الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصر مهد الحضارة وملتقى الأديان

مسجد عمرو بن العاص
مسجد عمرو بن العاص

دائمًا ما كانت مصر حاضنة لكل الأديان السماوية واتباعها لتضرب بذلك مثالًا للتسامح والعيش المشترك وقبول الآخر على مر التاريخ، وليس أدل على ذلك من وجود العديد من دور العبادة للإسلام والمسيحية واليهودية في أماكن مختلفة من ربوع مصر، بل والأكثر من ذلك أن تجتمع في منطقة واحدة دور عبادة للديانات الثلاث، وهي منطقة "مجمع الأديان".



يقع مجمع الأديان في مصر القديمة بالقرب من حصن بابليون الأثري، ويضم جامع عمرو بن العاص، والكنيسة المعلقة، ومعبد بن عذرا اليهودي، وعددًا من الكنائس الأخرى من بينها: كنيسة ومغارة مارى جرجس، وكنيسة العذراء مريم والمغارة المقدسة والبئر المقدس، ودير الراهبات البنات، وكنيسة القديسة بربارة.

يعود تاريخ المنطقة إلى العصر الفرعوني القديم وكانت تسمى بـ "غرى - عحا" وهو المكان الذي يستمر فيه القتال، وكان بجوارها معبد للمعبود أوزير والذي اندثر، ثم أنشئ هناك الحصن الروماني المعروف باسم "حصن بابليون" وذلك نظرًا للأهمية الاستراتيجية للموقع، وذلك حتى دخول القائد عمرو بن العاص مصر الذي أنشأ مدينة الفسطاط ومسجده الذي يعرف بالجامع العتيق.

مسجد عمرو بن العاص

يعد مسجد عمر بن العاص ثاني مسجد بني في مصر عام 21 هـ، وهو أكبر وأقدم المساجد بإفريقيا، وقد شارك عدد من الصحابة في تصميمه أهمهم الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وأُطلق عليه عدد من المسميات مثل "تاج الجوامع، والجامع العتيق".

 

 

 

 

مساحة المسجد في البداية كانت تبلغ 30 في 50 ذراعًا، وبنيت حوائطه بطوب اللبن وفرشت أرضه بالحصى وصنع سقفه من الجريد واتخذت أعمدته من جذوع النخل، ثم تمت توسعته وتغيير مواد بنائه على مدار التاريخ، فارتفع سقفه وتم استبدال جذوع النخل بأعمده من الرخام وزينت جدرانه وزاد عدد أبوابه كما ظهرت به بعض العناصر المعمارية الهامة التي لم تكن موجودة قبل سنة 53 هجرية الموافق 672/73م.

وفي هذا العام أمر معاوية بن أبي سفيان - أول خلفاء بنى أمية- واليه على مصر مسلمة بن مخلد بإنشاء أربع صوامع لمسجد عمرو بن العاص على نمط الأبراج التي كانت بأركان المعبد القديم بدمشق وجعل الوصول إليها من مراق خارج المسجد ولم تكن هذه الصوامع سوى أبراج مربعة كانت في الواقع نواة للمآذن التي أنشئت بمصر بعد ذلك مما نرى الكثير منها الآن وقد تطورت تصميماتها وتنوعت أشكالها.

 

 

الكنيسة المُعلقة

تعد الكنيسة المعلقة في مجمع الأديان واحدة من أهم الآثار في المنطقة، فقد تم تشييدها فوق حصن بابليون الروماني على ارتفاع 13 مترًا فوق سطح الأرض وبذلك تصبح أعلى مباني المنطقة .

يعود تاريخ إنشائها إلى القرن الخامس الميلادي، وهي من أقدم كنائس مصر وكانت في الأصل معبداً فرعونيًا. وفي العام 80 ميلادية أنشأ الإمبراطور الروماني "تراجان" حصن بابليون الروماني على أجزاء من المعبد لاستخدامه في العبادة الوثنية، وعندما انتشرت المسيحية ودخل الرومان في الدين الجديد تحول المعبد الوثني إلى أقدم كنيسة رومانية في مصر، التي تقام بها الشعائر الدينية حتى يومنا هذا بانتظام .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 

ومن اهم مميزات الكنيسة المعلقة أنها تحتوي على 120 أيقونة موزعة على جدرانها وتحتوى بداخلها على كنيسة أخرى يصعد إليها من سلم خشبي وهى كنيسة "مار مرقص".

وكانت الكنيسة المعلقة مقرًا للعديد من البطاركة منذ القرن الحادي عشر، وكان البطريرك خريستوزولوس هو أول من اتخذ الكنيسة المعلقة مقرا لبابا الإسكندرية، والكنيسة تضم عددًا من الأيقونات الأثرية الهامة.

 

 

وجددت الكنيسة عدة مرات خلال العصر الإسلامي مرة في خلافة هارون الرشيد حينما طلب البطريرك الأنبا مرقس من الوالي الإذن بتجديد الكنيسة. ومرة في عهد العزيز بالله الفاطمي الذي سمح للبطريرك افرام السرياني بتجديد كافة كنائس مصر، وإصلاح ما تهدم. ومرة ثالثة في عهد الظاهر لإعزاز دين الله.

 

 

وقد دفن بها عدد من البطاركة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ولا تزال توجد لهم صور وأيقونات بالكنيسة تضاء لها الشموع، وكانت تقام بها محاكمات الكهنة، والأساقفة، ومحاكمات المهرطقين فيها أيضا، وتعتبر مزارا هاما للأقباط، نظرا لقدمها التاريخي، وارتباط المكان بالعائلة المقدسة، ووجودها بين كنائس وأديرة لـقديسين أجلاء، فتسهل زيارتهم

المعبد اليهودي

من الآثار المهمة أيضًا في مجمع الأديان معبد "بن عزرا" اليهودي والذي يعد واحدًا من أقدم المعابد اليهودية في القاهرة، وترجع أهمية الدينية عند اليهود إلى اعتقادهم أن التابوت الذي وضع فيه سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قد استقر في هذا الموضع وهو رضيع، وقيل كذلك إنه الذي وقف فيه سيدنا موسى يدعو الله فيه عندما اجتاح مصر مرض الطاعون.

ويدلل على ذلك الكتابات المحفورة على تركيبة رخامية فى منتصف المعبد، ولذا يعتبر المعبد مزارًا هامًا بالنسبة لعدد كبير من السائحين وخصوصًا السائحين اليهود .

 

 

 

 

 

والمعبد بني في العصر الإسلامي، كما ذكر المقريزي، وكان في الأصل معبدًا ثم تحول إلى كنيسة حيث بيعت إلى اليهود نظرًا لضائقة مالية مرت بها الكنيسة فى عهد الدولة الطولونية، وسمى المعبد "بن عزرا"، ومر على المبنى عدد من الترميمات وعمليات التطوير، واكتشف عدد من الوثائق بالمعبد عام 1890 تعرف بـ"الجنيزا".

وعن ذلك يقول المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، إنَّ والي مصرَ أحمد بن طولون قد فرضَ على الطائفة المسيحيةِ ضرائب باهظةً، فاضطر عندها المسيحيون إلى بيع إحدى كنائسِهم إلى إبراهام بن عزرا رئيسِ الطائفة اليهودية، مقابل 20.000 دينار، وحُوِّلَت الكنيسة المسيحية إلى كنيس (معبد) يهودي، وسُميَ المعبدُ باسم إبراهام تخليدًا لذكراه".