الثلاثاء 19 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الدور المحوري للقوة الناعمة المصرية .. الجذور التاريخية والحضور المستقبلي

الدور المحوري للقوة الناعمة المصرية .. الجذور التاريخية والحضور المستقبلي

مصر مركز الإبداع العربي، تصاعد هذا الرأي من جميع أنحاء الوطن العربي مع ستينات القرن العشرين الماضي.



وبات هذا الأمر قاعدة أساسية متفق عليها، وصاحبه تعبيرات مثل مصر هوليود الشرق، وإذا أردت أن تصبح نجماً عربياً فمصر هي مصدر صناعة النجوم الكبرى.

وهو الأمر الذي كان هاماً في صنع الدور المحوري القيادي المصري في المنطقة العربية ودوائرها الإقليمية.

ولكن حقيقة الأمر أن هذا الدور له عمقه في التاريخ الحديث فهو يعود إلى عهد الخديوي إسماعيل وهو أول المنتبهين في أسرة محمد علي لأهمية دور الفن في المحيط العربي، فقد كان حريصاً عليه في إطار صنع الصورة الذهنية عن مصر في محيطها القريب وأمام بلدان العالم المختلفة. ولذلك فمصر كانت هي البوتقة الحقيقية لنشأة المسرح العربي الحديث، وكانت هي حاضنة الإبداع وصانعة الدور، فالمسرح العربي الحديث ولد عموماً في صيغة المشاكلة للمسرح الأوروبي بشكل مقتبس عن الغرب، وتحديداً عن المسرحين العربي والإيطالي والفرنسي، وبالعودة لمسألة نشأة المسرح العربي يمكن ملاحظة بدايتة في بيروت ودمشق، ولكن تلك البداية توهجت واكتملت بحاضنة جماهيرية ودعم من الدولة المصرية في القاهرة والإسكندرية، فإذا رجعنا إلى لبنان جاء المسرح بشكله الاقتباسي، على يد الرائد مارون بن إلياس بن ميخائيل النقاش (1817 - 1855) ، الذي ساح في إيطاليا وأطلع على المسرح. 

وفى أوائل عام 1848 قدم في بيته لجمهور من أصحابه رواية موسيقية بعنوان البخيل، وللنقاش وأسرته دوراً فاعلاً في تقديم إبداعهم في مصر، في إطار ظاهرة أرتبطت بهجرة اللبنانيين  إلى مصر في إطار مشروع الخديوي إسماعيل التحديثي. 

وقد جاء سليم النقاش مواصلاً دور عمه مارون ونقولا في لبنان، ليقدم في مصر موسماً مسرحياً لمسرحيات عمه ذات الطابع الممتزج بالموسيقى والغناء، بدعوة من الخديوي إسماعيل 1875. 

وقد كانت الهجرة إلى مصر من تقاليد المسرحيين اللبنانيين، وعرفت الفرق اللبنانية في مصر تاريخاً لامعاً، فبعد إنحلال فرقة سليم النقاش، ألف أحد أفراد الفرقة البارزين، وهو يوسف خياط فرقة جديدة باسمه عام 1877. 

فقد حلت فرقة سليم النقاش على مصر، في نهاية نوفمبر، لتكون أول فرقة مسرحية عربية تأتي إليها بصفة عامة، وإلى الإسكندرية بصفة خاصة، وقد جاء هذا الخبر بجريدة الأهرام في 1/12/1876 حيث أشارت الجريدة إلى وصول الفتى الأريب والحاذق الأديب سليم أفندي نقاش، الذي تلقى هذا الفن عن عمه المرحوم الخواجه مارون النقاش، مبدع هذا العلم في الأقطار السورية، كما تجدر الإشارة إلى أن جريدة القاهرة ، العدد 911، في 3/1/1889 قالت تحت عنوان تياترو الحاج على الحلو الشهير: 

اشتمل هذا التياترو المشكل أنواع المحاسن، على ما يستوجب سرور من يشرفونه بالحضور لرؤية ألعابه المتعددة المتنوعة الأساليب، وهو مؤلف من رجال بارعين في فن الشخصيات والألعاب الحديثة، ويختتم بفصل هزلي عجيب جداً. 

ونستطيع أن نفهم من الإشارة السابقة أن مكان استضافة فرقة النقاش في الإسكندرية كان سيرك الحلو بما يحفل من ألعاب المهرجين والمحبظين والمغنيين والراقصين المصريين الشعبيين، جنباً إلى جنب مع الهيئة الحديثة للتشخيص إنه بهجة السيرك الذي كان يعتمد على الموسيقى والغناء. 

ويمكن أن تتصور اختيارات النقاش الصغير من أعمال عمه ذات الطابع الدرامي الغنائي ما يناسب جمهور سيرك الحاج الحلو الشهير. 

هذا وتحضر تلك الظاهرة الغنائية المسرحية واضحة جلية مع جوق الشيخ أبو خليل القباني في مصر من (1848 – 1955). 

وبالعودة إلى دمشق، نجد أحمد أبو خليل القباني الذي كان يتقن فن الموسيقى ويكتب الأزجال ويهتم بالموشحات الدينية، كان معتاداً على إرتياد المقاهي الدمشقية يشاهد خيال الظل.

وعندما شاهد فرقة فرنسية تقدم عرضاً مسرحياً، أعجب للغاية بها، وشرع في تكوين فرقة على نهجها. 

وقدم القباني عرضه الأول في دمشق عام 1871 في بيت أحد الأصدقاء بتشجيع من الوالي صبحي باشا والى حلب، وقدم آنذاك مسرحيته ناكر الجميل 1871. 

وظل يقدم مسرحياته الغنائية المتوالية التي يصفها معظم المؤرخين على أنها تحمل بنية درامية بسيطة، إلا أن الصفة التي تهمنا بالأساس هنا هي طابعها الغنائي الواضح، وهي يمكن وصفها بالأعمال المسرحية الغنائية، ولا شك أن إتقانه لفن الموسيقى كان دافعاً وراء ذلك، بالإضافة لفهمه لطبيعة الجمهور الدمشقى آنذاك المولع بالغناء. 

وقد تعرض القباني في دمشق لمضايقة رجال الدين المتعصبين، فكانت الفرق والأجواق تتشكل في دمشق وترحل إلى مصر من أجل حرية العمل والنجاح، بعد أن تقدم عرضاً أو عرضين، ومن هذه الفرق فرقة إسكندر فرح (1916 – 1851)، وقد جاء فرح مع رحيل القباني لمصر إذ كان يعمل مديراً للفرقة، ثم انفصل عنه وأسس فرق (الجوق العربي الوطني) وأنضم إليه أفضل الممثلين والممثلات وأشهر المطربين ومنهم الشيخ سلامه حجازي ، وقدمت فرقته عدداً من المسرحيات الغنائية. 

كما أن أجواق كانت تتأسس خصيصاً في دمشق من أجل الرحيل إلى مصر. 

وأبرزها فرقة (الجوق الدمشقى) برئاسة نيقولا مصابني والذي قدم مسرحيات هزلية كان طابعها الرئيس الغناء والرقص السوري. 

وتتعدد الأجواق التي تأسست للعمل في مصر مثل الجوق السوري الجديد 1887 برئاسة يوسف شكري، وجوق حبيب إلياس، وجوق جورج دخول. 

واعتمدت تلك الفرق على الترجمة والتأليف والاقتباس على صعيد المسرح الغنائي، وبعضها استخدم تعبير الأوبريت. 

وكانت تقدم الهزل والفصول المضحكة إلى جانب غناء الطرب والرقص الشرقي. 

وفى ذلك الصدد منازعة ليعقوب صنوع في مسألة الريادة، فكل تلك المسرحيات في قالب المسرحية الحديثة المتأثرة والوافدة من المسرح الأوروبي شهدتها مصر، قبل بداية عمل يعقوب صنوع في مصر عام 1872. 

كما ورد مؤخراً تردد آراء بارزة لعدد من الباحثين المحدثين أبرزهم د. سيد على إسماعيل، الذي يرى أن عثمان جلال ينازع يعقوب صنوع الريادة في هذا الشأن، حيث يشير إلى أن محمد عثمان جلال نشر مسرحية الشيخ متلوف 1823، لكنه سبق له أن قام بتعريب مسرحيتين قبل هذا التاريخ معتمداً على مصدر هو عدد مجلة وادي النيل، الصادر في 14/11/1870، وفيه إشارة لمسرحية (لابادوست) (ومزين شاويله) ، وهما مطبوعتان في مطبعة إبراهيم المويلحي، وجاء ذكرهما في المجلة في باب الحوادث الداخلية، تحت عنوان (بدعة أدبية وقطعة تعريبية)، وجاء ذلك تاريخياً بعد عام واحد من افتتاح دار الأوبرا المصرية بفترة وجيزة. 

وهكذا فإن الظاهرة الغنائية تظهر واضحة في بدايات المسرح المصري، ومع الآباء المؤسسين له، في سياق أعلام كبرى قدمت التراجيديا والكوميديا والمسرحية الغنائية أعلام كبرى من جورج أبيض إلى يوسف وهبي وعلى الكسار ونجيب الريحاني. 

حتى تتأكد بوضوح متميز وبطابع خاص أخاذ في مصريته وأصالته، مع ظهور قامة غزيرة الإنتاج، هي بيرم التونسي (1893 - 1961)، خدمت تطور المسرح الغنائي المصري، حيث نشأ ثائراً على مظاهر الجهل والفقر والتخلف الاجتماعي، واقتبس وأعد نحو عشرين أوبريت مثلت جميعها، ومنها ليلة من ألف ليلة، عقلية، عزيزة ويونس، طباخة بريمو، سفينة الغجر، بنت السلطان، كما كتب أزجال أوبريتي شهرازاد، ويوم القيامة، وغني عن الذكر دور شريكه خالد الذكر الموسيقار الشيخ سيد درويش، في تأكيد الطابع الغنائي التعبيري للمسرح المصري آنذاك. وهو الدور الذي لا يزال ملهماً وحاضراً حتى الآن.  الأمر المؤكد أن مصر لم تكن تخلو من العروض المسرحية قبل تلك البدايات ، فمن الثابت أن الأزبكية إذن كانت منطقة مسارح، فمن المتواتر أن نابليون أنشأ مسرحاً ضخماً، يواجه البركة، مثلت فيه الروايات باللغة الفرنسية ترفيهاً عن الجنود وتسلية لهم، ولكن هذا المسرح دمر خلال ثورة 1799، فأعاد الجنرال مينو بناءه من جديد، وأطلق عليه مسرح الجمهورية، وكان موقعه بالقرب من شارع محيط النوبي الآن.

  وقد كانت الأزبكية في اول أمرها أرضاً خربة، ثم قام بعض المماليك، بحفر خليج إليها، إلى أن بنى أزبك فيها القاعات الجليلة والدور والمقاعد حتى كادت أن تصبح مدينة مستقلة بذاتها، وقد تعرضت للتخريب أثناء الحملة الفرنسية، وأعيد إعمارها، إلى أن جاء معمرها وبانيها من جديد الخديوي إسماعيل، عندما عاد عام 1887 من زيارته لمعرض باريس، مقرراً أن يجعل القاهرة قطعة من أوروبا. 

    إن محاولة مصر الحالية في استكمال نهضتها الحديثة، لا تبحث عن مصر، كقطعة من أوروبا، بل مصر الفاعلة في العالم كجزء مشارك في تقدم الإنسانية متصل بالتطورات المذهلة في عالم بات قرية كونية واحدة.

ولعل الحرص على دور المسرح المصري والفنون والإبداع كعلامة واضحة من علامات مصر، هو ضرورة في ظل وجود منارات عربية جديدة فاعلة ومؤثرة.

مما يستدعي الفهم الجديد للدور الذي لا يجعلها المركز الواحد للتفاعل الإبداعي الثقافي العربي، وإن بقيت ريادتها حاضرة، وبقى هذا الدور المحوري القيادي المصري حاضراً لكنه يحتاج لفهم مختلف لحضور تلك المنارات الجديدة، والتي تعترف بشكل معاصر لمصر بهذا الدور وتثمنه، وهو ما يجعلنا ندفع نحو تأكيده والحرص عليه، فمصر كانت ولازالت وستبقى صانعة الإبداع والثقافة، تفتح أبوابها لكل المبدعين من جميع أنحاء الوطن العربي للتألق والتنفس والحضور، فليس الأخير بالتأكيد المخرج الراحل الكبير حاتم علي، فالحضور العربي لا يزال شديد التميز في مصر، وهو الدور الطبيعي المستمر، هكذا يحكي التاريخ الحديث والمعاصر، وهذا ما تتمناه لمصر المستقبل.