عاجل
الجمعة 3 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

حكايات "العصر الكانمي"

د. إبراهيم محمد مرجونة
د. إبراهيم محمد مرجونة

كان أول ملك يحكم أرض "كانم" هو المعروف باسم دوجو، أي "الآمر"، ويقال إن اسمه الحقيقي هو محمد الآمر، وأنه تزوج من قبيلة كاي من الزغاوة، الذين ينتمون لعناصر الأمازيغ الصحراويين، وقد بدأت هجراتهم إلى بلاد السودان منذ زمن بعيد.



 

وقد برز في العصر الكانمي عدد من الملوك العظام، اتسعت الدولة في عهدهم، مثل السلطان دونمة بن أومي، وحفيده السلطان دونمة دبلامي، وقد حكم الأول في النصف الأول من القرن السادس الهجري. 

 

ويذكر المؤرخون أن جيوش دونمة بلغت مائة ألف فارس، كما أنه جلب عددًا من الأتراك اتخذهم حرسًا خاصًا له، وقاد جيوشه لنشر الإسلام فاتسعت دولته تجاه الشمال الشرقي، حتي بلغت حدود مصر الجنوبية. 

 

 

ويذكر أن هذا السلطان قد حج مرتين، وترك في المرة الأولى خمسمائة من عبيده في مصر، وفي المرة الثانية ترك عددًا مماثلًا، وكان يأتي في أبهة عظيمة فخشي سلطان مصر يومئذ الخليفة الظافر أبي منصور الفاطمي (544-549هـ/ 1149-1154م) من أن يقوم هذا السلطان بغزو بلاده، فدبر له خطة في الحجة الثالثة، وخرق المصريون مركبه وهو في وسط البحر الأحمر، فغرق السلطان دونمة أمام حاشيته وهو يرتدي جلبابه الأبيض.

 

وقد برز خلال هذا العصر عدد من السلاطين الكبار الذين خلدوا اسم هذه الدولة وتاريخها، مثل السلطان علي غاجي (877-910هـ/ 1472-1504م) واشتهر بعلي بن زينب، ويلقب بالغازي لكثرة غزوه، فشن حربًا شرسة ضد "البلالة" حتي كسر شوكتهم، وغزا الصحراء، وتوغل فيها حتى أعاد منطقة التبستي وما جاورها إلى الدولة، كما غزا بلاد "الهوسا"، وضمها إلى دولة البرنو، ووقعت مناوشات بينه وبين دولة سنغي التي كانت تنافسه في بلاد الهوسا، ثم اتجه إلي البناء الداخلي لدولته الناشئة في موقعها الجديد، فأخذ يخطط لبناء عاصمته الجديدة ونقل أفراد الأسرة السيفية إليها، وتكامل فيها سكان نجيمي فتمت وانتظمت، ووصفها المؤرخون بأنها كانت بديعة المنظر ومحاطة بالأسوار من كل جانب، وتقع على ضفاف نهر طوبى بين النيجر ونيجيريا حاليًا، واعتبرت المدينة من أكبر المدن الإفريقية، التي نشأت في العصور الوسطى.

 

وتذكر الوثائق أن شوارعها بلغت ستمائة شارع، ولأهمية موقعها أصبحت مركزًا تجاريًا كبيرًا يربط السودان بشمال إفريقيا، فظهرت برنو في الخرائط البرتغالية عام 893هـ/ 1487م.

 

ثم جاء بعد السلطان علي غازي عدد من السلاطين يربو عددهم عن الثلاثين، كان أبرزهم السلطان إدريس ألوما، الذي حكم دولة البرنو حوالي أربعين عامًا (970-1012هـ/ 1562-1603م) وتعتبر فترة حكمه من أزهى فترات التاريخ البرنوي، فقد كانت والدته الميرام عائشة من أميرات البلالة، وكان لها نفوذ سياسي قوي في البلاط البرنوي، وهو نفوذ مشروع لوالدة السلطان في النظام البرنوي، ولهذا هدأت ثورة البلالة مما أتاح الفرصة للسلطان إدريس أن يضع سياسة خاصة يسير عليها، تقوم على بناء القوة الحربية ثم الجهاد، لهذا قام بحشد الرجال في كل أنحاء برنو، ثم سافر إلى الحج واشترى هناك أوقافًا طائلة أوقفها على حجاج بلاد السودان عامة، ثم زار مصر في طريق عودته، وفيها اشترى كميات كبيرة من السلاح الناري، وأحضر معه مجموعة من الجند الأتراك لتدريب جيشه على استعمال السلاح الناري، وهو سلاح جديد على منطقة السودان الغربي، وبعد أن أكمل استعداده أعلن الجهاد ضد القبائل الوثنية المناوشة لدولته، وخرج بنفسه لقيادة جيوشه، وكان بصحبته إمام مسجده الشيخ أحمد بن فرتوا، الذي سجل أحداث تلك الحروب في كتاب سماه كتاب "حروب السلطان إدريس"، ثم اتخذ السلطان إدريس رباطًا كبيرًا بالقرب من مواطن الأعداء، وأخذ يشن الحملات الجهادية منه، ويعود بالأسرى والغنائم، وقد استغرق جهاده للقبائل الوثنية سبع سنوات متتالية حتي استسلمت ودخلت في دين الله أفواجًا، ويذكر الإمام ابن فرتوا أن السطان إدريس كان يتآسي في جهاده بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

 أهم المدن في بلاد كانم: 

1-    جيمي: بكسر الجيم، وبالياء المثناة تحت الساكنة، وكسر الميم، ثمَّ ياء مثناة تحتية في الآخر.

موقعها في الإقليم الأَوّل من الأقاليم السبعة، حيث طول ثلاث وخمسون درجة والعرض تسع درجات، وبها مقر سلطانهم، ومبدأ تلك المملكة من جهة مصر بلدة دلا وآخرها طولًا بلدة يُقال لها: كاكا، وهي قاعدة سلطنة البرنو، وبينها وبين جيمي 40 ميلًا، وظلت قاعدة البلاد لمُدّة 3 قرون تقريبًا، وهي مركز للتسوق في البلاد، ومساكنهم عبارة عن أكواخ.

 

2-    بلاد مالي: بفتح الميم، وألف بعدها لام مشددة مفخمة، وياء مثناة تحت الآخرة، وذكرت ملل، وأَنَّ مدينة ملل هي مدينة صغيرة كالقرية الجامعة لا سور لها، وهي على تل تراب أحمر منيع، وقال عنها ابن بطوطة (ت779ه): "فوصلت إلى مدينة مالي حضرة ملك السودان"، وهي معروفة عند العامة ببلاد التكرور، وإذا أطلقت كلمة مالي، فإِنَّها تعني العاصمة، وأَنَّها تعني الدولة أيضًا.

  ولابُدّ من الإشارة هنا إلى أَنَّ دولة مالي كانَ يطلق عليها أحيانًا دولة الماندنجو، وهم مجموعة من القبائل التي كونت تلك الدولة، وسادت المنطقة عِدَّة قرون.  

 

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية – رئيس قسم التاريخ