عاجل
الأربعاء 8 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

السلطان أسكيا محمد أحد أعظم سلاطين إفريقيا

د. إسماعيل حامد اسماعيل
د. إسماعيل حامد اسماعيل

صار السلطان أسكيا محمد - Askia Mohamed (898-935هـ/ 1493-1528م) حاكمًا على مملكة صنغي في حوالي سنة 898هـ /1492م، بدلًا من السلطان الهارب المنكسر المدعو "سني بارو"، وكان هذا السلطان المعزول من الحكم قد هرب إلى منطقة نائية اسمها (دندي) Dendi تقع جنوبي هذه البلاد، ولا يُعرف على وجه الدقة ماذا حدث له بعد ذلك. 



ويبدو أن أهل المملكة كانوا قد شعروا بالفرح الكبير بعد هذا التغيير السياسي المهم الذي وقع وأدى لإسقاط حكم ابن "سني علي" الخارج عن الإسلام.

 

 

ومن المعروف أن السلطان أسكيا محمد (898-935هـ/ 1493-1528م) كان من أصل سوننكي، إذ كان من قبيلة سوننكية محلية اسمها "طوري" أو "سيلا"، ولهذا كان يلقب بمحمد الطوري، وذلك قبل أن يصبح حاكمًا على البلاد. 

 

 

وعن ارتقاء أسكيا محمد للحكم، يقول أحد المؤرخين عبارة ذات مغزى: "إن الله حرر المسلمين من الكرب ومن الأسى"، وذلك لأنه وضع حدًا لمعاناة شعب صنغي مع الحاكم السابق "سني بارو" الكاره للعقيدة الإسلامية، وعلى هذا استقرت أمور الحكم لـ"أسكيا محمد"، ودام حكمه أكثر من 35 سنة.

 

 

ويُعتبر السلطان أسكيا محمد من أعظم السلاطين في تاريخ غرب إفريقيا (السودان الغربي)، حيث شهدت صنغي في أيامه أزهى عصورها، وصارت أقوى مملكة في غرب إفريقيا آنذاك، وقام أسكيا محمد برحلة الحج إلى الحجاز حوالي سنة 901هـ/ 1496م، ورافقه خلالها حوالي 800 جندي، وكان معه أيضًا العلماء والفقهاء وكبار رجال البلاط، وحمل أسكيا محمد معه حوالي 300 ألف دينار لنفقات الرحلة الطويلة، حيث كان عليه عبور الطريق المؤدي إلى شمال إفريقيا ومنها إلى مصر، ويقال حسب روايات أخرى إن موكبه كان يضم حوالي 500 فارس وحوالي 1000 من جند المشاة. 

 

 

وقد اعُترف بشرعية "أسكيا محمد" خلال رحلة الحج من جانب شريف مكة، وهو الذي أعلن أن سلطان صنغي هو "خليفة المسلمين" في بلاد السودان. 

 

 

ولما جاء "أسكيا محمد" للقاهرة واستقر بها حتى خروج موكب الحج المصري مثلما فعل "منسا موسى" سلطان مالي من قبل سنة 724هـ/ 1324م، التقى هناك الإمام الحجة السيوطي (911هـ/ 1505م)، وتحدث معه في أمور العلم.

 

 

وقد دعا السلطان إسكيا محمد (899-935هـ) الإمام السيوطي لزيارة بلاده حتى ينشر العلم هناك (أي في بلاد التكرور بحسب وصف السيوطي ذاته)، وهو ما حدث بالفعل على الراجح، حيث زار السيوطي "مملكة صنغي"، وهو ما ذكره السيوطي ذاته في ترجمته في كتاب "حُسن المحاضرة"، لكنه يذكرها باسم (بلاد التكرور)، ويعتقد أنه ربما ارتبط السيوطي بما يشبه صداقة العلم بـ"أسكيا محمد"، لأنه سلطان بلد أجنبي نائي، ولم يكن الإسلام قـد توغل في قلوب كثير من شعبه (التكرور) حتى أيامه، ولا تزال الكثير من العادات والتقاليد الوثنية ذائعـة بينهم. 

 

 

وعلى أي حال أراد السيوطي من معرفته للسلطان أسكيا محمد أن يُعلمه أصول الدين الإسلامي الصحيح، وكذلك أن يعلم شعبه ما غاب عنهم من أمور الدين، وأن يُصحح لهم ما كان قد فسد من أمور دينهم، وأن ينقى ما راج بينهم من بدعٍ تُخالف الدين وتعاليمه. 

 

 

وعلى هذا كانت علاقة السيوطي بملك صنغي (التكرور) خدمة للدين، لا تقربًا من السلطان ذاته، لأن السيوطي لم يكن من علماء السلطان. 

 

 

وتتحدث العديد من المصادر التاريخية عن تلك الصداقة، لا سيما مصادر بلاد المغرب والسودان الغربي، والتي أشار مؤرخوها إلى ما كان يجمع السيوطي بـ"أسكيا محمد" من علاقة طيبة وودية. 

 

 

وقد تحدثت الكثير من هذه المصادر السودانية المحلية عن هذا اللقاء، ومنها روايات المؤرخين المعروفين، ومنهم: محمود كعت "صاحب الفتاش" (955هـ)، وعبد الرحمن السعدي "صاحب تاريخ السودان" (1026هـ)، وكذلك محمد الصغير الوفراني "صاحب نزهة الحادي"، وغيرهم آخرون. 

 

 

ويذكر المؤرخون أن أسكيا محمد لقي الإمام جلال الدين السيوطي، إبان رحلته للحج مع موكب بـلاد التكرور، لما توقف بأرض مصر، منتظرًا خروج موكب الحج المصري الذاهب إلى بلاد الحجاز، ويقول الوفراني: "ولقي (أي أسكيا محمد) بمصر الإمام شيخ الإسلام جلال الدين السيوطي..". 

 

 

واستمع أسكيا للسيوطي، وانبهر به، وبعلمه، وتعلم على يديه، يقول الوفراني: "فأخذ عنه عقـائده، وتعلم منه الحلال والحرام، وسمع جملًا من آداب الشريعة وأحكامها، وانتفع بوصاياه ومواعظه..". 

 

 

وهو ما يُشير إلى مدى تأثر أسكيا محمد بالسيوطي، وبعلمه، ولهذا لما عاد إلى بلاده سار على طريق السنة، وهدي النبوة: "وأحيا طريق العدل، ومال للسيرة العربية، وعدل عن سيرة العجم". 

 

 

وتذكر إحدى المخطوطات المحلية أن السلطان (أسكيا محمد) أراد أن يعطي الإمام السيوطي مالًا فأبى بشدة، واعتذر له بأدب العلماء، وتقول هذه المخطوطة عن ذلك: "ثم جاءه بمال عظيم من الذهب، فأبى، واعتذر بأنه لم يلبث في ملكه ثلاثة مثاقيل..". 

 

 

وتشير ذات المخطوطة إلى أن السيوطي كان قد أخبر ذلك السلطان أنه سوف يقتل، بل وحدد له الوقت الذي سوف يقع له فيه ذلك المُصاب، وهو أمر دونما ريب يحتاج مزيدًا من التدقيق التاريخي، لأن السيوطي- وهو من أئمة أهل السنة الكبار- يعلم تمام العلم أن إخبار الناس بوقت موتهم لا يجوز شرعًا، لأنه من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وعن ذلك يقول أحد المؤرخين: "وأخبر جلال الدين السيوطي السلطان أنه مقتول في الوقت الفلاني...". 

 

 

وتذكر الروايات أن السيوطي تنبأ لأسكيا محمد بعظم ملكه، وصارت بينهما الصداقة قوية، حتى يقال إن أسكيا كان لا يقبل على إبرام أي أمر مهم في بلاده، إلا بعد أن يطلب مشورته، ولكن ليس لدينا أخبار من المصادر عن ذلك. 

 

 

ومن جانب آخر يرى البعضُ أن الرحلة التي قام بها السلطان "أسكيا محمد" إلى بلاد الحجاز لأداء مناسك الحج كانت أكثر ثراءً وإبهارًا من موكب السلطان منسا موسى (724-725هـ/ 1324-1325م) ملك مالي المعروف. 

 

 

وليست لدينا الكثير من الأخبار المصدرية حول موكب السلطان (أسكيا محمد)، حيث لم يتوافر لنا ما توافر من روايات مصدرية معاصرة، وكذلك لاحقة غير بعيدة مثلما توفرت لرحلة السلطان "منسا موسى، وهو ما يحتاج أيضًا مزيدًا من الدراسة الدقيقة، وعلى أية حال مات السلطان "أسكيا محمد" سنة 935ه/ 1528م. 

 

 

وكانت المرحلة الأخيرة من حياة هذا السلطان ذي الصيت العريض تحمل الكثير من المآسي والتقلبات غير المتوقعة من جانب أبناء السلطان، حيث عزلوه، وصار قيد الإقامة الجبرية حتى موته. 

 

 

ويوجد قبر "أسكيا محمد" في "جاو" عاصمة سلطنة صنغي، وهو قبر معروف ويحرص أهلُ البلاد على زيارته، لأنه يحمل الكثير من ذكريات العظمة والمجد الغابر في تاريخ بلادهم الماضي، ويتميز القبر بأنه مشيدٌ كله بالطوب اللبن ومغطى بطبقة من الطين على عادة المنشآت والمباني التي كان يشيدها أهل تلك البلاد في ذلك الوقت. 

 

 

كما يتسم قبر "أسكيا محمد" ذي التصميم الفريد، بأنه مُشيدٌ على طراز الشكل الهرمي، ويذهب بعض الباحثين إلى أن السلطان لما زار أرض مصر خلال رحلته الشهيرة إلى بلاد الحرمين لأداء مناسك الحج، كان قد انبهر بقوة وعظمة عمارة الأهرامات التي كان قد شادها الفراعنة المصريون منذ آلاف السنين، ومن ثم تولدت لديه رغبةٌ ملحة في أن يُشيد له المهندسون في بلاده قبرًا على غرار هذا الشكل الهرمي، وإن كان هذا السلطان يعلم علم اليقين أنه من المستحيل محاكاة أهرامات الفراعنة، لا في ضخامة بنائها ولا في روعة تصميمها المعماري.   

 

متخصص في التاريخ والتراث الإفريقي