الأحد 24 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
"الحمرا" عاصمة بيروت

الغربة الأولى 2

"الحمرا" عاصمة بيروت



لا يكاد "شارع الحمراء" أن ينفض عنه الليل، الذي يمضي في طريقه من دون تعَّثُّرٍ، وتَنْدَسُّ في مفاصله أشعة شمس محمرة العينين، حتى تدب الحركة فيه من جديد. ومع أنَّهُ يسهر الليل وآخره مع الساهرين في مقاهي الأرصفة، والمطاعم، ودور العرض السينمائية والمسرحية، إلاَّ أنَّ حركة الصباح في ذلك الشارع، لها لون آخر، فهو لا يختصر بيروت وحدها، إنَّما هو أنموذج للبنان كله، تبرز فيه الشخصية اللبنانية بملامحها وتكوينها، المتعددة الثقافات والأفكار والاتجاهات.

وإن أنت جلست إلى فنجان قهوة في مقهى من مقاهي الأرصفة، تسمع كل لغات الأرض، يداعب أذنيك، من يمزج العربية بالفرنسية، في لغة Franco–Arab فريدة من نوعها، أو من يحكي Anglo-Arab مع كل كلمة عربية يُمرر ثلاث كلمات إنجليزية، بلكنة واضحة جلية، ويروح يستشهد بقول، أو يغوص في أعماق نظرية سياسية أو فكرية، ويجادل ويجدل الكلام، متنقلا بين الكتب والكتاب، يلملم الاستشهادات.

وفي المكتبات، وأحلاها عندي في "شارع الحمراء"، "مكتبة أنطوان" العريقة بالقدم، تُفتَرَش أمامك الصحف والمجلات العربية، والفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية، والإيطالية... لا تغيب مجلة أو جريدة، عن الأرفف، ولا تُمنع واحدة، أو تُصادر أخرى، أو تُراقب ثالثة... ولا يصدر كتابا في الأدب، والشعر، والرواية، والفلسفة، والفكر السياسي، أو في العلوم شتى، إلا وتجده معروضاً، تنادي عليه الإعلانات، والصور، وتعليقات النقاد.

وفي "شارع الحمراء"، تجد اللبناني المتأنق، المفتون بالموضة والأناقة الأوروبية، والعاشق لكل جديد في العالم، فيستحضره، بتشاوف، إلى عاصمته.

فلبنان، شرطه الإنفتاح، يعيش في تمازج تاريخي وفكري، يتلاقى فيه الشرق والغرب تلاقيا حيّاً وحَيَوَّياً، فماضيه وحاضره ملتئمان بوجهتي الشرق والغرب لذلك، فهو أكثر بلدان العرب تجاوباً وتفاعلاً مع الحضارة الغربية. ولهذا يبقى لبنان مهدداً من الداخل والخارج. 

على تعاقب العهود، كانت ثوابت الحكم تقوم على التعاون الودي مع الدول العربية، والحفاظ على الروابط والأواصر، والعلاقات الثقافية والاجتماعية مع الغرب.

 إن ما جعل لبنان على ما هو عليه، وبيروت المتألقة قلبه النابض بالحيوية، هو المحافظة على النظام الديموقراطي الحر، في وقتٍ كانت تظهرُ فيه إلى جواره أنظمة عسكرية، فبقيت حرية الرأي مُصانة، واستتب الامن، وساد الاستقرار، فجذبت بيروت المميزة والمتفردة بين عواصم العرب رؤوس الأموال من الخارج، سواء من البلدان العربية، أو غيرها... فعم الازدهار الاقتصادي من 1952 إلى 1975، سنة بدء الاحتراب الداخلي المدمر، وأصبح لبنان مصرف العرب، بسبب من قانون سرية المصارف، على النهج السويسري، وخزانة أناقتهم، ومدارسهم، وجامعاتهم، ومستشفياتهم، وسياحتهم، 

وإصطيافهم... وتحولت العاصمة اللبنانية، كما كان إسلام شلبي، الذي عاش ودرس وتخرج وعمل فيها، يردد دائما أمامي، كلما كان حديث عنها: "بيروت هايد بارك العرب، والمتنفس الطبيعي لآرائهم، وأفكارهم، ومعتقداتهم، وتطلعاتهم، وحتى صراخهم ضد الأنظمة، لذا لجأ إليها الشعراء، فنشرت لهم دواوينهم وأطلقتهم، والأدباء، فرعتهم وأفسحت لهم المجالات، والمفكرين على اختلاف مللهم ونحلهم، تكلموا فيها بحرية، فاحتجوا، وعارضوا، صرخوا، وطرحوا أفكارهم على المنابر، وما كان أكثرها في لبنان، والندوات والكتب والصحف".

 

وحرية الرأي، جعلت من تلك الصحف، التي تتعدد ميولها، ويتلون حبرها بألوان من توالى، تصبح ميداناً للصراع الفكري والإيديولوجي والثقافي، ليس بين اللبنانيين وحدهم، بل بين العرب جميعاً.

يتداول اللبنانيون الواقعة التي جرت في القصر الجمهوري في بعبدا، فقد زار عدد من رؤساء تحرير الصحف اللبنانية، رئيس الجمهورية شارل حلو، وهو كان إلى جانب ممارسته المحاماة، صحافياً كتب باللغة الفرنسية في جريدة

 L’Eclair du Nord وLe Jour كما كتب أيضاً في L’information.

فكان الرئيس حلو كلما صافح واحداً منهم، سأله عن عائلته، وأولاده، ثم يتبع ذلك بالسؤال عن رئيس الدولة التي يواليها، وتمول جريدته:

"أهلاً يا فلان... كيف جلالة الملك؟"

"اهلاً يا فلان... كيف سمو الأمير؟"

"أوه... أهلا بك يا فلان... كيف فخامة الرئيس؟"

ثم وقف في وسطهم، مرَّرَ على وجوههم نظرة متخابثة، وختم قائلاً:

"أيها السادة، أهلاً بكم ببلدكم الثاني لبنان"!

 

ميزة "شارع الحمراء" أنه لا يبقى على حاله، يتغير، يتجدد باستمرار، ويزداد ألقاً وتألقاً، وسحراً. جئته أول مرة في أول زيارة لي للبنان، وقد سبقتني إليه سُمعته، جذبني بكل شيء فيه: مقاهي أرصفته: "الإكسبريس" الذي يعلوه فندق "إتوال"، "هورس شو"، "كافيه دو باري"، "مودكا"... مطاعمه التي تقدم مأكولات من مطابخ العالم... وصالات السينما: "ستراند"، "سارولا"، "الحمرا"، "إلدورادو" و"بيكادللي"، التي على مسرحها قدم الرحابنة أجمل مسرحياتهم الغنائية: "المحطة"، "هالة والملك"، يعيش.. يعيش"، "الشخص".... فإذا كانت بيروت عاصمة لبنان، فإن هذا الشارع الذي طوله 1300 متر، وعرضه 8 أمتار، هو عاصمة بيروت، هو كل لبنان.

 

  الفنانة نجلاء فتحي تتسوق في شارع الحمرا شارع الحمرا

 

سنتذاك، حمل إليّ الزميل الشاعر محمد حمزة، دعوة من الأمير خالد بن سعود، للسفر إلى لبنان، فقد كنت صممت ديوان الأمير الشعري "من أنت؟"، وكان يريد إصداره وتقديمه في العاصمة اللبنانية.

 

لم يتوقف بليغ حمدي عن الكلام، يميل عليّ، ومن حكاية إلى أخرى، ومن دندنة لحن، أو كلمات أغنية، شعرت أنه يريد أن يقتل الوقت والمسافة، فقد كان الأمير خالد يأمل أن يوافق بليغ على تلحين إحدى قصائد الديوان، ليغنيها عبد الحليم حافظ، الذي كان غادر القاهرة إلى بيروت، قبل إقلاعنا بساعات معدودات، ومعه نادية لطفي والمخرج حسين كمال، لتصوير مشاهد من فيلم "أبي تحت الشجرة"... وما دار بين الأمير وبليغ وعبد الحليم، ليس ها هنا مكانه، وسيأتي الكلام عنه فيما سيلحق.

أقمنا، بليغ حمدي ومحمد حمزة وأنا، في فندق "ستراند" في "شارع الحمراء"، بينما نزل عبدالحليم حافظ ونادية لطفي، وطاقم العمل في الفيلم في فندق " كارلتون" في "الروشة".

 

  مقهى الهورس شو شارع الحمرا بناية وفندق ستراند

في مجمع "ستراند"، والى جانب الفندق، مبنى مقسم إلى مكاتب تأوي عدداً من الشركات والمؤسسات الإعلامية، منها مكتب مجلة "الكاميرا"، التي كان ينشرها إبراهيم البرجاوي، ويمولها وينفق عليها، محمد علي الصباح، صاحب "الشركة اللبنانية للتجارة والسينما"، (و فيما بعد "الشركة اللبنانية - المصرية للانتاج السينمائي والتوزيع")، وكان دافع الصباح في تمويل "الكاميرا"’ منافسة "الشبكة" (دار الصياد)، و"الموعد" (بديع سربيه ودار "كل شيء")، و"السينما والعجائب" (حبيب مجاعص)... 

أصر بليغ حمدي، بعد تناولنا الغداء في مطعم الفندق، أن أرافقه لزيارة مكاتب مجلة "الكاميرا"، فتكون مناسبة لتقديم ديوان الأمير المطبوع. وراح بمستطيل الكلام، يحكي لي عن صديقه إبراهيم البرجاوي وعن دائرة علاقاته الواسعة بنجوم السينما المصرية، فهو صديق كمال الشناوي الحميم، ومن شلة رشدي أباظة ورفيق سهره وعربدته، قرَّبَهُ منهُ عمر الشريف، وكان صديقاً ودوداً لكل من أحمد رمزي، حسن الإمام، ومحمد سلمان... أما صباح، فعندها "برهوم بالدني"، وسميرة توفيق، لا يصدر عدد من "الكاميرا" إلاَّ وصورها تطرز صفحاتها وأخبارها أول بأول.

 غلاف مجلة الكاميرا صفحات من مجلة الكاميرا ابراهيم البرجاوي 

لما دخلنا غرفة مكتبه الأنيق، انتصب من خلف طاولة المكتب، طويل القامة، تحت أنفه شاربين، يجهد النفس في تقليم شعيراتهما، وبين حين وآخر، يتمشطهما بإبهامه وسبابته. عينان كبيرتان، تدوران في وجه متناسق القسمات وسيمها، على أناقة ظاهرة. انبسطت أساريره، لما رآنا، فتح ذراعيه، ضمّ بليغ حمدي في عناق المشتاق.

 

"الأستاذ مودي حكيم".

تأنى بليغ حمدي في لفظ اسمي، توقفت عينا إبراهيم البرجاوي على وجهي، تملاني، مدَّ يدَهُ مُصافحاَ:

"يا هلا... تشرفنا".

ودار الكلام، وطالت الجلسة. أول ما يلفتك في إبراهيم البرجاوي، خفة ظلّه، وميله الشديد إلى المفاكهة والمداعبة، وكلما امتد الحديث، تتكشف لك روحه العذبة. إبن ليل، وليل بيروت لا أحلى ولا أجمل منه، عند الذين يعرفون معنى السهر. سخي، مسرف. لا يبخل في إنفاق ما يجنيه من قلمه على اصدقائه. يومها لم يدعنا، بليغ حمدي وأنا، نفلت منه، فدعانا بعد تناول العشاء في مطعم "يلدزلار" في "الروشة"، للسهر في إحدى العلب الليلية، حتى مطلع الفجر.

في جريدة "الحياة"، تدرب إبراهيم البرجاوي على الكتابة، فتلك الجريدة، التي نشرها وترأس تحريرها كامل مروة، كانت في خواتيم خمسينات القرن الماضي، مدرسة مرّ فيها، وتخرج عليها، من صار لهم شأنا ومكانة في المهنة، و"الحياة"، في ذاك الوقت، كانت تنافس جريدة "الجريدة"، (التي نشرها جورج نقاش إلى جانب جريدة L’Orientالناطقة بالفرنسية)، على الرفعة والمكانة، بينما كانت "النهار"، وقتذاك، تصدر من مبنى في آخر "سوق الطويلة"، في المرتبة الثالثة.

بدأ إبراهيم البرجاوي مراسلا برلمانيا، ومتابعا أخبار السراي الحكومي، بعد "الحياة" حمل قلمه وراح يتنقل بين الجرائد، فكتب في "الهدف"، و"البيرق"، ثم استساغ العمل في وكالات الأنباء، فكانت له إسهامات في "وكالة أخبار اليوم"، "أنباء الشرق الأوسط"، "الأنباء الصحافية"، إلى أن استقر له المقام في "الوكالة الوطنية للأنباء" الرسمية.

استهواه الفن، فترك قلمه يسبح فيه. وعندما قرر ملحم كرم، إعادة إصدار مجلة "الف ليلة وليلة"، إستحضر لها حاتم خوري، الذي كان مخبراً قضائياً في جريدة "النهار"، فترأس تحريرها، يعاونه صديقه وتوأم روحه سامي غميقة، فإنضم إبراهيم البرجاوي إليهما... ثم إنه وجد في العرض المغري الذي قدّمه له محمد علي الصباح، فرصة سانحة لأن يكون له مطبوعة يستقل بها، وهو طموح مشروع لكل صحافي خَبَر واختبر المهنة.

إلاَّ أنَّهُ على الرغم من الجهد الذي بذله في "الكاميرا"، طالبا الرفعة والمكانة بين المجلات الفنية، إلاَّ أنَّهُ لم يتمكن بمجلته من زحزحة "الشبكة" من مكانتها، وصدارتها بين المجلات الفنية، ليس في لبنان وحسب، إنما في العالم العربي، وخصوصاً مصر، التي ما أن رمت "دار الصياد"، "الشبكة" في المحروسة، حتى علقت فيها قلوب المصريين، وتوّدد لها النجوم، يمنون النفس أن يحتلوا غلافها، فأصبحت الأكثر رواجا في مصر، بعدها "الموعد". ومع تدني أرقام التوزيع، وشُح البيع، أوقف محمد علي الصباح التمويل، فاحتجبت "الكاميرا"، وعاد إبراهيم البرجاوي إلى كنف ملحم كرم والى... "البيرق" و"ألف ليلة وليلة".

و لم يدم وفاقه مع ملحم كرم، المتطلب والصعب المزاج، إضافة إلى تقطيره، فترك الفن وعاد إلى السياسة. وعندما اشتد أوار الاحتراب الداخلي، غادر بيروت إلى القاهرة، ردحاً، ليصبح مراسل "الوكالة الوطنية للأنباء" في لندن، وبمسعى من صديقه ريمون عطا الله، مدير تحرير "الحوادث"، المغتربة إلى العاصمة البريطانية، إنضم إبراهيم البرجاوي إلى جهاز تحريرها، وظل مواظباً على مراسلة وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، وغالبا ما كان يسجل رسالته الصباحية، وهو في مكتبه في "الحوادث".

في مطلع الثمانينات، ما أن استتب الوضع في لبنان، حتى جمع إبراهيم البرجاوي حقائب السفر، وعاد إلى بيروت التي أحب، ليصبح مديراً لمكتب مجلة "التضامن"، التي نشرها وترأس تحريرها فؤاد مطر في لندن (لي عودة للحديث عن "التضامن" وصاحبها فيما سيلحق).

 

ثم طلب منه فؤاد مطر، تسلم مكتب "التضامن" في بغداد، ليعود بعدها إلى لندن مجددا، فيتسلم إدارة تحرير "التضامن"، في ظروف عانت فيها المجلة وصاحبها، ليس ها هنا مجال ذكرها. لملمت "التضامن" أوراقها، واحتجبت. فغادر إبراهيم البرجاوي العاصمة البريطانية إلى العاصمة المصرية، في وقت كان وليد أبو ظهر قد نقل "الوطن العربي" من باريس إلى القاهرة، فانضم إبراهيم البرجاوي إلى أسرتها، وترأس مطبوعات صدرت عنها: "دنيا الفن"، "الهانم"، "الباشا"، "كلام الناس".

واشتدت عليه العلة، ووهن قلبه، ففارق الحياة في القاهرة، ووُري الثرى فيها في 30 سبتمبر 2013.

 

في مقهى "الإكسبريس" أول "شارع الحمراء"، الذي إعتاد إبراهيم البرجاوي أن يرتاده، إذا ما وجد في مقهى "هورس شو"، "عجقة"، كما كان يقول، ضرب لي موعداً. كان يجلس إلى الطاولة معه، شاب، ينفث دخان سيجار "مونت كريستو"، في فضاء المقهى، عرفني عليه: "صديق العمر والمهنة سامي غميقة".

كل شيء يجذبك إليه، عينان لا تهدئان، تدوران على الوجوه والمكان، يلمع فيهما بريق جاذب، في وجه فيه مسحات خجل، على أدب جم، ولياقة في التصرف، وحضور طاغٍ، حلو الحديث، يعرف كيف ينتقي كلماته ومفرداته، "قريب للقلب"، كما يقول اللبنانيون في وصف من يدخل قلبك من أول وهلة، عُجن من طينة الذين في اللحظة التي يتواجدون فيها في مكان، يحققون المكانة... وسامي غميقة، الذي كان درس علم السياسة، تركه للحبر والقلم و...مهنة المتاعب، يخزن في ذهنه ضروب المعارف، يتقن الفرنسية، و"يطرطش" الإنجليزية، كما كان يتندر... مبسوط اليد إلى أقصى درجات الكرم، ينفق، ولا يحسب حساب الغد، فللغد عنده تصاريفه، يفيء على أصحابه بكرمه، إن مال إلى شخص أخلص له وإرتبط به وحاول مساعدته.

في الكتابة، آسر، له أسلوب خاص وسلس، تشعر انه يعيش على قلق في الكتابة، دقيق الملاحظة، وصّافٌ متمكن من اللغة المبسطة، عاشق للجمال في كل شيء: في المرأة، في الحرف، في الصورة، التي هي عنده عنصر أساسي، في أي مجلة، فكيف الحال في المجلات الفنية التي تعتمد على النجوم، فكان سامي غميقة يختار الصورة بدقة، ويبحث عن اللقطات المميزة وغير المألوفة، ولأنه "لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب"، على قول العوام في مصر، فإنه يشرف بنفسه على جلسة التصوير "فوتو سيشن" ...

كان يبحث عن كل ماهو غريب ومثير ليقدمه في المطبوعة التي يتولاها أو يعمل فيها، وكان يسميه "الصدمة البريئة"، غير المؤذية، فقد قدم يوماً راقصة أجنبية تعمل في إحدى علب "الزيتونة" الليل، وقد كانت على جمال أخاذ وفتنة صارخة ومثيرة، فقام بتصويرها في لقطات متعددة، اختار واحدة منها وفردها على غلاف "ألف ليلة وليلة"، وعقد حولها تحقيقاً مستفيضاً، أعمل فيه الخيال، وأصبح على مدى أسابيع، وفي أعداد متتالية، ينشر أخبار تلك الراقصة الجميلة، وبعد سبعة أعداد، فاجأ قراء "ألف ليلة وليلة" بأن تلك الراقصة الفاتنة، ولدت ذكراً، وبعملية جراحية تحول إلى أنثى! 

وكانت الصدمة، التي كانت لها رجع صدى في الصحافة اللبنانية والعربية، فلأول مرة يتداول على العلن مثل تلك المسائل والقضايا، التي كانت في حينها مستغربة، وغير مألوفة، ولا معروفة بنطاق واسع، بينما في أيامنا باتت من الأمور التي لا تفتح لها الأفواه تعجباً. 

وكان سامي غميقة يبث العيون البصباصة في جميع الأماكن التي يتردد عليها نجوم المجتمع ونجوم الفن، ولا يُفرق بين ناطور البناية، أو الحارس الشخصي، ولا حتى الساقي في "بار" أو "علبة ليلية"، يتهافت عليه المصورون Paparazzi الذين يدورون في الليل بين الملاهي، وعلب الليل، والحفلات الخاصة، و"الكوكتيلات"، التي كانت رائجة في بيروت، يلملمون بعدساتهم النجوم والمشاهير… وليالي بيروت مليئة بالمستور والمكشوف، والمستتر والمفضوح. 

 

بدأ سامي غميقة مشواره مع الصحافة في جريدة "النضال" التي كان يرأس تحريرها مصطفى المقدم، انتقل بعدها إلى مجلة "المجالس المصورة"، ثم جريدة "الحياة"، لينضم إلى حاتم خوري في مجلة "الف ليلة وليلة"، ويطل بقلمه على جريدة "البيرق"، بطلب من ملحم كرم، ناشر المجلة والجريدة.

وحدث أن اختلف كل من حاتم خوري وسامي غميقة مع ملحم كرم حول العديد من الأمور، فتركا "ألف ليلة وليلة"، و"البيرق"، وكل ما كان يصدره نقيب المحررين ملحم كرم، إلى "دار الصياد"، فكتبا في "الأنوار"، ومجلة "الصياد"، ومجلة "الشبكة"، وتركا بصماتهما على الكثير من "الخبطات" الصحافية و"الصدمات الجميلة"، حسب سامي غميقة.

لم يدُم تعاون حاتم خوري وسامي غميقة مع "دار الصياد" طويلاً، فتركاها كل إلى مشروعه الخاص، فأصدر سامي مجلة "المنبر"، بتمويل من زوجة الشيخ فادي الجميل، وكانت مكاتبها في "ساحة الدباس"، وحاتم خوري انصرف بكليته إلى مجلة "السنارة"، التي كانت تصدرها علياء الدالاتي، والى إصدار الروايات، أبرزها "شارع الضباب"، والعنوان مأخوذ من زاوية تحمل العنوان نفسه، كان يكتبها في "الشبكة"، وأحياناً، عندما يكون "معكر المزاج"، يكتبها عنه سامي...

وهذه الرواية نشرها حاتم إحدى عشرة مرة، وفي كل مرة يغير العنوان والغلاف، ويبقى النص على حاله، والعهدة في هذا على الراوي، والراوي صديق رافق سامي وحاتم.

وإذا كانت "السنارة" استمرت سنوات، إلى أن احتجبت، فإن "المنبر"لملمت أوراقها في العدد العاشر. واتكل سامي غميقة على الله وعلى مساعي ريمون عطا الله ونبيل خوري، فانضم إلى "الحوادث"، وخلال عمله فيها، طلب منه سليم اللوزي أن يتولى مساعدة بسام حيدر، في رئاسة تحرير مجلة "الموتور"، التي كان اللوزي شريكا فيها. وكالعادة طلع سامي غميقة بنظرية "أنسنة الآلة"، فصدرت "الموتور"، (وكانت مجلة جادة تعنى بكل ما يحركه محرك، وخصوصاً السيارات، أطرزة وتقنية،، وسباقات "فورمولا واحد" و"الراليات").. وعلى غلافها فتاة جميلة تجلس بإغراء على مقدمة سيارة... وطار صواب بسام حيدر، الذي اعتبر أن رصانة المجلة التي يملك نصفها ويترأس تحريرها، قد انتهكت، وسُوي الإشكال بتخلي سامي عن بسام حيدر و"موتوره".

وظل سامي في "الحوادث" إلى أن قرر سليم اللوزي الاغتراب إلى بريطانيا، (و تلك قصة سيأتي الكلام عنها وحولها فيما سيلحق).

راسل سامي مجلة "المجلة" و"هي"، وفي أواخر أيامه تولى إدارة مكتب جريدة "الشرق الأوسط" في بيروت. وكان قدّم وأعد برامج عدة، لحساب "المؤسسة اللبنانية للإرسال" "LBC" و"تليفزيون لبنان"، كما قدم برنامج "يالله" خلال سنوات الاحتراب الداخلي، وواظب على إعداد البرنامج الإذاعي اليومي "الجريدة" الذي كان يبث عبر إذاعة "صوت لبنان" وشاركته فيه مذيعة الأخبار صاحبة الصوت الجميل "يولا سليمان". 

في لقائي الاول به، أصر سامي غميقة، أن يصحبني إلى شقته فى بناية "يعقوبيان" في منطقة" الروشة"، وتحديدا "كاراكس" Caracas، القريبة أيضاً من "رأس بيروت"، بسيارته طراز Pontiac GTO الفارهة، فهو يفضل السيارات الأمريكية الفارهة على ما عداها، ويعشق سياقتها على الرغم من أنه تعرض لسبع حوادث سير نجا منها بأعجوبة.

 

(وبناية يعقوبيان البيروتية لا تمت بصلة للبناية المصرية، ومن المصادفات أن يملكهما ثريان من الملّة الأرمنية يتشابهان بالأسماء، الأرمني اللبناني هو يعقوب يعقوبيان).

 

و"بناية يعقوبيان"، كانت سكنى عدد من المشاهير، فمنهم: فايزة أحمد، عبد السلام النابلسي... النادي الليلي "فينوس" Venus في الطوابق الأرضية، سبب آخر لشهرتها. 

شقة سامى غميقة "صرعة"، على ما يقول اللبنانيون، أي "تجنن" أو "تهبل"، بالعامية المصرية. ولا بد أن يصيبك الذهول وأنت تعاين ما فيها، ففى السبعينيات لم يكن "ميكانيزم" أو نظام التشغيل الإلكتروني" للستائر قد عُرف، أو راج، ولم نعرفه في مصر إلا لاحقاً، غير أن اللبناني "عاشق كل جديد، ودائماً يجتهد للحصول عليه واستحواذه "، كما كان محمد عبد الوهاب العاشق للبنان يردد دائماً.

ستائر الشقة تغلق وتفتح بكبسة زر في "ريموت كنترول" مبرمج لأداء هذا الغرض، أينما كنت في الشقة. في الصدارة مكتبة ضخمة ومتخمة بالكتب باللغتين الفرنسية والعربية بعرض الحائط، تتحكم في مصراع أبوابها شبكة إلكترونية. أثاث الشقة مستورد من فاخر ما أنُتج في باريس. أما اللوحات الزيتية، فحدث عنها ولا حرج. 

كان سامي غميقة يعيش عيشة "بلاي بوي"، عاشقاته كثيرات، وعشقه كان لواحدة فقط، قدمها لي ذات مرة، لا ظروفه سمحت له بالرباط المقدس معها، ولم تستطع هي الارتباط، والسبب باق للزمان، فالبوح به غير مباح. 

ذات صباح، من صباحات شهر آب سنة 1999، كان سامي يقود سيارته على طريق "برمانا" باتجاه بيروت، غدره قلبه، فأصيب بذبحة فقد معها سيطرته على السيارة، فانحرفت عن الطريق إلى كعب وادي "جورة البلوط"، وفارق الحياة. 

لا يمكنك التعرف على سامي غميقة، من دون التعرف على توأمه الروحي حاتم خوري، العاشق الأبدي لليل والكأس، والسهر، مع كل توابعه ومتطلباته، لا ينام إلا مع الفجر. وهو الصحافي الذي يقنعك أن الأسود أبيض والأبيض أسود، وهو على استعداد لأن يخترع قصة صحافية، وينشرها، ثم يصدقها، ويجعلك تصدقه وتصدقها، وتبصم بأصابعك العشر وتبدأ منسحراً بما قرأت، تتندر بها.

ولسامي غميقة وحاتم خوري حكايات لا تنسى، لظرفها. واحدة تحضرني، وتلح عليَّ:

حدث أن توفي فعلاً، رجل اسمه توفيق يوسف عواد، وكان مختاراً لإحدى القرى. أوردت "الوكالة الوطنية للأنباء"، وهي وكالة رسمية، ما تبلغته من وزارة الداخلية، فهرول محرر "المحليات" في جريدة "الأنوار" إلى مكتب سعيد فريحة، وقال له بلهجة موشاة بالحزن:

"يا أستاذ سعيد... عندي خبر مؤسف، مات صديقك توفيق يوسف عواد".

بعدما ترحم الأستاذ سعيد على صديقه، طلب من المحرر نشر نبأ الوفاة، مع صورة، ونبذة عن حياة الفقيد، في صفحة المحليات (الصفحة الرابعة من الجريدة)، ونفّذ المحرر، وصدر عدد "الأنوار" حاملاً الخبر والصورة.

في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي، بينما كان الأستاذ سعيد يحلق ذقنه، رن جرس الهاتف، أجابت السيدة حسيبة، زوجة الأستاذ سعيد.

كان على الطرف الآخر من الخط، الصحافي والسفير، والقصاص الروائي (غير المتوفى) توفيق يوسف عواد.

فهمت الست حسيبة، خطأ، أن المتكلم هو شقيق المتوفى توفيق يوسف عواد، فنادت على الأستاذ:

"سعيد... خيو للمرحوم توفيق... بدو يشكرك".

تناول سعيد فريحة سماعة الهاتف وأخذ يندب، ويعدد الفقيد، وقد بدأت عيناه تغرورقان بالدموع:

"الله يرحمك يا توفيق... يا ضيعانك يا توفيق".

سمع الأستاذ صوتاً على الهاتف يصرخ:

"ولو... ولو يا سعيد، أنا توفيق"

فعاد الأستاذ إلى الندب:

"كلنا توفيق عواد... يا ضيعانك يا توفيق، الله يصبرنا على فقدانك..."

 

و كلما ازداد الأستاذ بكاء، ازداد توفيق يوسف عواد صراخاً... إلى أن انجلى الموقف، وسعيد فريحة في حال ذهول، سمع توفيق يقول له:

"ولو... ولو... أنا بموت وتنشر الخبر على الصفحة الرابعة، مع صورة نصف عمود؟!"

رد سعيد فريحة مُلَمْلِماً ذهوله:

"ما تواخذني... ما تواخذني دخيلك يا توفيق".

رد عليه توفيق مصراً على العتاب والمعاتبة:

"شو... شو ما آخذك، على الأقل على الصفحة الأولى، مع صورة على عمودين!".

وبين الضحك والبكاء، وعد الأستاذ بأن يفعل ذلك عندما يتوفى فعلاً.

وكالعادة، سهر سامي غميقة مع صاحبه حاتم خوري، حتى الفجر، ومن الطبيعي أن يفوتهما اجتماع التحرير الصحافي لجريدة "الأنوار" الذي يحرص الأستاذ سعيد على ترأسه، على الرغم من أن إبنه عصام هو رئيس التحرير.

كانت مشكلة سعيد فريحة الدائمة مع حاتم وسامي، أنهما لا يحترما الدوام، وكل يوما يفبركان الحجج الواهية لسبب تأخرهما، مرّة، أن سامي كان في مهمة صحافية، ورافقه فيها حاتم، ومرّة أن سامي مرّ علي حاتم لاصطحابه بسيارته إلى الجريدة، فتعطلت بهما السيارة...

في اليوم التالي لنشر خبر وفاة توفيق يوسف عواد، دخل حاتم خوري قاعة الاجتماعات متأخراً، لحق به سامي مهرولاً، فصرخ الأستاذ سعيد بهما:

"شو وين كنت يا إستاذ حاتم مع الأستاذ سامي".

فرد حاتم خوري من دون تردد:

"وين كنا... كنا في جنازة المرحوم توفيق يوسف عواد...".

مسح الأستاذ سعيد ابتسامة عن شفتيه:

"برافو... برافو، كيف كانت الجنازة؟"

فرد سامي بمنتهى الجدية:

"ولا جنازة ملك..."

والتقط حاتم الكلام، مسترسلاً:

"لو تقرأ خطاب وزير الخارجية فيليب تقلا، في رثاء سفيره... بتبكي، والله بتبكي يا إستاذ سعيد...".

رد الأستاذ سعيد:

"الله يعطيكما العافية، أنت يا سامي إكتب وصفاً كاملاً للجنازة، مع أسماء كل الذين حضروا وشاركوا، وإنت يا حاتم لا تنسى كلمة فيليب تقلا، إكتب موجزاً عنها".

بعد ساعة، عاد سامي وحاتم إلى مكتب الأستاذ سعيد، يحمل كل واحد منهم ما طلبه الأستاذ، سامي كتب وصفاً دقيقاً للجنازة، وحاتم أهم ما جاء في رثاء الوزير فيليب تقلا.

صراخ الأستاذ سعيد فريحة، سُمع يومها، في كل أرجاء منطقة "الحازمية"، (حيث مبنى "دار الصياد"العملاق).

 

استحوذ علي الشوق، في الأسبوع الأول لوصولي بيروت، أن أتواصل مع أصدقاء المهنة، وفي الوقت نفسه، البحث عن سكن مستقل، فما إعتدت على مشاركة السكن مع أحد، على الرغم من أن لاقتسام النفقات مع "شريك" المسكن فوائد اقتصادية.

 

في مقاهي الأرصفة في "شارع الحمراء"، كنت ألتقي سامي غميقة، وإبراهيم البرجاوي، ونبيل خوري، وإلياس الديري، وإبراهيم سلامة... الجلسات تطول، ويطول معها أحيانا الليل، في ملاهي "الزيتونة"، و"عين المريسة"، وعلب الليل في محيط "فينيسيا".

في دفتر صغير، كنت أسجل فيه ملاحظات، عثرت على إسم صابر كامل، الشاب الإسكندراني، الذي جاءني مكتبي في "روزاليوسف"، وأخبرني أنه في القاهرة لقضاء إجازة الصيف، فهو يدرس في "جامعة بيروت العربية" (كانت تلك الجامعة الوحيدة في لبنان التي تقبل حملة الثانوية العامة "التوجيهية"، المصرية، أما الجامعات الأخرى فكانت لا تقبل حملة الشهادة المصرية، وبعد ضغط الحكومة المصرية، فرضت وزارة التربية اللبنانية إجراء إمتحان معادلة "التوجيهية" بالبكالوريا اللبنانية بجزئها الثاني). أبدى صابر كامل يومها شغفه بالإخراج الصحافي، وراح يستفسر مني عن الكثير حول ذلك الفن. لمست من خلال ما حمله إليّ من تصميمات، أنه يتمتع بموهبة، وذوق، وعرفت منه، وقتها، أنه يعمل في القسم الفني في مجلة "الحوادث"، الذي يتولاه عصمت الشنبور، للمساعدة على نفقات الجامعة والإقامة في بيروت.

كنت إلتقيت عصمت الشنبور، في زيارتي الأولى لبيروت، ودعاني يومها لتناول العشاء في مطعم Le Grenier، أنيق عصمت في كل شيء، في ملابسه، في حديثه، في تصرفاته.

طرابلسي، أبا عن جد، ولد في كنف عائلة ميسورة الحال، والده ملاك على سعة، ووالدته تركية الجذور والأصول، مفتون منذ صغره بكل ما هو أوروبي. في الخامسة عشرة من عمره، اندفع وراء شغفه بالرسم والتصميم الفني. 

سنة 1941، تخلى عن الكتب والكراريس، كان شغفه بالفن يستحوذ عليه، ووجد أن طرابلس تضيق بطموحاته، فغادرها إلى بيروت.

وجد عملا في شركة "سنيب" Snip للإعلانات، التي أسسها توفيق سلطان وشفيق هدايا، لتصبح من أهم وأوائل شركات الإعلانات في العالم العربي. فأبدع في تصميم الإعلانات معتمداً على ذوقه الرفيع ومُخيّلته الخصبة، عاملاً على إدخال الألوان في الإعلانات المطبوعة للمرة الأولي. ويصرف عصمت شنبور عشرين سنة في "سنيب"، ويتزوج من ابنة توفيق سلطان، وشقيقة الصديق طارق سلطان، ومن تصميم الإعلانات، أنصرف عصمت إلى تصميم وإخراج الكتب، فعمل في دار محمد بعلبكي، ثم في "مؤسسة بدران" العريقة التي كانت معروفة في العالم العربي بكتبها الفاخرة، التي كانت تُعد في صناعة الكتب "تحف فنية". 

سنة 1971، كان سليم اللوزي ينقل مجلته "الحوادث" من "كورنيش المزرعة" إلى مبنى من 11طابقاً وثلاثة تحت الأرض، في "عين الرمانة"، وينفض عن المجلة كل قديمها، سياسياً وفنياً، وقد أعاد تشكيل جهاز التحرير، وبدأ يبحث عن من يمكنه إلباس مجلته حُلة قشيبة، فعرّفه مدير مؤسسة بدران على عصمت شنبور ونصحه بالتعاون معه.

فحمل عصمت مسطرته وأقلامه، وصمم "ماكيت" لشكل "الحوادث" الجديد وكان عصمت متأثراً بجوزف عون، المتميز والرائد في الإخراج الصحافي، الذي أُدخل إلى التصميم الصحافي وشكل الصفحة، ما لم يكن مألوفاً، لا في لبنان، ولا حتى في العالم العربي. وكذلك تأثر بالمدرسة الفرنسية في الإخراج، لذلك جاءت "الحوادث" مزيجاً من مدرسة جوزف عون، ومجلة Le Nouvel Observateur في الحجم والشكل والإطار البرتقالي في الغلاف.

مع اشتعال شرارة الاحتراب الداخلي، تحول مبنى "الحوادث" إلى خط تماس (الشياح - عين الرمانة) حيث كانت جبهات القتال في أوجها. 

كان نبيل خوري، رئيس تحرير "الحوادث"، كتب مقالاً، خلال غياب اللوزي في لندن، قال فيه أن المقاومة الفلسطينية هي جيش المسلمين، فغضب اللوزي، وإعتبر المقال إساءة إلى الجيش اللبناني، فطلب من نبيل خوري الاستقالة وترك المجلة,

والحقيقة أن فيصل أبو خضرا، كان وراء مقال نبيل خوري، وهو الذي مول شراء رخصة "المستقبل" من الوزير السابق هنري إده، فأصدرها نبيل خوري من باريس سنة 1977، مستعيناً بعصمت شنبور لتصميمها وإخراجها، فكانت على شاكلة مجلتي Le Point وL’Express إن في الحجم أو التصميم. كذلك صمم مجلة "ياسمين"، النسائية الشهرية التي أصدرها نبيل خوري أيضاً، والتي لم تستمر طويلاً.

وجود عصمت شنبور في باريس، لم يمنعه من تصميم الماكيت الأساسية لعدد من المجلات، بينها "التضامن"، و«اليوم السابع»، وجريدة «المحرر»، ومجلتا «2000» اللندنية التي توّلى إخراجها شهريا، وكان يرسل الصفحات المصممة عير DHL لتطبع في لندن، و«الصفر» الباريسية.

ذات يوم فاجأني عصمت شنبور، وأطلعني على تصميم لحرف سماه "الحرف الجديد"، يُغني عن خط "الرقعة" المعتمد في عناوين الجرائد وبعض المجلات العربية. وقتها كان عصمت يحاول تطويره، قبل بيعه لشركة "لينو تايب"Linotype . وكان الحرف مزيج بين طابع الحروف الطباعية المعدنية، وبين أسلوب في الخط راج، وقتها، يعتمد تسميك أو تتخين قاعدة الحروف بما يعطيه الوزن المناسب لاستخدامه في العناوين. وبعد "الحرف الجديد" الذي أطلقه سنة 1980، صمم حرفاً آخر سماه "مريم". وقد بنى عصمت شنبور حرفيه ("الجديد "و "مريم") على أسس خط النسخ التي تنساب أفقياً على السطر على خلاف خط الرقعة الذي ترتفع وتنخفض حروفه بحسب التشكيلات الحروفية. 

سنة 2008 بعد توعك، فارق عصمت شنبور الحياة، تاركاً تراثاً باق على مر الزمان. كان في الثالثة والثمانين.