الثلاثاء 19 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
هيبة الدولة.. وحقوق الإنسان

هيبة الدولة.. وحقوق الإنسان

انتهت سخونة الأحداث على الأراضى الأمريكية.. والقادم سياسة. انتهى العنف.. وبقى فى المستقبل لعب على الحبال بعد صدمة كبيرة للشارع هناك. 



 

تأكد فوز بايدن.. وسلم دونالد ترامب بالنتائج. سيطر الديمقراطيون على الكونجرس، بعد «عركة»، غير مسبوقة، ظن قبلها ترامب.. أن الكونجرس ربما يكون طوق نجاة. 

 

ما حدث حدث، وانتهى الأمر، وتبقى تداعياته.. وتبقى كثير من دروسٍ لاستخلاصها من أحداث وقعت على أرض الديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان. 

 

تبقى لنا فى تفاصيل الأحداث.. كثير من العبر. 

 

( 1 ) 

 

أهم تداعيات أحداث الولايات المتحدة أنه بدا كيف أن الديمقراطية الأمريكية هشة، رغم كل محاولات الدعاية ورغم أحدث أساليب البروباجندا السياسية. 

 

أهم التداعيات، أنه بدا من تلك الأزمة أن كثيرًا من المتظاهرين بدعم الديمقراطية، واحترام القانون، هم أنفسهم الذين يتعمدون التجرؤ على القانون.. وعلى الدخول مع النظام فى مواجهات.. حسب المصلحة.. وحسب الهوى. 

 

فى مصر شهدنا نوعيات مشابهة.. وفى 2011، ظهر فى الشارع من قال إنه ثار على الفساد.. وتبين فيما بعد أنهم مجموعة من طالبى فرصٍ للفساد! 

 

المستخلصات من أزمة الكونجرس أيضًا، أنه فى أعتى الديمقراطيات، تظل هناك حدود فاصلة واضحة بين الرأى، وبين الفوضى.. وحدود ظاهرة بين الحريات، وبين اللعب بالنار بإثارة الشارع ومحاولات تأليب الجماهير والصيد فى الماء العكر. 

 

أحداث الولايات المتحدة كانت نموذجًا عمليًا على أنه فى أعتى الديمقراطيات لابد أن تظهر يد الدولة قوية فى مواجهة محاولات الفوضى.. ولابد أن تظهر قوة رجال النظام إنفاذًا للقانون.. واستعادة للأمن وفرض السيطرة. 

 

لابد للديمقراطية من أنياب.. وفى مراحل محددة تصل الأمور إلى حد تهديد البلاد وتهديد أمان الشارع واستقراره، تبقى كل قوة مباحة لإنفاذ القانون.. وإنقاذ الدولة. 

 

خلال أحداث الكونجرس، لفت الأنظار إجماع دول أوروبا على حق الإدارة الأمريكية فى فرض النظام.. لم يتكلم أحد عن حقوق الإنسان، ولا سمى أحد الغوغائية حرية تعبير. 

 

باراك أوباما نفسه، أيد إيقاف حسابات ترامب على تويتر، واستغرب أعمالًا سمّاها «فوضوية».. وخرقًا بليغًا للقانون، كما وصفها هو بلسانه.. وكتبها بإيده على تويتر! 

 

لاحظ أن أوباما نفسه، هو الذي أيد حصار الإخوان الإرهابيين للمحكمة الدستورية عام 2012 ووصفها بحرية التعبير. وإدارة أوباما نفسه هى التي حمّلت السلطات المصرية وقتها مسؤولية حماية المتظاهرين بالذقون والجلابيب البيضاء.. والصنادل. 

 

وإدارة أوباما هى التي سبق ووصفت اعتصام رابعة المسلح بما فيه من ذخائر، ومتفجرات، وقنابل محلية الصنع، بالاحتجاجات السلمية، واعتبرته واحدًا من معالم ممارسة الديقراطية!! 

 

( 2 ) 

 

أحد أهم مستخلصات أحداث الولايات المتحدة كانت مظاهر كيل دول أوروبا بأكثر من ميكال.. وتقسيم معايير حقوق الشارع على الكيف.. وعلى الهوى. 

 

خلال ليلة عصيبة مرت بها الولايات المتحدة، ظهر أن لا الغرب، ولا أوروبا يمكن أن يعترفوا بأن الخروج على القانون حق، وأنهم لا يمكن أن يتفهموا أن استخدام السلاح ضد رجال النظام حرية. 

 

كان واضحًا فى تلك الليلة، مدى إيمان الغرب وأوروبا بحق الدولة الكامل فى حماية أمنها، وأن تبقى فى يد الدولة كل قوة متاحة لفرض النظام. كان واضحًا فى ليلة اقتحام الكونجرس، أن الاعتقاد الراسخ فى أكثر دول العالم ديمقراطية، أنه فى حالة تهديد الأمن القومى، فإنه لا مجال للحديث عن حرية الرأى، ولا وجود لشىء اسمه حرية تعبير.. بينما البلاد تتعرض للحريق! 

 

القانون سلطة فى أعتى الديمقراطيات. وتعُرف القاعدة القانونية بأنها: «نصوص لحفظ سلام المجتمعات.. يستلزم فرضها جبرًا عند الاقتضاء». 

 

عنصر الجبر ملازم لسلطة القانون. وتستمد هيبتها من حقها المشروع فى فرض النظام بكل الوسائل المتاحة، حسب المقتضى. 

 

وفى الليلة الدامية، استخدمت الولايات المتحدة حق فرض النظام، واستعادة هيبة الدولة بتأييدات أوروبية، وتمنيات دولية. بينما على النقيض، كثيرًا ما يعزف الغرب نغماتٍ نشاز مقابل ممارسة دول أخرى حقوقها فى فرض هيبتها، وإقرار سطوتها.. لإقرار النظام. 

 

الكيل بأكثر من مكيال لمساحات الدول وحقوقها فى ممارسة السيادة كارثة.. تضاف إلى كوارث شهدتها مجتمعاتنا بعد 2011، حيث تماهت لدى بعضهم فى الداخل خطوط التماس بين حق الدولة فى السطوة.. وبين شعارات الحريات، والديمقراطيات والحقوق المدنية وحقوق الإنسان! 

 

وفى بلداننا هناك من انتهز سياسات الكيل بمكيالين هذه، فلعب وتاجر بشعارات زائفة عن الحريات، واتنطط على الحبال بمفاهيم مفبركة عن حق المواطن فى التعبير، وإبداء الرأى.. وتأسيس منظمات حقوق الإنسان. 

 

سياسات أوروبا فى الوزن بأكثر من ميزان هى التي شجعت بعضهم تبعنا على المتاجرة بالخروج على القانون، وهى التي دفعت آخرين للتضرر على شاشات مشبوهة من محاكمتهم بتهم الإرهاب، وبيع الوثائق السرية لدول أجنبية، ونشر الشائعات فى الشارع، ومحاولة استثارته. 

 

كثيرون تاجروا بالكلام الفارغ.. والشعارات.. ودعمتهم دول غربية، لا تبيح تلك التجاوزات على أراضيها!  غريبة.

 

 ( 3 ) 

 

خلال أقل من ساعة من بدء أحداث الكونجرس الأسبوع الماضى، أعلن الحرس الوطني نشر قواته فى شوارع واشنطن مُبدلًا زيه المعتاد بالزى الأسود. 

 

إعلان الحرس الوطني نزوله الشارع (بالزى الغامق) له أكثر من دلالة، أولها سلطته التامة فى فرض النظام وإقرار السلم الاجتماعى، بأية طريقة ومهما كانت الأساليب. 

 

كان الزى الأسود إعلانا عن تفويض الدولة لقوات الحرس الوطني، فى الاعتقال، وإطلاق النار، والاحتجاز الفورى.. فى وقت بدا فيه أن النظام العام على المحك. ووقتها لم يتكلم أحد عن وحشية الحرس الوطني، ولم يفتح أحد فمه عن التعارض بين عمل رجال النظام وبين الحريات الشخصية.. أو حقوق الأفراد فى التعبير عن آرائهم! 

 

اذكر عندك فى الكتاب، أيام فى مصر شهدناها بعد 2011، وما يعلم بها إلا ربنا لما طلع مذيع مشهور على الشاشة بقنبلة مسيلة للدموع، مستغربًا جرأة الشرطة فى مواجهة المتظاهرين بقنابل الغاز!! 

 

واذكر عندك فى الكتاب أيضًا، أراجوزات ناهضوا تعامل السلطات المصرية فى محمد محمود، وفى أحداث ماسبيرو. واذكر عندك ـ مرة ثالثة ـ من استنكروا فى برامج التوك شو القبض على (الشباب الطاهر) الذين سلحوا أنفسهم بالشوم، والسكاكين والسيوف والمولوتوف.. فى الشوارع دعوة للتغيير!! 

 

6 ساعات فوضى قلبت أمريكا، وقلبت أوروبا، وقلبت العالم، بينما عانت مصر (وتعانى) أضعاف ما شهدته الولايات المتحدة وأضعاف ما عانته دول أوروبا من فوضى وإرهاب. 

 

عانت من إرهاب مسلح وصل للمدن والشوارع ودخل الحوارى والأزقة، ونط للمصريين فى فناجين القهوة والنسكافيه كل صباح. 

 

عانت مصر من محاولات هدم الدولة، وإثارة الشارع، وتأليبه على مؤسساته.. كما عانت كثيرًا من (التماحيك) فى حقوق الإنسان، وعانت أهوالًا من محاولات التجرؤ على النظام العام، وعلى القانون بحجج مزيفة عن الحريات والديمقراطية وبحجج التغيير. 

 

لا أحد يعرف للآن، لماذا تقابل أحيانًا تحركات الدولة فرضًا للهيبة واستعادة السيادة ببعض الأحاديث الغربية النشاز عن حقوق الإنسان.. وحريات المواطن؟! 

 

غريبة.. أنهم فى الغرب يأتى الوقت الذي يتكلمون فيه عن القانون وسطوته.. بينما بالنسبة لنا يمضغون أغلب الأوقات "لبانة" حقوق الإنسان!! 

 

من مجلة صباح الخير