهاية رحلته “ جوبا “ آخر مدينة في جنوب السودان وقتها .

عقبت إبنته الفنانة صفاء الطوخي علي رحلة النهر “ رغم أنني كنت صغيرة و لا أتذكر بوضوح تلك الفترة ، فأنني دائما كنت أشعر أن نهر النيل كان كل حياته حرفياً ، ملهمه وغرامه“.

 

الحب لا ينضب في صباح الخير وله قصص وحكايات أخرى.